Saturday 29 November 2025
كتاب الرأي

إلهام الوادي: العنف ضد المرأة المغربية.. بين الطوارئ الاجتماعية ورهانات الإصلاح

إلهام الوادي: العنف ضد المرأة المغربية.. بين الطوارئ الاجتماعية ورهانات الإصلاح إلهام الوادي
يشكل العنف ضد المرأة أحد أكثر التحديات الاجتماعية إلحاحاً في المغرب، نظراً لانتشاره واستمراريته رغم تراكم الإصلاحات القانونية والمؤسساتية خلال العقد الأخير. ومع تصاعد وعي المجتمع بضرورة حماية النساء، ارتفعت وتيرة النقاش العمومي حول أشكال العنف المختلفة، ومستوى استجابة القانون، ومدى فعالية أجهزة التبليغ والمواكبة، إضافة إلى الحاجة إلى مقاربة شمولية تربط بين الأمن الاجتماعي، والتمكين الاقتصادي، والتحولات الثقافية. ويأتي هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز المستجدات، وتحليل المعطيات، واستشراف رهانات المرحلة القادمة.
1. العنف ضد المرأة: خارطة الظاهرة واتساعها المجتمعي:
يجمع الفاعلون والمؤسسات الرسمية على أن العنف ضد المرأة في المغرب ما يزال ظاهرة مقلقة. وتشير آخر التقارير الوطنية إلى أن العنف يتخذ أشكالاً متعددة: نفسي، اقتصادي، جسدي، جنسي، ورقمي، وأن الفضاء الأسري يظل المجال الأكثر تسجيلاً للحالات.
ورغم الجهود المبذولة في التوعية والتكوين والدعم المؤسساتي، ما تزال نسبة مهمة من النساء يتعرضن للعنف، بينما لا تصل إلى أجهزة التبليغ سوى نسبة محدودة منهن، مما يجعل جزءاً من الظاهرة غير ظاهر بما يكفي في الإحصاءات الرسمية.
2. المستجدات القانونية: قانون 103.13 وضرورات التحيين
مثل قانون 103.13 نقلة مهمة في تجريم عدد من الأفعال المرتبطة بالعنف ضد النساء، وإحداث آليات مؤسساتية للدعم، مثل:
- خلايا التكفل بالنساء على مستوى المحاكم والمستشفيات.
- مواد زجرية أكثر وضوحاً لردع العنف البدني والجنسي والتحرش.
- آليات لحماية الضحايا عبر أوامر الحماية.
غير أن الممارسة كشفت عن مجموعة من التحديات، أبرزها:
- تعقد المساطر القضائية في بعض الحالات.
- ضعف التنسيق بين المؤسسات المتدخلة.
- محدودية الموارد البشرية واللوجستيكية للخلايا.
- استمرار العنف الرقمي وعدم كفاية المواكبة التقنية والقانونية للضحايا.
لذلك تتعالى الدعوات اليوم إلى تحيين القانون وتوسيعه ليشمل حماية رقمية متقدمة، وتبسيط إجراءات التبليغ، وتعزيز دور الشرطة القضائية والنيابة العامة في التفاعل السريع مع الحالات المستعجلة.
3. العنف الاقتصادي والرقمي: الواجهتان الصاعدتان للظاهرة
إلى جانب العنف الجسدي واللفظي، برزت أشكال جديدة أكثر تعقيداً، أهمها:
أ. العنف الاقتصادي:
الذي يتجلى في حرمان المرأة من الأجر، أو التحكم في مواردها، أو منعها من العمل. هذا النوع من العنف يتنامى في الأوساط التي تعاني هشاشة، ويؤثر مباشرة على قدرة الضحية على النجاة من دائرة العنف.
ب. العنف الرقمي:
من خلال التهديد بالتشهير، الابتزاز، سرقة الصور الخاصة، أو نشرها عبر منصات التواصل. وقد أضحى هذا النوع أحد أسرع أشكال العنف انتشاراً، خصوصاً بين النساء الشابات.
4. الأثر الاجتماعي والنفسي للعنف: دائرة تمتد عبر الأجيال
العنف لا يترك أثراً لحظياً فقط، بل يشكل سلسلة ممتدة من التبعات النفسية والاجتماعية، مثل:
- اضطرابات القلق والاكتئاب.
- فقدان الثقة في الذات وفي المؤسسات.
- تدهور العلاقات الأسرية.
- انتقال نماذج العنف إلى الأطفال، مما يعيد إنتاج الظاهرة عبر الأجيال.
وتشير الدراسات النفسية إلى أن العنف هو أحد أعمق عوامل الهشاشة لدى النساء، خصوصاً حين يتزامن مع الفقر أو غياب الاستقلالية الاقتصادية.
كما تظهر تقارير 2024–2025 أن الفئات الأكثر عرضة للعنف هي النساء في الوسط الحضري والشرائح العمرية النشيطة، ما يعني أن ظاهرة العنف لم تعد ترتبط فقط بالهشاشة، بل بمنظومة السلطة داخل العلاقات الاجتماعية والأسرية.
5. رهانات الإصلاح: من المقاربة الزجرية إلى المقاربة الوقائية:
لم يعد بالإمكان الاكتفاء بالردع القانوني وحده، بل بات ضرورياً تبني رؤية شمولية تقوم على:
- تربية جديدة داخل الأسرة والمدرسة ترسخ قيم الاحترام والمساواة.
- تمكين اقتصادي للنساء عبر التشغيل ودعم المبادرات الذاتية.
- رقمنة آليات التبليغ لتسهيل الوصول إلى الخدمات.
- تكوين مستمر للمؤسسات المتدخلة في المواكبة النفسية والقانونية.
- شراكات مع المجتمع المدني لتعزيز القرب من النساء في وضعية هشاشة.
نحو مجتمع يحمي النساء… وينصت لهشاشة الرجال أيضاً
في المحصلة، يظهر واقع العنف ضد المرأة المغربية أن البلاد تقف أمام تحد مركب، يتداخل فيه القانوني بالاجتماعي، والثقافي بالمؤسساتي، في لحظة وطنية يتسارع فيها النقاش حول تجويد منظومة الحماية الاجتماعية وتوسيع آليات التبليغ والدعم. ورغم التقدم التشريعي المهم وما أتاحه قانون 103.13 من أدوات زجرية ووقائية، إلا أن الأرقام الرسمية تكشف أن العنف ما يزال ظاهرة مقلقة تتطلب معالجة أعمق تستند إلى التربية، وتمكين النساء اقتصادياً، وإرساء ثقافة المساواة داخل الفضائين الخاص والعام.
ومع ذلك، فإن مقاربة العنف في المغرب لا يمكن أن تستقيم دون رؤية شمولية. فبينما تظل النساء الفئة الأكثر عرضة للأذى بمختلف أشكاله، بدأت مؤشرات جديدة تظهر حول حالات عنف يتعرض لها بعض الرجال، خصوصاً في الفضاء الأسري. ورغم أن حجم هذه الظاهرة يظل أقل انتشاراً وحدة، فإن الالتفات إليها يعد مدخلاً أساسياً لبناء مجتمع متوازن ينصت لهشاشة جميع أفراده. إن الإقرار بوجود عنف مسلط على الرجال أيضاً لا ينتقص من مركزية حماية النساء، بل يساهم في صياغة تصور أكثر عدلاً وإنصافاً يقوم على حماية الإنسان، رجلاً كان أو امرأة، وفق قيم الكرامة والاحترام المتبادل.
إن مستقبل مكافحة العنف في المغرب رهين بقدرتنا على تطوير قانون أكثر فعالية، ومؤسسات أكثر قرباً من المواطنات والمواطنين، ورؤية ثقافية تضع كرامة الفرد في قلب الإصلاح. ولا شك أن هذه الورشات، إذا ما فعلت بروح تشاركية ومسؤولية جماعية، يمكن أن تُحدث تحولاً جذرياً في بنية العلاقات الاجتماعية، وتفتح أفقاً جديداً لمغرب يُحصّن نساءه ورجاله معاً، ويؤسس لجيلٍ لا يرى في العنف لغةً ولا في الإقصاء خياراً.
ولنا موعد في مقال آخر لتسليط الضوء على العنف ضد الرجال....
 
 
الدكتورة إلهام الوادي، باحثة في الشأن العام والسياسات العمومية.