الثلاثاء 17 يوليو 2018
كتاب الرأي

علي البزّاز: القراءة كما الكتابة تُشبه الملابس استعمالاً ومآلاً

علي البزّاز: القراءة كما الكتابة تُشبه الملابس استعمالاً ومآلاً علي البزاز

أنشغل الفكر في مراحله كلّها بالمساواة أو بتعزيز الفوارق بين الناس والأشياء، بحسب الأيديولوجيا المستفيدة من تلك الحالة، ليبيرالية كانت أو اشتراكية، أدبية أو سياسية. ما يهمُّنا هنا هو المساواة أو الاختلاف في طبقات الكتابة وطبقات القراءة، إن استعرنا مفهوم التفاوت الطبقي على أساس القراءة والكتابة.

القراءة كما الكتابة تُشبه الملابس استعمالاً ومآلاً: ملابس جديدة شابة الاستعمال جذابة، ثم بالية، أو يقرّر مستعملها انتفاء الحاجة إليها. ثمة تشابه كبير بين دورة الملابس ودورة الأفكار والكتابة. يُستعمل الجديد مرّة ثم يتقدَّم فيه القديم، يصير تراث جدّة، يحمل بدايته ونهايته معاً، لأن علامة الجدّة محدودة، تكتسب قيمتها بفعل النموذج الذكوري: تُحترم الأشياء بوصفها بكراً غير منتهَكة جراء الممارسة في تماهٍ مع شعور أخلاقي يستمدُّ معياريته من الجنس. كما في حالة المرأة البكر والفكرة البكر والثياب البكر. وجه واحد طهراني يحصر التوجُّه السياسي والإبداعي متغافلاً عن طبقات الرموز. كذلك، يُشيِّد بناءَه على طبقة واحدة لا غير، هي حكم الذكورية، إنّه لا يحمل الكثير من الطبقات بخلاف الأنوثة، فيها تضاريس وطبقات.

وهكذا يتجه كلّ من الفكر والإبداع نحو الأحادية، إن هو يُقصي حضور الأنثوية في طبقته، فيسير نحو الدم والإقصاء في حال السياسة، ونحو الامتثال المعياري في حال الفكر. على سبيل المثال، يُشاد بالفكرة الأصلية (كالملابس الجديدة) في حين لا تنوجد فكرة أصلية عملانية إلا أسطورية -إذا استثنينا فكرة خلق الكون- فالمتبقّي من الأفكار إمّا مستعمَل فقدَ قابلية التجدُّد والازدهار وإمّا صالح للاستعمال، موضوع بحثنا في الكتابة المستعمَلة وتلك الصالحة للاستعمال، الذي يلتقي عنده التصوُّر الطبقي الماركسي، مساواة الغني بالفقير، والفكر الديني، بأن الناس سواسية كأسنان المشط. والتصوُّر الإبداعي المتبنّي فكرة «الأصول تخون نفسها».

كيف وأين تجتمع هذه المتضادات الأيديولوجية والطبقية والفنية. الجواب عند ما نُسمِّيه سوق «سكند هاند»، سوق المستعمَلات والأشياء الصالحة للاستعمال، أي سوق الرموز والاحتكام إليها في علاقة الإنسان اللامحدودة مع الكون، سوق الاستعارات.

ليس ثمة استعارة في الأيديولوجيا، بل وضوح تام ينشد التمام، وهو عملها وأسلوب بنائها الأحادي، فمهما اتَّسعت نظرتها، تظلُّ شموليتها محدودة في توجُّهها لأنه خط عقائدي، يتنكَّر لنظام المصالح والفوائد، منحازاً إلى إنجاز المعاني التامّة.

علي البزاز، شاعر وفنان تشكيلي عراقي