الأحد 6 إبريل 2025
كتاب الرأي

وصفي بوعزاتي: العفو الملكي ومسار المصالحة.. نحو طي نهائي لملف معتقلي الحسيمة

وصفي بوعزاتي: العفو الملكي ومسار المصالحة..  نحو طي نهائي لملف معتقلي الحسيمة د. وصفي بوعزاتي
منذ أواخر سنة 2016، شكّلت الأحداث التي عرفتها مدينة الحسيمة، وما رافقها من احتجاجات، محطة دقيقة في مسار بناء الدولة الحديثة بالمغرب. ورغم ما رافقها من توتر اجتماعي ومواقف متباينة، فقد تعاملت الدولة مع المرحلة بما يليق بمؤسساتها من رصانة ومسؤولية.

في البداية، فُتح المجال لحرية التعبير والتظاهر، إلى أن انزلقت بعض التحركات إلى خرق القانون والمس بالنظام العام، وهو ما استدعى تدخل القضاء ليقوم بدوره، بعيدًا عن أي حسابات سياسية أو انفعالية. لكن، وعلى خلاف ما قد يقع في تجارب أخرى، لم تتعامل الدولة المغربية مع هذا الملف بنفس منطق الإغلاق أو الانتقام، بل اختارت، برعاية ملكية سامية، مسارًا قائمًا على التدرج والصفح والحكمة.

ومنذ سنة 2018، دشنت المؤسسة الملكية سلسلة من العفوات همّت عددًا من المعتقلين، حملت في طياتها رسائل سياسية وإنسانية عميقة:
* غشت 2018: تم الإفراج عن أزيد من 180 معتقلًا، بينهم وجوه بارزة مثل محمد بوهنوش، أنس الخطابي، وياسين أشتوك.
* أبريل 2019: شمل العفو معتقلين منهم كريم أمغار، جواد الصابري، وعبد العالي حود.
* غشت 2020: عفو استثنائي طال أسماء معروفة بوعيها السياسي وأخلاقها العالية، على رأسهم محمد المجاوي.
* غشت 2021: استفاد ربيع الأبلق من العفو، بعد معاناة إنسانية طويلة.
* رمضان 2023: عرف الملف انفراجًا إضافيًا بإطلاق سراح دفعة جديدة.
* مارس 2024: تم الإفراج عن أكثر من 15 معتقلًا، من بينهم عبد الحق الزروالي، بدر بولحجل، وعبد العالي الفاريحي.

 
كل هذه المحطات تؤكد أن الدولة، ومن خلال العفو الملكي، لم تكن فقط تطبق مبدأ الرحمة، بل تؤسس تدريجيًا لمصالحة وطنية صامتة، متأنية، وذات أفق بعيد.
 
إن قراءة هذه الدينامية المتدرجة تُفضي إلى استنتاج واضح: العقوبات السجنية استوفت مقصدها العقابي والتربوي، وآن أوان الانتقال إلى صفحة جديدة.
 
الأغلبية الساحقة ممن تم الإفراج عنهم اندمجوا في محيطهم، وبعضهم أصبح طرفًا في العمل الجمعوي والوطني البناء. وهذه مؤشرات على أن تفعيل منطق الإدماج أعطى ثماره.
وبخصوص نشطاء الخارج، من المهم التمييز بين فئتين:
* الأولى: تختلف مع الدولة في إطار السيادة، وتُعبّر عن مواقفها بحرية، دون إساءة للرموز أو ارتماء في حضن الأعداء. وهؤلاء، مهما كان الاختلاف معهم، تبقى أبواب الوطن مفتوحة أمامهم.
* الثانية: أقلية محدودة، اختارت طواعية الارتماء في يد النظام العسكري الجزائري، وشاركت في حملات عدائية تُسيء للوطن ومؤسساته. وهؤلاء لا يمكن إدماجهم ضمن منطق التسامح أو المصالحة.

 
ولا يمكن كذلك إغفال الأصوات النشاز، التي تعود في كل مناسبة وطنية أو دينية لتأجيج الجو وعرقلة مسار العفو، بأساليب متوترة وأسلوب أقل ما يقال عنه أنه غير لائق. تعتمد على قصاصات مكررة، فقدت المصداقية والجدية، وتحاول استغلال أسماء المعتقلين لتحقيق مواقع وهمية في معادلات لا تخدم لا الوطن ولا أهله.
 
ومن منطلق تجربة شخصية ومواطِنة، يستحضر كاتب هذه السطور نَفَس تلك اللحظة التي تم فيها، رفقة مجموعة من النساء والرجال المخلصين، إطلاق "المبادرة المدنية من أجل الريف"، كمسعى وطني نقي من كل مزايدة. وإن كانت هذه المبادرة قد توقفت اليوم، فإن روحها لا تزال حيّة، وهي تلك التي تُلهمنا اليوم للقول:
 
لقد آن الأوان لخطوة تاريخية، تُتوّج هذا المسار، وتغلق هذا الملف بشكل نهائي، عبر عفو ملكي سامٍ، يكون فيه جلالة الملك، كعادته، الحَكَمَ العادل والراعي الأمين لحلم المصالحة والكرامة للجميع.
 
نداء لا يُوجَّه من موقع تمثيلي، ولا بلسان أي إطار، بل هو تعبير عن ضمير مواطنٍ يحب هذا الوطن، ويؤمن بأن زمن البناء الجماعي يستدعي شجاعة القرار، وسمو المبادرة، وصدق الانتماء.
 
لمن قرأ هذه السطور ووجد فيها صدق النية، فليضف اسمه، وينشرها، عسى أن يبلغ هذا النداء مقصده النبيل، في ظل ملك يجمع، ويصفح، ويوجّه الوطن إلى المستقبل.