الاثنين 12 يناير 2026
كتاب الرأي

محمد الطيار : أقا وأم لعلگ.. شهادات حية تكشف الطابع الإرهابي لهجمات البوليساريو

محمد الطيار : أقا وأم لعلگ.. شهادات حية تكشف الطابع الإرهابي لهجمات البوليساريو محمد الطيار
في طريقي إلى مدينة طاطا، توقفت بمدينة أقا،  وهي محطة تختزن ذاكرة مثقلة بالجراح، ووجعا  لم يجد بعد طريقه إلى الاعتراف. هناك، شكلت الجلسة مع عدد من شيوخ المنطقة، من أقا وقرية أم لعلگ، التي تبعد بنحو ستة كيلومترات عن أقا وحوالي أربعين كيلومتراً فقط عن الحدود الجزائرية، فرصة نادرة للإنصات إلى شهادات إنسانية تكشف وجها معتما من العنف المنظم الذي استهدف المدنيين العزل من طرف مليشيات البوليساريو.
 
أخذ الحديث منحى أكثر إيلاما، حين استحضرت الذاكرة الجماعية للمنطقة سنوات الخوف والدم.  الشيخ لحسن، أحد شيوخ قرية أم لعلگ، روى تفاصيل صادمة عن الهجمات التي تعرضت لها الساكنة سنة 1980 من طرف مليشيات البوليساريو. لم تكن تلك الهجمات اشتباكات عسكرية، ولكن كانت  عمليات عنف إرهابي ممنهج، انطلقت من الأراضي الجزائرية واستهدفت بشكل مباشر المدنيين وممتلكاتهم، في غياب أي هدف عسكري مشروع.
 
ويستعيد الشيخ لحسن، بصوت يختلط فيه الحزن بالذهول، كيف  نقل  بنفسه إحدى عشرة جثة لمدنيين قتلوا خلال تلك الهجمات، حيث جرى تحميل الضحايا  ونقلهم بنفسه  إلى مقبرة أم لعلگ لدفنهم .  
 
ولم تكن وقائع قتل المدنيين معزولة، فقد شكلت جزءا من سلسلة اعتداءات إرهابية متكررة شملت النهب والسلب والخطف ، وبث الرعب في صفوف الساكنة، واعتداءات مباشرة على الأرواح، من بينها قتل المدنيين ودهسهم   بالسيارات من طرف  عناصر مليشيات البوليساريو، في انتهاك صارخ لكل القواعد الإنسانية.
 
شيخ آخر من مدينة أقا استحضر بدوره ضحايا إرهاب البوليساريو من المدنيين بالبلدة، ومن بينهم  جده المسن ، عقب هجومين متتاليين استهدفا السكان دون تمييز. كما تحدث عن ضحايا قرية أكادير إزرو، وعن رجال ونساء سقطوا شهداء فقط لأنهم كانوا يعيشون في منطقة حدودية تحولت إلى مسرح لعمليات عنف عابر للحدود. وهي أفعال لا تنطبق عليها سوى أوصاف الإرهاب بكل معانيه، من استهداف المدنيين، إلى غياب أي هدف عسكري مشروع، واعتماد الترهيب وسيلة للضغط والانتقام.

هذه الشهادات، التي لا تزال حاضرة بقوة في ذاكرة شيوخ المنطقة، لا توثق فقط فظاعة ما جرى، ولكن  تؤكد بشكل جلي الطابع الإرهابي للأفعال التي ارتكبتها مليشيات البوليساريو في حق ساكنة أقا وأم لعلگ وأكادير إزرو. كما تعكس الإحساس العميق لدى السكان بأن معاناتهم ظلت لسنوات طويلة خارج دائرة الاهتمام، وأن ما تعرضت له هذه المناطق لم يحظ بما يستحقه من إنصاف .
 
وإذا ما قورنت هذه الوقائع بالمعايير المعتمدة لدى الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، فإن الأفعال الموصوفة في هذه الشهادات تنطبق عليها بوضوح عناصر العمل الإرهابي. فوفق قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن، يعرف الإرهاب بأنه كل عمل عنف يستهدف مدنيين أو أشخاصا غير مشاركين في الأعمال القتالية، بقصد بث الرعب في صفوف السكان، أو إكراه دولة أو مجتمع على اتخاذ موقف معين. كما تشمل هذه الأفعال الهجمات العابرة للحدود، والقتل العمد، والتدمير والنهب، عندما ترتكب خارج أي إطار قانوني أو نزاع مسلح مشروع.
 
وبالاستناد إلى هذه المعايير، فإن الهجمات التي نفذتها مليشيات البوليساريو سنة 1980، انطلاقا من الأراضي الجزائرية، واستهدفت بشكل مباشر مدنيين عزل، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، وعمليات دهس ونهب وبث للرعب والخطف ، لا يمكن بأي حال تصنيفها كأعمال عسكرية، فهي  تندرج صراحة ضمن خانة الإرهاب كما هو معرف دوليا. وهو توصيف لا تحكمه المواقف السياسية، ولكن  تفرضه طبيعة الأفعال المرتكبة، وهوية ضحاياها من المدنيين، والأسلوب القائم على العنف والترهيب الممنهج.
محمد الطيار ، رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية