بدايةً... أحرص على التأكيد على أن الكتابة عن ذلك الجار الشرقيّ لم تَعُد تُطَيِّبُ المزاج، ولا تُرَوِّحُ عن ضجر النفس والفؤاد، في زمنٍ صار اللغَط فيه مهنةَ مَن لا مهنةَ له، بل قد صارت الكتابة عن حماقات ذلك الجار نوعاً من الرياضات العقلية المُتْعِبة، والتي يمكن اعتبارُها شرّاً لابدّ منه، لأن الجار المعنيّ يوجد على مرمى حجر من الوطن، ولأنّ ضجيجَه المُبْرِحَ لا ينفكّ يصل إلينا بالليل والنهار وبلا هوادة!!
مناسبة الكتابة مرة أخرى عن ذلك الجار المعتوه أنه بعدما أخرج كل ما في جعابه من السخط والحقد والتنمّر، بمناسبة إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اعترافَ بلاده الرسمي بمغربية الصحراء، المغربية أصلاً، وبعد أن استدعى سفيره في باريس، ثم أعلن سحبه إياه رسمياً، وبعد أن هدد الإيليزي بفرض عقوبات على الدولة الفرنسية، كإشارة ضمنية إلى عنصرين اثنين لا ثالث لهما، لأن ذلك الجار لا يملك غيرهما بتاتاً، هما:
1- الغاز، الذي تستورده فرنسا منه لسد حاجياتها وحاجيات بعض جيرانها الأوروبيين إليه؛
2- الملايين الستة من الجزائريين المقيمين بتراب الجمهورية الخامسة، والذين يُلَوّح ذلك الجار باحتمال تحويلهم إلى قوة مدمرة في وسعها فعلاً أن تلحق اضراراً فادحة بكل من الاقتصاد والسلم الاجتماعي الفرنسيَيْن!!
وبطبيعة حال ذلك الجار الأحمق والأهوج، فإنه لا ينتبه موازاةً مع هذه التهديدات الفارغة من أي محتوى، والفاقدة لأيّ جدّية، إلى أن لفرنسا من وسائل الضغط والمعاقبة والتأديب ما لا يخطر على بال أحد من ساكنة الموراديا المهابيل... فأبناؤهم وأغلب أفراد أسرهم يعيش معظمُهم تحت سقف فرنسا، وينعمون تحته بخيراتها، وكذلك هم أنفسهم كلما شدّهم الحنين إليها، أو كلما اضطرتهم إلى زيارة مستشفياتها ومراكزها الطبية والعلاجية آفاتُهم الجسدية المزمنة، والأدهى من هذا، أن نحو تسعين في المائة من ثرواتهم وأموالهم المنهوبة والمسروقة من مُقدّرات نحو خمسة وثلاثين مليون جزائري وجزائرية من المدجَّنين والمسطولين، مركونةٌ بكل أريحية في خازنات الأبناك الفرنسية، فضلا عن عقاراتهم الفارهة والمتناسلة والمنبثّة عبر تراب ماماهم بالقرابة والتبنّي كما أشار إلى ذلك "باباهم" رئيس الإيليزي في خطاب سابق كان يَرُدّ فيه على سفاسفهم التي لا تنتهي... فكيف سيواجه هؤلاء هذه الأخيرة لو أن صبرها عِيلَ ونَفَد، ولو أنها عَنَّ لها ذاتَ صباحٍ أو مساءٍ أن تَرَدَّ لهم الصّاعِ بأكثر منه وأقوى وأشدّ؟!!
نهايتُه... لقد فطن معربدو المراديا أخيراً، وبعدُ لأَيْ، إلى هذه المفارقة الفاضحة، المتمثلة في فبركتهم لصراعٍ سياسي ودبلوماسي بين طرفين غير متكافئين، يشكّلون فيه هم أنفسهم الحلقةَ الأضعف، ولذلك فضلوا صاغرين أن يتخلّوا بين يوم وليلة عن عنترياتهم الكاذبة والانبطاح بالتالي بمهانة غير مسبوقة!!
لقد تجلى ذلك في التصريحات الأخيرة للرئيس الدمية عبد المجيد تبون، التي أعلن فيها بكل خزيٍ ونُكوص بأنه لم يَعُد يرى أي حرج، وليس لديه أي اعتراض، على تطور العلاقات المغربية الفرنسية، وإلى ما صارت عليه، وسارت إليه تلك العلاقات، عَقِبَ الزيارة الأخيرة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الرباط، وأنه لا يرى أي مبرر للقلق إزاء تلك الصِّلات والأواصر "المتجذّرة - كما قال - في تاريخ كل من المغرب وفرنسا"، وأن ذلك لن يكون مانعاً دون بحث إنعاش العلاقات الفرنسية الجزائرية من جديد، بتعاون لصيق مع الرئيس ماكرون شخصياً، أو مع من يفوّضه هذا الأخير للنيابة عنه، كوزير الخارجية على الخصوص... وفي هذا القول الأخير إشارة ضمنية إلى رغبة الرئيس تبون في استبعاد وزير الداخلية الفرنسي عن هذا المشروع "المورادْيَوي" الجديد (نسبة إلى "زريبة" الموراديا)، كردة فعل متأخرة على الضربات اليومية التي يكيلها وزير الداخلية لحكام الجزائر خاصة!!
وبطبيعة بَلادة هذا الرئيس ومَن يُحرِّكونه من الوراء، لم ينتبه إلى أنه بتصريحه ذاك إنما كان يبدي استسلاماً وإقراراً جلياً بالمنحى الذي أخذه ملف النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية الغربية، من حيث كونُه من الآن فصاعداً منتهياً على النحو الذي عبّر عنه الرئيس الفرنسي في معرض خطابه التريخي أمام البرلمان المفربي، "بكون تلك القطعة من التراب المغربي لا يمكن أن تكون حاضرا ولا مستقبلاً إلاّ جزءاً لا يتجزأ من خريطة المملكة المغربية"، وإقراراً من الرئيس تبون في الوقت ذاته، وبتحصيل الحاصل، بأنه لا يرى أي حرج أو اعتراض على العزم الذي ابداه الرئيس الفرنسي على مناصرة الطرح والموقف المغربيَيْن أمام الاتحاد الأوروبي وهيأة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ولدى كل أصدقاء وشركاء فرنسا في مختلف جهات المعمورة!!
الملاحظ أيضاً، أن تصريحات تبون هذه، لم تقف عند ذلك الحد، بل تلتها إجراءات أخرى عملية تسير كلها باتجاه إعادة صفو العلاقات بين الجزائر وفرنسا، على أساس تنازلات جديدة وغير مسبوقة، ومن ذلك مثلاً، البدء في استعدادات إطلاق سراح المواطن الفرنسي ذي الأصل الجزائري بوعلام صنصال، ربما مقابل استرجاع بضعة جماجم يفترض انها لمجاهدين جزائريين قُتِلوا بأيدي القوات الفرنسية خلال الفترة الاستعمارية، كما تداولت ذلك وسائل إعلامية وتواصلية مختلفة!!
نهايتُه أيضاً... أن ذلك الجار لن تكون هذه هي المرة الأولى ولا الأخيرة، التي يقدّم فيها كل الأدلة الممكنة والمتاحة على أن جعجعاته هي دائما وأبداً بلا طحين، وأن غضباته وما يتبعها من تهديدات ومن صخب دبلوماسي وإعلامي ليست سوى ذرٍّ لتُراب الاستغباء والاستحمار في عيون شعب جزائري يخسر يوميا مُقدّراته، ويُهانُ يومياً ذكاؤُه، ويُداس يوميا أيضاً، وبأحذية حكامه الثقيلة، على ما تبقى له من كرامةٍ أتت عليها طوابير المهانة التي صار ذلك الشعب مدمناً عليها إلى إشعار آخر!!
العبرةُ، أخيراً، بما ستنبلج عنه هذه الحياكة الترقيعية الجديدة للعلاقات الجزائرية الفرنسية مِن تنازُلاتٍ أخرى قد لا تدور ببال أحد من العالمين... والأيام بيننا!!
محمد عزيز الوكيلي، إطار تربوي.
محمد عزيز الوكيلي، إطار تربوي.