الأحد 12 يوليو 2020
سياسة

جمال المحافظ: "الحكومة مسؤولة أمام الرأي العام".. مقال تسبب في اعتقال اليوسفي

جمال المحافظ: "الحكومة مسؤولة أمام الرأي العام".. مقال تسبب في اعتقال اليوسفي الراحل الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، وجمال المحافظ (يسارا)
"الحكومة مسؤولة أمام الرأي العام"، جملة من خمس كلمات، تصدرت الصفحة الأولى من جريدة "التحرير" التي كان يصدرها محمد الفقيه البصري، كادت أن تلقى في السجن برئيس تحريرها الذى لم يكن آنذاك إلا عبد الرحمان اليوسفي الذى خضع إلى استنطاق الشرطة التي أحالته بدورها على قاضي التحقيق.
وأوضح اليوسفي، الذى توفي صباح اليوم الجمعة29 ماي 2020، عن عمر 96 سنة في حوار مطول كنت قد أجريته معه بشقته بإحدى عمارات أحياء مدينة الدار البيضاء بمناسبة إعداد دكتوراه في الحقوق في أواخر سنة 2018 حول مسار وتحولات العمل النقابي في الميدان الإعلامي في ظل التأثيرات المتبادلة بين العوامل السياسية والنقابية وبين الممارسة الصحافية، أن تقديمه أمام قاضي التحقيق سنة 1959 "كان نتيجة بضع كلمات فقط نشرناها في جريدة التحرير، فكان مصيرنا الاعتقال، وبعد ذلك سقنا إلى السجن" يقول ساخرا الوزير الأول في حكومة التناوب.
الرأي العام تمثله الصحافة السلطة الرابعة
وفي نفس السياق أضاف الوزير الأول في حكومة "التناوب التوافقي" ما بين 1998 و2002 "لقد شرحنا للقاضي جيدا أثناء فترات التحقيق، أن الرأي العام تمثله الصحافة التي أصبحت سلطة رابعة معترف بها في العالم كله، الى جانب السلطات الدستورية أي التنفيذية والتشريعية والقضائية. وزدنا في التوضيح كذلك، أن كل المفكرين يجمعون على أن هناك قوة رابعة في المجتمع هي قوة الرأي العام".
ويواصل اليوسفي الحكي عن ملا بسات وتفاصيل هذه "المتابعة القضائية" بالقول "فلما اعتقلنا من أجل ذلك الموضوع المنشور بالجريدة (مديرها كان محمد الفقيه البصري: 1923 – 2003)، وتم تقديمنا بعد ذلك أمام قاضي التحقيق، الذى بادر الى طرح سؤال حول ماذا كنا نعنى ونقصد بتلك العبارة "الحكومة مسؤولة أمام الرأي العام"، فقلت في جوابي "سيدي القاضي أن المعروف عالميا، أنه هناك أربع سلط والرأي العام هو السلطة الرابعة الذى تمثله الصحافة، فنحن لم نخترع شيئا جديدا أو شيئا ما من وحي خيالنا، إن هذا الآمر معمول به في كل المجتمعات المتحضرة ".
مجلس للوزراء برئاسة الملك بسبب المقال الصحفي
وترتب إصدارنا لهذا المقال -يتذكر عبد الرحمان اليوسفي- والذى تزامن مع فترة تولى عبد الله إبراهيم رئاسة الحكومة (1959 – 1960)، وكان الى جانبه عبد الرحيم بوعبيد (1922- 1992) وزيرا مكلفا بالاقتصاد، دعوة المغفور له محمد الخامس (1909- 1961) إلى اجتماع عاجل لمجلس الوزراء، توجه في مستهله بسؤال مباشر إلى مولاي عبد الله إبراهيم، "أنت يا رئيس الحكومة، مسؤول أمام من؟ فأجابه على الفور أمام جلالتكم".
فرد عليه الملك محمد الخامس، بسؤال آخر، وما هو تفسيرك وقولك فيما تضمنه المقال الذي كتبه صاحبك، (في اشارة لليوسفي)، فظل مولاي عبد الله صامتا ولم يرد على سؤال الملك، يشرح عبد الرحمان اليوسفي الذى يخلص الى القول في هذا السياق "ففهمنا آنذاك في أسرة تحرير الجريدة، أن هذا هو الأصل في قرار إحالتنا على القضاء ومحاكمتنا".
رقابة سلطة الرأي العام على الحكومة سؤال مؤجل 
وأضاف اليوسفي المعروف بعزوفه عن التحدث للصحافة، منذ المحاضرة الشهيرة في بروكسيل سنة 2003 حول المنهجية الديمقراطية وتجربة التناوب مابين 1998 و2002،  قائلا: "أن السلطات العليا -وعلى كافة مستوياتها- كانت لا تستسيغ آنذاك هذه الفكرة، بل وأكثر من ذلك لا تؤمن، في ذلك الوقت بأن تكون الحكومة وأعمالها أيضا تحت رقابة سلطة الرأي العام الذي تؤثر في توجهاته بطبيعة الحال الصحافة" التي كان لها دورا متعاظما في البلدان المتقدمة كسلطة رابعة تتولى دور الرقابة على الشأن العام حتى لا تزيغ وتتغول السلط الأخرى، فضلا عن مهاي الاعتيادية في مجال الاخبار والتثقيف والترفيه .
يذكر أن الملك محمد الخامس كان قد كلف سنة 1959 عبد الله إبراهيم بتشكيل أول حكومة سياسية في المغرب بعد مرور ثلاث سنوات على نيل الاستقلال، تقودها شخصية من المعارضة اليسارية، ممثلة في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذى انيطت بعناصره أهم الحقائب الوزارية مباشرة بعد انفصاله عن حزب الاستقلال خلفا لأمينه العام أحمد بلافريج الذى لم تستغرق حكومته الا نحو ثمانية أشهر على تعيينها.