منذ الوهلة الأولى تبدو دوافع "عملية العزم العظيم" لرونالد ترامب في فنزويلا واضحة تماما، فإلى جانب مكافحة تهريب المخدرات، فإن التدخل الأمريكي كان متجذرًا في المصالح الاستراتيجية المتعلقة باحتياطيات النفط الهائلة في فنزويلا، والرغبة في إعادة تأكيد قوة الولايات المتحدة في المنطقة، بما يتماشى مع هذه المصالح. في المقابل توضع شرعية التدخل في الميزان، حيث لاقت العملية إدانة على الصعيد الدولي باعتبارها انتهاكًا أحاديًا للقانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة، بما أنها تمت دون تفويض من مجلس الأمن أو إثبات للدفاع عن النفس، مما يقوض مبادئ سيادة الدول. وتبدو التداعيات المتوقعة لهذا التدخل متوقعة، حيث يمكن تكريس هذه العملية كأسلوب "مقبول" داخل النظام الدولي، بما يهدد مصداقية الأمم المتحدة، ويفاقم التوترات الجيوسياسية، وبالتالي المساهمة في إعادة تشكيل التحالفات الدولية سواء على صعيد أمريكا اللاتينية أو خارجها.
الأسباب الحقيقية وراء"عملية العزم العظيم"
لقد أسفر التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا، الذي أطلقته إدارة ترامب في 3 يناير 2026، عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته. وبرر الرئيس الأمريكي العملية رسميًا بمحاربة "الإرهاب المرتبط بالمخدرات" والاتجار بها، إلا أن تحليلًا معمقًا يكشف عن دوافع معقدة، تمزج بين الأسباب المذكورة والمصالح الاقتصادية والجيوسياسية وتأكيد النفوذ الإقليمي الأمريكي في المنطقة وعلى الصعيد العالمي..
من الواضح أن مكافحة الاتجار بالمخدرات من منظور الإدارة الأمريكية كانت ذريعة استراتيجية، ذلك أن الحجة الرئيسية التي ساقها دونالد ترامب هي ضرورة تفكيك شبكات تهريب المخدرات، متهمًا النظام الفنزويلي بضلوعه المباشر فيها ومشاركته الفعالة في تدبيرها. وقد دعمت هذه الحجة عمليات سابقة تمثلت في سلسلة من الضربات الجوية والبحرية ضد سفن "مشبوهة" في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ بدءًا من شهر شتنبر 2025. إلا أن العديد من المراقبين انتقدوا افتقار الولايات المتحدة إلى أدلة ملموسة تدعم هذه الاتهامات، مشيرين إلى أن الاتجار بالمخدرات كان غطاءً لأهداف أوسع.
والواقع أن المصالح النفطية والسعي إلى التحكم في الموارد، كانت حاضرة بقوة، وهو أمر معروف منذ وقت طويل. كما أن الدافع الاقتصادي برز بشكل واضح في تصريحات الرئيس رونالد ترامب بشأن إعادة "الأصول المسروقة" إلى الولايات المتحدة، في إشارة مباشرة إلى تأميم النفط الفنزويلي بين عامي 1976 و2007. مع العلم أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، ولطالما شكل التحكم في هذه الموارد قضية استراتيجية سواء بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية أو لمنافسيها. ويمكن تفسير التدخل على أنه محاولة لتأمين هذه الموارد والإطاحة بنظام يُنظر إليه على أنه معادٍ للمصالح الأمريكية ويفتح الأبواب أمام قوى منافسة ومعادية لأمريكا. بالإضافة إلى أن إدارة ترامب صرحت بأن شركات النفط الأمريكية ستستثمر مليارات الدولارات لاستغلال النفط الفنزويلي بعد التدخل، مما يعزز فرضية الدوافع الاقتصادية.
إعادة تأكيد القوة الأمريكية
يعكس التدخل الأمريكي في فنزويلا، أيضًا الرغبة في إعادة تأكيد القوة والهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي، وهو نهج يذكر المتتبعين والباحثين ب"مبدأ مونرو" الذي يؤكد العقيدة التاريخية للولايات المتحدة الأمريكية الهادفة إلى منع تدخل القوى الأجنبية الأخرى في الأمريكيتين. وفي هذا السياق، يمكن اعتبار التدخل في فنزويلا رسالة قوية إلى قوى مثل الصين وروسيا، اللتين زادتا من نفوذهما في المنطقة، ومحاولة لمواجهة "تغيير النظام" بالقوة من أجل استقرار المنطقة تحت القيادة الأمريكية.
السياق الأمريكي الداخلي
لا شك أن السياق السياسي الداخلي في الولايات المتحدة يلعب دورًا محوريا في رسم معالم السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية. فالخطاب القوي ضد الأنظمة الدكتاتورية "الوحشية"، ومكافحة تهريب المخدرات ومحاربة الإرهاب يمكن أن يحشد جزءًا كبيرا من الناخبين، ويؤكد على موقف القوة الذي تتشبث به الولايات المتحدة كقوة عظمى. وغالبا ما يكون الدافع السياسي والاستراتيجي الوطني، مع موقف حازم بشأن الأمن القومي، مؤثرا على اتخاذ قرارات مفاجئة أحادية الجانب مثل ما حصل في اعتقال نيكولاس مادورو وزوجته.
بين مبررات المؤيدين والمعارضين
لقد أثار التدخل الأمريكي العسكري في فنزويلا ردود فعل متباينة، مع وجود حجج قوية من كلا الجانبين، تعكس اختلاف وجهات النظر وتضارب المصالح وربما تقاطعها.
ويقدّم مؤيدو التدخل، وعلى رأسهم إدارة ترامب وحلفاؤها، مبررات أخلاقية وسياسية وأمنية، يمكن الوقوف عند أربعة تعتبر أساسية:
أولا مكافحة الإرهاب المرتبط بالمخدرات، حيث تمثّلت الحجة الرسمية التي تقدمها الإدارة الأمريكية في ضرورة مكافحة "الإرهاب المرتبط بالمخدرات" وتفكيك المنظمات الإجرامية العابرة للحدود، المتهمة بزعزعة استقرار المنطقة وتهديد الأمن القومي الأمريكي.
ثانيا عدم شرعية نظام مادورو، حيث يصُوّر هذا الأخير على أنه "وحش" على رأس حكومة غير شرعية، مسؤول عن انتهاكات حقوق الإنسان وأزمة إنسانية، وفي هذا الإطار يشيرون إلى أزمة الدواء والغذاء في سنة 2019 ، حيث وجهت دعوة للأمم المتحدة من أجل تقديم المساعدة الإنسانية لفنزويلا التي يعيش شعبها الفقر المدقع بالرغم من أنها من أغنى دول المنطقة. ويُقَدّم المؤيدون التدخل على أنه "عمل تطهير" وضرورة لاستعادة الديمقراطية وحماية الشعب من الاستبداد والفقر.
ثالثا استعادة الأصول الأمريكية، ذلك أن الرئيس رونالد ترامب أشار صراحةً إلى ضرورة استعادة "الأصول المسروقة" من قبل فنزويلا، في إشارة إلى تأميم الشركات الأمريكية وموارد النفط.
رابعا ضمان الاستقرار الإقليمي، حيث يرى المؤيدون أن العملية ضرورية لتحقيق الاستقرار في المنطقة ومنع نفوذ قوى منافسة كالصين وروسيا.
وإذا كان المؤيدون للعملية يقدمون الحجج التي تدعم مواقفهم، فإن للمعارضين حججهم أيضا، حيث يرفض هؤلاء المعارضون، بمن فيهم جزء من الصحافة الأمريكية، والمشرعون، والحلفاء الدوليون، ومنظمات حقوق الإنسان، مبررات المؤيدين باعتبارها ذرائع واهية، وتتمثل أقوى حجة لديهم في الانتهاك الصارخ للقانون الدولي، وضرب سيادة فنزويلا، وميثاق الأمم المتحدة، دون تفويض من مجلس الأمن أو أساس للدفاع عن النفس. كما يؤكدون أن هناك دوافع خفية حقيقية وراء العملية تتمثل في السيطرة على موارد النفط الفنزويلية و"تغيير النظام"، وليس "الحرية" أو مكافحة تهريب المخدرات. ويقف المعارضون للتدخل الأمريكي في فنزويلا عند ثلاثة حجج تقوي موقفهم وتتمثل في ما يلي:
أولا غياب الأدلة، حيث يرى المعارضون أن غياب الأدلة الملموسة بشأن تورط نيكولاس مادورو المباشر في تهريب المخدرات أدى إلى تقويض مصداقية المبررات الرسمية المقدمة من قبل الإدارة الأمريكية.
ثانيا خطر التصعيد في المستقبل ، إذ يحذر المعارضون من خطر تصعيد عسكري مطول، وحرب عصابات، وتحالفات مع عصابات المخدرات أو الجماعات المسلحة، وتزايد عدم الاستقرار الإقليمي.
ثالثا سابقة خطيرة، حيث يُنظر إلى التدخل الأمريكي الأحادي الجانب على أنه سابقة خطيرة بالنسبة للنظام الدولي القائم على القواعد ومبادئ السيادة وعدم التدخل، مما يشجع الدول الأخرى على العمل خارج الإطار متعدد الأطراف، وبالتالي ضرب مصداقية المنظمات الدولية وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة.