الثلاثاء 24 مايو 2022
اقتصاد

عبد السلام الصديقي: المائة يوم التي انتظرناها

عبد السلام الصديقي: المائة يوم التي انتظرناها عبد السلام الصديقي وزير سابق (يمينا) وعزيز أخنوش رئيس الحكومة

منذ أن دشن الرئيس روزفلتRoosevelt  هذه الممارسة سنة 1933، أي بعد مائة يوم من تنصيبه، للإعلان عن تدابير مكافحة الأزمة، تحولت إلى نوع من الهوس الذي تتقيد به معظم الحكومات. وهكذا أصبحت كل حكومة جديدة تتمتع بمهلة إعفاء لمدة 100 يوم. وبمجرد أن تمر هذه الفترة، تصير الحكومة المعينة مطالبة معنويا بعرض حصيلتها، وطرحها أمام الرأي العام ولتكون موضوع نقاش داخل البرلمان. وهذه القاعدة هي التي أخذ بها رئيس الحكومة السيد عزيز أخنوش، حيث قرر الخضوع لهذا التمرين من خلال توجهه للشعب "كضيف خاص" عبر القناتين العموميتين.

 

فلماذا مائة يوم بالضبط؟ ليس هناك جواب مقنع لهذا السؤال باستثناء ما يرتبط بمسألة أصبحت اعتيادية. في ظل غياب أي أساس لها من الناحية القانونية والدستورية، فهي مجرد تقليد إن صح التعبير. وهذا ما جعل الرئيس السابق باراك أوباما يطلب غداة انتخابه فترة لا تقل عن 1000 يوم لتقديم حصيلته! مؤكدا أن المائة يوم التي عمل بها الرئيس روزفلت تعود بالأساس إلى السياق الذي أوجدته الأزمة الكبرى إبان تلك الفترة.

 

وبمجرد قبول هذا المبدأ، ينبغي معرفة المنهجية التي يجب اتباعها لوضع الحصيلة وتقييمها. بطبيعة الحال، إن أي تقييم ينبغي أن ينطلق من الالتزامات الحكومية كما أُعلن عنها في البرنامج الحكومي، وتمت برمجتها في قانون المالية. بعبارة أخرى، نحن نحكم على الحكومة انطلاقا مما قامت به، أو تعتزم القيام به في المستقبل القريب، وليس انطلاقا مما نريد أن تقوم به. الفرق شاسع بين التصورين! يتعلق الأمر بتقييم داخلي وليس بانتقاد خارجي. ولكي نعبر عن الأمر بشكل مباشر، سنتعامل مع الحكومة بما صرحت به أخذا بعين الاعتبار التزاماتها العشرة الكبرى.

 

ومن جهة أخرى، يجب تجنب السقوط في متاهة التفاصيل، كما فعلت ذلك الحكومة السابقة، حينما قدمت حصيلتها للمائة يوم الأولى في شكل كاريكاتوري فتح المجال للسخرية من خلال وثيقة "120 يوم، 120 إجراء". إن مثل هذه المنهجية لا تعمل إلا على طمس القضايا الكبرى للبلاد. فماذا عن الالتزامات العشرة للحكومة؟

 

بخصوص الالتزام الأول القاضي بإنجاز معدل نمو يبلغ 4% خلال الولاية الحكومية، يلاحظ أن الحكومة تصرفت بنوع من الحذر وغياب الطموح، حيث اكتفت بمعدل نمو بلغ 3,2% خلال السنة الحالية. وهو ما قد يضع هدف خلق ما لا يقل عن مليون منصب شغل في نهاية الولاية في مهب الريح، علما أنه الالتزام الحكومي الثاني. وتحقيقا لهذه الغاية، وجب التذكير أن الحكومة أعطت الانطلاقة لخلق 250000 منصب شغل مؤقت وهش، وحتى تكون الأمور واضحة: 80% من هذه المناصب أي 200000 لم تعمر إلا ما تعمره الورود، فقط ستة أشهر، و20% الأخرى ستدوم مدة 24 شهرا.. طبعا، من السابق لأوانه ! إصدار حكم أو قياس مدى تأثير على هذا المشروع الذي أطلق عليه اسم "أوراش".

 

أما الالتزام الرابع فيهم تعميم التغطية الاجتماعية. هذا الورش الملكي، الذي انطلق خلال الولاية السابقة، يحظى بعناية وتتبع خاصين. وهو ما نهنئ أنفسنا عليه مع كل الحيطة واليقظة لضمان نجاحه واستدامته.

 

وفيما يتعلق بالالتزامات السبع الباقية، من الصعب إعطاء أي تقييم في الظروف الراهنة طالما أنه ليس هناك أشياء ملموسة في الميدان. ولم تقدم بشأنها أية إشارات قوية، باستثناء ما يتعلق ببعض الأخطاء التي كان من المستحسن تفاديها كسوء تدبير القطاع السياحي في ارتباط مع الاغلاق المتواصل لحدودنا مع الخارج، وهو تدبير لا يقل ارتجالا وعنادا عن الارتباك الحاصل في إدارة قطاع التربية...

 

وفي المقابل، يجب أن نسجل للحكومة مقاربتها الجديدة لمعالجة إشكالية الاستثمار، مقاربة براغماتية ومتجاوبة، إذ عقدت اللجنة الوطنية للاستثمار التي يرأسها رئيس الحكومة، أربع اجتماعات خلال هذه المدة صادقت خلالها على 31 مشروعا بمبلغ مالي إجمالي يقدر ب 22,5 مليار درهم، وخلق 11300 منصب شغل مباشر وغير مباشر.

 

على العموم، لم تتمكن الحكومة من خلق مناخ تطبعه الثقة، ولم تتمكن في نظرنا، من كسب انخراط الشعب المغربي في مشروعها. وإذ لا نتوفر على معاهد مستقلة لقياس مستوى شعبية رئيس الحكومة ووزرائه وباقي المسؤولين السياسيين، أمامنا أداة وحيدة تتجلى في مؤشر ثقة الأسر الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط. وعلى هذا المستوى ينبغي الاعتراف بأن الوضعية لا تتحسن منذ تشكيل الحكومة الجديدة. وهكذا بلغ مؤشر ثقة الأسر خلال الربع الأخير من سنة 2021، 61,2 نقطة مسجلا تراجعا بالنسبة للربع الثالث حيث بلغ 65,5 نقطة وبقي مستقرا مقارنة مع نفس الفترة من السنة السابقة (2020). كما أن الأسر التي تم استجوابها لا تنتظر تحسنا يذكر خلال السنة الجارية.

 

هذا هو الموضوع الذي ننتظر من رئيس الحكومة الخوض فيه يوم الأربعاء. فإن هو أراد إقناع المواطنين من صحة خياراته وخلق مناخ سليم، عليه أن يتحدث بأسلوب مباشر وبدون مراوغة في الكلام ليكون صريحا مع المغاربة بما فيها القضايا المثارة في الصحافة الوطنية ومن قبل المعارضة البرلمانية.

 

فالخطأ الذي لا ينبغي ارتكابه هو القبوع وراء خطاب تكنوقراطي بارد، خطاب بدون لون ولا طعم، فرئيس الحكومة هو مسؤول سياسي قبل كل شيء، أو على هذا الأساس يوجد في هذا المنصب. طبعا، على الصحافيين الذين سينشطون اللقاء أن يقوموا بدورهم كما تتطلب ذلك المهنة وأن ينقلوا بأمانة انشغالات وتساؤلات وانتظارات المواطنين، حتى وإن تعلق الأمر بمواضيع مزعجة.