أكد الحسين فخر الدين، المنتسب إلى تيار "اليسار الجديد المتجدد" داخل الحزب الاشتراكي الموحد، أن الخلاف حول المبادرة تحول إلى "خرق تنظيمي" بدلا من "اختلاف فكري"، محذرا من تقديم الشرعية الشكلية على الشرعية الفكرية، مما يحول القوانين الداخلية إلى "سقف للفكرة" لا إطارا لها.
جاء ذلك ردا على حوار الأمين العام جمال العسري في جريدة "الوطن الآن" (عدد 1120)، ينتقد فيه تحول الجدل الداخلي من نقاش فكري وسياسي إلى محاكمة تنظيمية شكلية.
في خضم النقاش الدائر داخل الحزب الاشتراكي الموحد حول مبادرة "اليسار الجديد المتجدد"، يتقدم سؤال أعمق من الخلاف الظاهر: هل تختزل وحدة الحزب في احترام المساطر، أم تتأسس أولا على حيوية الفكرة وقدرتها على استيعاب الاختلاف؟
لقد تحول الجدل من نقاشٍ سياسي حول الرؤى الفكرية والسياسية والتنظيمية والآفاق التجديدية إلى محاكمةٍ تنظيمية للنيات والمسارات. صار الخلاف يؤطر بوصفه "خرقا" قبل أن يناقَش بوصفه "اختلافاً". وهنا يكمن جوهر الإشكال: حين تتقدم الشرعية الشكلية على الشرعية الفكرية، يصبح القانون الداخلي سقفا للفكرة بدل أن يكون إطارا ناظما لها.
الشرعية: نص أم روح؟
لا خلاف حول أهمية القوانين الداخلية في صون العمل الحزبي من العبث. غير أن هذه القوانين وضعت أصلا لتنظيم التعدد، لا لإلغائه. وعندما تستعمل النصوص لفرز المشروع من غير المشروع سياسيا، يتحول التنظيم من فضاءٍ للتداول إلى جهاز للضبط.
إن المبادرات الفكرية داخل الأحزاب لا تولد عادة من فراغ، وإنما من شعورٍ بتراجع الدور، أو انسداد الأفق، أو الحاجة إلى تجديد الأدوات. لذلك فإن التعامل معها بمنطق المسطرة فقط يفوت فرصة فهم السؤال الذي تحاول هذه المبادرات طرحه.
فهل تحمى وحدة الحزب بإقصاء الاختلاف؟ الوحدة ليست نقيض التعدد، وإنما هي قدرته على الانتظام. التاريخ الحزبي لليسار يظهر أن اللحظات الأكثر خصوبة كانت تلك التي احتضنت النقاشات الحادة داخل أطر منظمة. أما حين يختزل النقاش في ثنائية "منضبط/فوضوي"، فإن ذلك يدفع الاختلاف إلى الهامش، حيث يفقد التنظيم قدرته على استيعابه. لا تقوم الوحدة الحقيقية على الصمت، بل على إدارة الخلاف. ولا تحمى بتجريم المبادرات، بل بتأطيرها.
لقد انزاح النقاش من السياسي إلى مستوى تقنوي-التنظيمي . المثير في هذا الجدل أن مضمون المشروع السياسي للمبادرة يكاد يغيب لصالح الحديث عن شرعيته الإجرائية. كأن السؤال لم يعد يتعلق في ماذا تقول هذه المبادرة ومضمونها؟ وإنما تحول إلى "من سمح لها أن تجهر بالإفصاح والجهر "؟ وهذا انزياح خطير بحيث يحول السياسة من المضمون إلى الشكل الاداري.
أعتقد أن الحاجة ملحة إلى أفق جديد للنقاش. إن ما يجري داخل الاشتراكي الموحد ليس أزمة انضباط، بل أزمة أفق فكري وسياسي. وحين تضيق الأطر عن استيعاب الأسئلة الجديدة، تظهر المبادرات خارجها. لذلك فإن الرد الأكثر حكمة ليس في نزع المشروعية عنها تعسفا، بل في فتح نقاشٍ مؤسسي حول مضامينها. فالحزب الذي يثق في قوته الفكرية لا يخشى النقاش، بل يخشى الجمود.
في الأخير نوجه إلى العقلاء!
بين شرعية التنظيم وشرعية الفكرة، لا ينبغي أن يكون هناك تعارض. فالتنظيم وجد لخدمة وحمل الفكرة، لا العكس. وإذا كان الهدف هو حماية وحدة الحزب، فإن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر تضييق مساحات الاختلاف، بل من خلال توسيع فضاءات الحوار.
إن تيار "اليسار الجديد المتجدد"، وكيفما كان تقييمه، ليس خطرا في حد ذاته، بل مؤشر على حاجةٍ داخلية حقيقية وواقعية إلى النقاش والتجديد. والخطر الحقيقي هو أن يواجَه هذا المؤشر بلغة المنع بدل لغة الفهم كما سار عليه حوار الأمين العام موضوع ردنا هذا. فالأحزاب التي تحسن إدارة اختلافها، هي وحدها القادرة على تجديد وحدتها.





