الاثنين 12 يناير 2026
كتاب الرأي

المصطفى تكاني: الثقافة بين المدرسة والشارع

المصطفى تكاني: الثقافة بين المدرسة والشارع المصطفى تكاني

أوردت مجموعة من المعاجم مفهوم الثقافة العامة أنها : هي مجموع المعارف والقيم والمهارات التي يكتسبها الفرد والمجتمع وتنقل عبر الأجيال ، وتعرف بأنها " كل ما يشمل المعرفة والعقائد والفن والأخلاق والقانون وكل القدرات والعادات التي يكتسبها الإنسان كعضو في مجتمع " ، وقد عرف الفيلسوف والسياسي إدوارد هيريو ( EDOUARD HERRIOT  ) الثقافة بأنها : " هي ما يتبقى للإنسان بعد أن يكون قد نسي كل شيء " .

والمقام الذي دفعني للحديث حول موضوع : " الثقافة بين المدرسة والشارع " هو ما دار حول واقعة استهزاء اللاعب الجزائري  محمد الأمين عمورة [ وهو من مواليد 09 مايو 2000 ] خلال مباراة الجزائر والكونغو الديموقراطية بملعب الرباط ؛ برسم ثمن نهائي كأس أمم إفريقيا ، وهو تصرف " مستفز " أثار الجدل حوله مجموعة من الصحافيين والجمهور والمتتبعين في هذا المحفل الرياضي العالمي ، للمشجع الكونغولي : " ميشيل نكوكا مبولادينغا " .

عقب هذه الانتقادات التي وجهها مجموعة من المنتقدين ؛ بعضهم بقوة ، والبعض باعتدال ، قدم اللاعب الجزائري عبر موقعه الخاص اعتذارا ، قال ضمنه أنه لا يعرف مضمون العلاقة بين المشجع  وبين قيم باتريس لومومبا ، وبدا لي وكأنه فعلا يجهل مضمون الرسالة التي يبعثها هذا المشجع الشبيه للمناضل باتريس لومومبا ، وفي اعتقادي أن العذر أقوى من الزلة  ، فميلاد هذا اللاعب الجزائري  كان سنة 2000 ؛ أي قبل اغتيال باتريس لومومبا ( في يناير1961 )  بما يقارب أربعين سنة عن ميلاده ، وفي سبب هذا الكلام حول الموضوع أعلاه هو مربط الفرس ؛ لأن مجموعة من الأشخاص لا يعرفون صفات وحياة مجموعة من المناضلين الذين كافحوا من أجل استقلال وحرية وكرامة أوطانهم ؛ ليس في الكونغو الديموقراطية فقط ، أو في إفريقيا ؛ بل في العالم كله .

اختلفت الآراء والمواقف حول ما قام به اللاعب الجزائري من انتقادات قوية ومن تفسيرات حول سلوكه تجاه رمز باتريس لومومبا الذي أحياه المشجع البلجيكي الذي يشبهه بالتمثال الذي نصبته الكونغو له بكينشاسا ؛ يقف المشجع منتصبا بملابس أنيقة تمثل ألوان علم وطنه وسط كل الملاعب في المباريات التي شارك فيها فريق الكونغو الديموقراطية دون حراك ؛ فوق منصة خاصة له يحملها معه أينما حل وارتحل ؛ طيلة مدة كل مباراة من المباريات التي بلغت مدتها 480 دقيقة ( 05 مباريات وآخرها بشوطين من 15 دقيقة للواحد )  إنه أيقونة ملاعب من مباريات كأس أمم إفريقيا 2025 بالمغرب .

 للتذكير فقط إن باتريس لومومبا : ( 02 يوليوز 1925 – 17 يناير 1961 ) أحــد رموز النضال الإفريقي ضد الاستعمار ، حيث قاد كفاحا سياسيا أدى إلى استقلال الكونغو عام 1960 ؛ ليصبح أول رئيس لجمهورية الكونغو الديموقراطية ، وتعرض لومومبا للتعذيب وثم اغتياله ورميه بالرصاص في يناير 1961 على يد سلطات  كاتانغا الانفصالية بقيادة " مويس تشومبي " ، فلُـقِّــبَ لومومبا بــ : " شهيد الوحدة الإفريقية " . وقد سبق أن توجهه جلالة المغفور له الملك محمد الخامس بوسام ملكي قبل اغتياله ، وخلد المغرب بعد وفاته بطابعين بريديين من فئة 0,20 سنتيم و 0,30 سنتيم آنذاك . ويحمل بالمغرب شارع بالرباط بحي حسان " شارع باتريس لومومبا " ؛ على اعتبار أنه رمز بطل تاريخي لمناهضة الاستعمار البلجيكي ، وقد زار المشجع الكونغولي " ميشيل نكوكا مبولادينغا " هذا الشارع فأخذ له صورة معه  أثناء فترة مباريات كأس أمم إفريقيا 2025 بالمغرب .

كما أن ذكرى " شهيد الوحدة الإفريقية " باتريس لومومبا غير الرئيس المصري جمال عبد الناصر رحمه الله اسم شارع في منطقة باب شرقي بالإسكندرية من اسم شارع بلجيكا إلى شارع باتريس لومومبا في رد فعل سياسي ضد بلجيكا .

وليس الجرم في هؤلاء الأطفال الذين لا يعرفون ماضيهم التليد ؛ بل الجرم في من لم يعلموهم عن هؤلاء القامات بالعالم كله ، أنه تراث الإنسانية جمعاء ، ولا نلومهم ولكن اللوم على دور الثقافة العامة التي يمكن أن يتلقاها كل شخص في فترة دراسته ، أو في مراحل استضماره لما تعلمه عبر مسار حياته ؛ سواء في المدرسة أو في البيت أو في محيطه الثقافي : في الشارع ، أو في وسائل الإعلام  والتثقيف بمختلف أصنافها ؛ عبر السينما والتلفاز واللقاءات والندوات وغيرها ...   لا ألوم الكثير من أبنائنا من هذا الجيل ، لأن أكبر اللوم ؛ في اعتقادي ؛ ما نعانيه من النقص في التعريف بأعلامنا وروادنا في مختلف مناحي الحياة . أفرح حين أجد في الشارع يافطة تعريف شارع من الشوارع الممتدة ببلدنا عامة ، وفي الدار البيضاء ؛ خاصة ؛ التي جبت شوارعها حيا حيا ، وشارعا شارعا ، وزقاقا زقاقا ؛ إما لأغراض أو لزيارة أصدقاء ، أو للتجول بمتعة ؛ وجدت في شارع عمر السلاوي بجماعة مرس السلطان ملتقى شارع 2 مارس يافطة علقت على سور بعد حديقة الإسيسكو ( جردة مردوخ ) يافطة بتعريف شارع عمر السلاوي ونبذة عن حياته النضالية وتاريخ استشهاده . 

ما ضر جماعاتنا الحضرية بالمغرب تعميم تعريف لهذا العلم أو ذاك بموجز يتضمن صفته وتاريخ ميلاده ووفاته ( إن توفى ) ، هذا هو دورها قبل اتخاذها لقرار تسمية علم ما ؛ شريطة أن يكون هذا العلم فعلا أشهر من نار على علم ، ( لا حرج في أن تطلب أية جماعة من الجماعات ببلدنا حين لا تتوفر على المعلومات الكافية حول هذا العلم بمراجع موثوقية من جهات أخرى ؛ وقد سبق أن أشرت على بعض الأساتذة الأصدقاء أن من الإمكان أن تتقدم أية جماعة من بيانات حول هذا العلم من نيابة وزارة التربية الوطنية ( المديرية الإقليمية ) بتقديمها طلب هذه التعاريف، لأن المديرية الإقليمية لها مجموعة من الأساتذة في التاريخ  واللغات وغيرها ، ولن يبخلوا عن ذلك في دورهم في تثقيف العامة من الكبار الصـغار ؛ لأن الطفل وهو ينتقل من بيته إلى المدرسة يرى يافطات الشوارع تحمل أسماء متعددة ؛ قد لا يعرفها ؛ وحين يتعرف عن صفاتهم وموجز عن أعمالهم هو نوع من الثقافة العامة التي يستضمرها كل تلميذ وشخص ؛ فذلك هو ما عنيته بتعريف  الفيلسوف والسياسي إدوارد هيريو ( EDOUARD HERRIOT  ) عن الثقافة بأنها : " هي ما يتبقى للإنسان بعد أن يكون قد نسي كل شيء " . وعن دور المدرسة والشارع بنشر الثقافة . أخــوف ما أخــاف عليه عــدم تعرفنــا لأعلامنا بالمغرب ؛ من مثل حمان الفطواكي ورحال المسكيني ، وأحمد الحنصالي ، وعلال الفاسي ، والهاشمي الفيلالي ، الراشدي ، وجابر بن حيان ، وطه حسين ، ومحمد الحياني ، وغيرهم كثر ...

أغـــار من بعض الدول حين كنت أزور مدنا في أوربا وغيرها ؛ أجد في كل شارع أو زقـــاق تعريفا موجزا لكل علم من أعلامها ، كما أغار من صحة اللغة التي تنشرها اليافطات في كل مجال ثقافي أو اقتصادي أو في الإعلانات سواء باللغة الفرنسية أو الإنجليزية في تلك البلدان . أما عندنا أُصاب بغَـصَّــةٍ ؛ أكاد أن أختنق حين أرى ببلدي وطني الحبيب لغتنا العربية تعدم على أيدي " بعض الجناة " الذين يكتبون بلغة " الــعَـــرَنْسية " ، لا هي باللغة العربية السليمة ولا باللغة الفرنسية السليمة ؛ فما ضير من يتهجى حروف العربية أن يقرأ بالعربية ، أو يتهجى حروفا باللغة الفرنسية أن يقرأ تلك الكلمات بالعربية أو بالفرنسية ؛ ناهيك عن الأخطاء الفادحة باللغة العربية المنتشرة بيننا ؛ حين أقف في مدار شارع محمد الزرقطوني بالدار البيضاء وشارع الحسن الثاني تسرقني عيناي لأقرا في يافطة واضحة جنب أضواء السير أقف مجبرا بالضوء الأحمر لأقرا إشارة إلى مكان العمارتين العاليتين بالدار البيضاء : " بُـرْجَــيْ الدار البيضاء " ؛ من سمح لهذا " الشخص " أن يجر المثنى ولا سابـق واضح أو مضمر له جر ولا نصب ( آمل أن يجره الله إلى مثواه سريعا ، أو نصبه على مشنقة ليكون مثالا لهؤلاء الأشخاص) ، وغيرها من الأمثلة التي تدور حولنا . ومن بين الطرائف التي تُـحكى بعد استقلال الجزائر ، أنها أصدرت قرارا بحذف كل ما سبق أن نشره المستعمر في الجزائر ؛ خلال فترة الاستعمال ؛ من أعلام فرنسية ؛ من هذه الطرائف تغيير اسم شارع : أناتول فرانس " ANATOLE FRANCE" إلى اسم :"ANATOLE D’ALGER  ، أناتول الجزائر .

فأتساءل ؛ وأستسمحكم ببراءة وعفوية ؛ ما دور أكاديمية اللغة العربية بالمغرب ؟ ، وما الأدوار الواجب حصرها من قبل وزارة الثقافة والشباب ، ومن قبل مجالس الجماعات المحلية من إصدار قرار لمنع كتابة اليافطات والإعلامات وغيرها بلغة غير عربية رسمية ،  أو بلغة فرنسية سليمة حين اضطرت ؟.  رأيت في كندا ؛ مثلا ؛ في منطقة " كيبيك " أنها تَـمنـعُ بقرار ضرورة كتابة كل اليافطات والمحلات التجارية وغيرها باللغة الفرنسية حفاظا على هويتها .

أما أن الأوان أن نوقف هذا المد الجارف لسقطات الثقافة المغربية بوطننا الحبيب ...