الاثنين 12 يناير 2026
منبر أنفاس

فتح الله حافظي: حفيظ "الطعارجِي".. حين يصبح شعار "نحن الأقوى" بديلاً عن الحقيقة

فتح الله حافظي: حفيظ "الطعارجِي".. حين يصبح شعار "نحن الأقوى" بديلاً عن الحقيقة فتح الله حافظي
في كل مرة يطلّ فيها حفيظ دراجي على الجمهور، يتأكد أن الإشكال لم يعد مجرد انحياز عابر، بل اختيار دور كامل. الرجل لم يعد معلقًا رياضيًا ولا صحفيًا صاحب رأي، بل تحوّل إلى مكبّر صوت لخطاب جاهز، يجرّ الرياضة من مساحتها الطبيعية إلى الخندق السياسي بلا تردّد ولا حرج مهني. لا تحليل يشرح، ولا مسافة نقدية تُقنع، ولا شكّ مشروع يُغني النقاش؛ فقط يقين أيديولوجي يُسقَط على كل مباراة وكل بطولة، خصوصًا عندما يكون المغرب حاضرًا في المشهد.

يُرفع شعار “فصل الرياضة عن السياسة” حين يخدم مصالح بلده، ويُدهَس الشعار نفسه عندما تفرض الوقائع اعترافًا بنجاح لا يُراد له أن يُقال. هنا، لا تعود الرياضة مجالًا للتنافس الشريف، بل تُستعمل كأداة لتصفية حسابات رمزية، وكأن الملعب امتداد للمنصة السياسية، وكأن النتيجة يجب أن تُقاس بمدى انسجامها مع الرواية لا مع الأداء.

والأوضح من كل ذلك ما رافق خروج المنتخب الجزائري من دور الربع. الخروج لم يكن مؤامرة، ولا ظلمًا تحكيميًا، بل كان ببساطة نتيجة أداء ضعيف أمام منتخب نيجيري كان أقوى، أسرع، وأكثر تنظيمًا. حتى مدرب الجزائر أقرّ ضمنيًا بأن الفريق لم يكن في مستوى التحدّي، وأن النتيجة عكست طبيعة الأداء لا الظروف الخارجية. لكن حين تعجز الحقيقة عن خدمة الخطاب، يبدأ البحث المحموم عن الأعذار. وهنا، لم يجد دراجي سوى شماعة التحكيم، تلك الشماعة الجاهزة التي تُعلّق عليها كل هزيمة، ويُهرب بها من السؤال الحقيقي: لماذا كنّا أضعف؟

وفي الخلفية، يتردّد دائمًا نفس الشعار المعلّب: «نحن الأقوى». شعار لا يحتاج إلى أرقام ولا إلى ألقاب ولا إلى تتويجات، لأنه يعيش على الصراخ والتكرار. قوّة بلا إنجاز، وتفوّق بلا دليل، ويقين أجوف يُستدعى كلما خانت النتائج الرواية الرسمية. حين تعجز الوقائع عن خدمة الخطاب، يُرفع الصوت، وحين تفضح المنافسة الحقيقة، يُستحضَر الاتهام بدل مراجعة الذات.

بهذا المنطق، يفقد الإعلام الرياضي عند دراجي جوهره، ويتحوّل التعليق إلى تمرين في التعبئة لا في الفهم، وفي التبرير لا في التحليل. لا مخاطبة للعقل، ولا احترام للمشاهد، بل رهان دائم على الغريزة وذاكرة قصيرة تُنسى فيها الوقائع سريعًا ويُعاد فيها تدوير نفس الأسطوانة.

والأهم أن دمدمة طعريجة دراجي، مهما ارتفع صوتها، لن تغيّر شيئًا من واقعٍ شاهده كل من تابع البطولة الإفريقية. الحقيقة لم تكن في الأستوديو، بل في الملعب. لم تكن في النبرة، بل في الأداء. ولم تكن في الخطاب، بل في النتيجة.
في النهاية، قد يستمر رفع شعار «نحن الأقوى»، وقد تستمر دمدمة الطعريجة في الميكروفونات، لكن الضجيج لا يصنع انتصارات، والصراخ لا يغيّر ترتيبًا، والميكروفون لا يهزم خصمًا. ما جرى ليس رواية قابلة للتزييف، بل واقع موثّق، شاهده الملايين دون حاجة إلى وسيط أيديولوجي.

دمدمة الطعريجة ليست أكثر من صدى داخلي يدور في حلقة مغلقة، يُصفّق لنفسه ويعيد إنتاج نفس الوهم. لا تُقنع أحدًا خارج دائرتها، ولا تُخفي إخفاقًا، ولا تُحوّل الهزيمة إلى حقيقة أخرى.

في كرة القدم، كما في السياسة، الحقيقة لا تُهزم بالصوت المرتفع.
ومن يصرّ على استبدال الأداء بالشعار، والواقع بالضجيج، محكوم عليه بأن يبقى يعلّق خارج التاريخ… مهما علا صوت الطعريجة.