تشكل الوساطة الأسرية أحد الآليات الحديثة التي تعزز العلاقات بين المعتقلين وأسرهم، وتساهم في تخفيف الآثار السلبية للسجن على التماسك الأسري. في المغرب، ينظم القانون رقم 10.23 المتعلق بتنظيم وتدبير المؤسسات السجنية العديد من الجوانب المتعلقة بحقوق المعتقلين وعلاقاتهم بأسرهم، لكنه لا يتناول صراحة مفهوم "الوساطة الأسرية". ومع ذلك، يمكن استنباط مبادئها من خلال نصوص القانون والممارسات القائمة.
يهدف هذا البحث إلى تحليل مدى إمكانية تطبيق الوساطة الأسرية في السجون المغربية، انطلاقًا من القانون الحالي والممارسات الميدانية، مع اقتراح آليات لتعزيزها.
أولا. مفهوم الوساطة الأسرية في الوسط السجني
تشكل الوساطة الأسرية آلية أساسية لتحسين التواصل بين المعتقل وأسرته وتسوية النزاعات العائلية الناتجة عن الاعتقال، كما تساهم في تعزيز الدعم النفسي والاجتماعي للمعتقلين وأسرهم وتسهيل عملية إعادة الإدماج بعد الإفراج. وفي السياق المغربي، يمكن استنباط الأسس القانونية لهذه الوساطة من عدة مواد في القانون المنظم للسجون، حيث تنص المادة 67 على ضرورة الحفاظ على علاقة المعتقل بذويه، بينما تؤكد المادة 181 على أهمية استخدام آليات مثل الوساطة في تدبير النزاعات بين المعتقلين، كما تشير المادة 135 إلى ضرورة تفعيل برامج إعادة الإدماج الاجتماعي التي تشكل الوساطة الأسرية أحد ركائزها الأساسية.
ثانيا: مظاهر الوساطة الأسرية في القانون المغربي
على الرغم من عدم وجود نص قانوني صريح يُعرِّف "الوساطة الأسرية" في المنظومة السجنية المغربية، إلا أن القانون يتضمن العديد من الآليات غير المباشرة التي تدعم هذا المفهوم وتُرسخ ممارساته. ففي مجال الزيارات العائلية، تنص المادة 69 على حق المعتقل في استقبال زيارات من أسرته مع إمكانية توسيع دائرة الزوار بموافقة مدير المؤسسة، بينما تحدد المادة 70 الضوابط اللازمة لضمان إجراء هذه الزيارات في ظروف إنسانية وآمنة. أما فيما يخص التواصل، فإن المادة 86 تكفل حق المراسلة مع مراعاة جوانب السرية، خصوصاً في حالات التواصل مع المحامين، كما تسمح المادة 95 باستخدام وسائل الاتصال الحديثة تحت إشراف المؤسسة.
وفي الجانب النفسي والاجتماعي، تؤكد المادة 64 على أهمية توفير الدعم النفسي للمعتقلين، بينما تُلزم المادة 104 الموظفين بتقديم رعاية نفسية خاصة للفئات الهشة كالأحداث والنساء. أما في مجال إعادة الإدماج، فإن المادة 135 تُلزم المؤسسات السجنية بإعداد برامج شاملة لإعادة الإدماج تشمل الأسرة، كما تتيح المادة 212 منح "تدابير تشجيعية" لتحفيز تحسين العلاقات الأسرية. هذه المقتضيات القانونية مجتمعة تشكل إطاراً قانونياً داعماً لممارسة الوساطة الأسرية، رغم عدم النص عليها صراحة كمفهوم مستقل في التشريع المغربي.
ثالثا: التحديات التي تواجه الوساطة الأسرية في السجون المغربية
تواجه الوساطة الأسرية في السجون المغربية عدة تحديات تعيق تفعيلها رغم الضمانات القانونية الموجودة. أول هذه التحديات يتمثل في النقص الواضح في الإطار القانوني الصريح الذي ينظم آليات الوساطة الأسرية ويحدد معاييرها بشكل واضح. كما تشكل البنية التحتية للسجون عائقاً كبيراً، حيث يعاني العديد من المؤسسات السجنية من مشكلة الاكتظاظ وبعضها من تقادم المرافق، مما يصعب معه تخصيص فضاءات مناسبة لإجراء جلسات الوساطة والحوار العائلي. ويضاف إلى ذلك نقص الكفاءات المدربة، حيث يفتقر العديد من الموظفين العاملين في السجون إلى التدريب الكافي في مجال تقنيات الوساطة الأسرية وتقنيات حل النزاعات. ولا تقل تحديات الجانب الاجتماعي خطورة، حيث تعاني بعض الأسر من الوصمة المجتمعية التي تدفعها إلى تجنب التواصل مع المعتقلين خوفاً من النبذ الاجتماعي، مما يحرم المعتقلين من أهم سبل الدعم النفسي والاجتماعي.
رابعا: الوساطة الأسرية كما وردت في تقارير المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالمغرب والمرصد المغربي للسجون
-
- الوساطة الأسرية في السجون المغربية في تقارير المجلس الوطني لحقوق الإنسان
يُعتبر المجلس الوطني لحقوق الإنسان (CNDH) في المغرب أحد أهم المؤسسات التي ترصد أوضاع السجون وتقدم توصيات لتحسينها. في تقاريره الدورية، أولى المجلس اهتمامًا خاصًا لموضوع الوساطة الأسرية كآلية لحماية الروابط العائلية للمعتقلين وتعزيز إعادة إدماجهم. يعتمد هذا البحث على أبرز التقارير الصادرة عن المجلس، خاصة تقرير 2019 حول السجون، وتقرير 2022 حول حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة في السجون، بالإضافة إلى توصيات المجلس في زياراته التفقدية.
- . رؤية المجلس الوطني لحقوق الإنسان للوساطة الأسرية
يُعرِّف المجلس الوساطة الأسرية في السجون بأنها:"عملية منهجية تهدف إلى تعزيز التواصل بين المعتقل وأسرته، ومنع القطيعة الأسرية، وتسهيل إعادة الإدماج بعد الإفراج، عبر آليات تشمل الزيارات المُيسرة، الدعم النفسي، والتوعية القانونية."
اعتبرت الحفاظ على الروابط الأسرية حقاً أساسياً يسهم في تحسين الصحة النفسية للمعتقلين، كما أظهرت الدراسات أن هذه الروابط تساهم في خفض معدلات العود إلى الجريمة بنسبة ملحوظة، بالإضافة إلى حماية الفئات الهشة مثل أطفال المعتقلات والأسر الفقيرة من التبعات الاقتصادية والنفسية للاعتقال.
وفي هذا الإطار، قدم المجلس مجموعة من التوصيات الرئيسية في تقريره لعام 2019، حيث دعا إلى تعزيز الزيارات العائلية عبر تمديد مدتها وتكثيفها، مع تخصيص فضاءات مريحة بعيدة عن أجواء السجن القاسية، كما أوصى بإدماج الوساطة الأسرية في برامج إعادة الإدماج من خلال تدريب الأطر السجنية على تقنيات الحوار الأسري، مع إشراك الجمعيات المتخصصة في هذا المجال. وفي تقرير خاص بالأشخاص ذوي الإعاقة عام 2022، طالب المجلس بتكييف آليات الوساطة مع احتياجات هذه الفئة عبر توفير مترجمي لغة الإشارة وتصميم فضاءات زيارات مهيأة.
غير أن المجلس واجه عدة تحديات تم رصدها، أبرزها القصور القانوني المتمثل في غياب نصوص صريحة تنظم الوساطة الأسرية، بالإضافة إلى العوائق اللوجستية ونقص الفضاءات المناسبة، وصعوبة وصول الأسر الفقيرة، فضلاً عن الوصمة الاجتماعية التي تمنع بعض الأسر من زيارة معتقليها. ورغم هذه التحديات، سجل المجلس بعض النماذج الناجحة مثل تجربة سجن النساء بعين السبع في تخصيص روض أطفال، وبرامج الوساطة الأسرية في مركز الإصلاح والتهذيب ببنسليمان، مما يثبت إمكانية تحقيق تقدم في هذا المجال عند توفر الإرادة والموارد الكافية.
- الوساطة الأسرية في تقارير المرصد المغربي للسجون:
يُعد المرصد المغربي للسجون منظمة وطنية مستقلة تُعنى برصد أوضاع السجون وحقوق المعتقلين. في تقاريره السنوية، يُسلط المرصد الضوء على الوساطة الأسرية كآلية حيوية لحماية الروابط العائلية للمعتقلين، مع التركيز على التحديات الميدانية واقتراح حلول عملية. يعتمد هذا التحليل على تقارير المرصد الصادرة بين 2018 و2023، مع التركيز على تقرير 2022 الذي خصص فصلاً كاملاً للوساطة الأسرية.
1. رؤية المرصد المغربي للسجون للوساطة الأسرية
يقدم المرصد المغربي للسجون تعريفاً شاملاً للوساطة الأسرية باعتبارها عملية متكاملة تهدف إلى توفير بيئات حوار آمنة بين المعتقلين وعائلاتهم، مع إشراك فعال للأسر في برامج الإصلاح وإعادة الإدماج، والعمل على إزالة كافة العوائق المادية والنفسية التي تعيق التواصل الأسري. ويركز المرصد على ثلاثة أهداف استراتيجية رئيسية لهذه الوساطة: أولاً، الحيلولة دون حدوث انقطاع في العلاقات الأسرية نتيجة لفترات الاعتقال الممتدة، وثانياً، التخفيف من حدة النظرة المجتمعية السلبية التي تواجهها عائلات المعتقلين، وثالثاً، تعظيم دور الأسرة كشريك أساسي في عملية إعادة دمج المعتقلين في المجتمع. وتكمن أهمية هذا التوجه في كونه يعتبر الأسرة ركيزة أساسية في المنظومة الإصلاحية، وليس مجرد طرف ثانوي في العملية.
2. أبرز الملاحظات والتوصيات في تقارير المرصد
أ. كشف تقرير المرصد المغربي للسجون لسنة 2022 عن إحصاءات مقلقة تُبرز التحديات الكبرى التي تواجه التواصل الأسري في السجون المغربية. حيث أظهرت البيانات أن 40% من أسر المعتقلين لا يزورون ذويهم، ويعود ذلك لثلاثة أسباب رئيسية: يأتي في مقدمتها البعد الجغرافي بنسبة 58% من الحالات، يليه نقص الموارد المالية بنسبة 33%، ثم الخوف من الوصمة الاجتماعية بنسبة 9%. وتكمن خطورة هذه الأرقام في آثارها النفسية العميقة على المعتقلين، حيث سجل التقرير أن 75% من المحرومين من الزيارات العائلية يعانون من اضطرابات نفسية مختلفة، مما يزيد من صعوبة عملية إعادة إدماجهم ويؤثر سلباً على صحتهم النفسية. هذه المؤشرات تُنذر بضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة هذه الإشكالات، خصوصاً في ظل ما تشكله الزيارات الأسرية من دعم نفسي ومعنوي بالغ الأهمية للمعتقلين.
خامسا: مؤشرات نجاح
تشكل عملية ربط تحسين الوساطة الأسرية بالمؤشرات الموضوعية أحد الركائز الأساسية لقياس فعالية هذه البرامج. حيث يُعتبر انخفاض معدلات العود إلى الجريمة أحد أهم المؤشرات الدالة على نجاح برامج الوساطة الأسرية، إذ تُظهر الدراسات وجود علاقة عكسية واضحة بين متانة الروابط الأسرية واحتمالات العودة إلى السلوك الإجرامي. كما يُعد تحسن المؤشرات النفسية للمعتقلين مقياساً حاسماً لفعالية هذه البرامج، حيث يسجل المعتقلون الذين يتمتعون بعلاقات أسرية قوية تحسناً ملحوظاً في صحتهم النفسية، يتمثل في انخفاض معدلات الاكتئاب والقلق، وزيادة الدافعية للإصلاح الذاتي. ويُفضل أن يتم قياس هذه المؤشرات بشكل دوري من خلال أدوات تقييم نفسي معتمدة، وربطها إحصائياً ببرامج الزيارات الأسرية وأنشطة الوساطة، مما يتيح تحديد الأثر الحقيقي لهذه البرامج وتطويرها بشكل مستند إلى الأدلة والبيانات الموضوعية.
خلاصات وتوصيات:
في ضوء التحديات التي تواجه التواصل الأسري في السجون المغربية، تبرز الحاجة إلى تبني حزمة من التوصيات العملية التي تستهدف تعزيز الوساطة الأسرية. أولاً، في مجال تسهيل الزيارات، يقترح تخصيص حافلات مجانية لنقل أسر المعتقلين القادمين من المناطق النائية، مع منح إعفاءات من رسوم الإيواء للأسر محدودة الدخل لتسهيل إقامتهم بالقرب من المؤسسات السجنية. ثانياً، يتطلب تطوير فضاءات الوساطة تحويل غرف الزيارات التقليدية إلى أماكن عائلية ودية تشبه "البيوت الآمنة"، مع تخصيص أيام مفتوحة للزيارات الموسعة التي تتيح تفاعلاً أكثر طبيعية بين المعتقلين وأسرهم. ثالثاً، في مجال الدعم النفسي، ينبغي تنظيم جلسات إرشاد أسري تشاركية تسبق مرحلة الإفراج، إلى جانب إطلاق برامج دعم نفسي مستمرة ترافق الأسر طوال فترة الاعتقال، مما يسهم في تخفيف الآثار النفسية للاحتجاز ويعزز فرص إعادة الإدماج الناجحة. هذه التدابير المتكاملة تشكل خارطة طريق عملية لتعزيز دور الأسرة في المنظومة الإصلاحية.
1. توصيات قانونية وسياسية:
يتطلب تعزيز الوساطة الأسرية في السجون المغربية إصلاحات تشريعية وعملية متكاملة. على المستوى القانوني، نوصى بإدخال تعديلات جوهرية على القانون 10.23 من خلال إدراج فصل خاص ينظم الوساطة الأسرية، بحيث يحدد بوضوح حقوق المعتقلين في التواصل مع أسرهم وواجبات الإدارة السجنية في توفير الفضاءات والآليات اللازمة لذلك، مع إلزام المؤسسات السجنية بحفظ سجلات رسمية لتوثيق أي انتهاكات لحقوق الزيارة. كما ينبغي تفعيل دور قاضي تطبيق العقوبات لضمان الرقابة الفعالة على تطبيق هذه المعايير وفرض العقوبات على المخالفين.
أما على الصعيد الميداني، فتتمثل الأولويات في تحسين البنية التحتية عبر تخصيص غرف وساطة عائلية مجهزة بمرافق مناسبة للأطفال في كل مؤسسة سجنية، وتوفير وسائل اتصال مجانية (هاتفية ومرئية) لتسهيل التواصل مع الأسر البعيدة. كما نؤمد على أهمية مقترح تطوير برامج دعم متكاملة تشمل تقديم الدعم النفسي المتخصص لأسر المعتقلين وخاصة الأطفال، إلى جانب منح مساعدات مادية لتغطية نفقات السفر والإيواء للأسر محدودة الدخل، مما يسهم في إزالة العوائق المادية التي تحول دون التواصل الأسري
. 2 توصيات مجتمعية:
في إطار تعزيز دور المجتمع في دعم الوساطة الأسرية، تبرز الحاجة إلى تنفيذ حملات توعوية مكثفة بالتعاون مع وسائل الإعلام والجمعيات المهتمة بالموضوع، تهدف إلى تغيير الصورة النمطية السلبية عن أسر المعتقلين وتصحيح المفاهيم الخاطئة المنتشرة في المجتمع. كما يتطلب الأمر إشراكاً فعالاً للمجتمع المدني من خلال برامج تدريبية متخصصة تمكن الجمعيات المحلية من اكتساب المهارات اللازمة في مجال الوساطة الأسرية وتقنيات حل النزاعات. ولضمان تكامل الجهود وتوحيد الرؤى، نقترح إنشاء شبكة وطنية للوساطة الأسرية تعمل على تنسيق المبادرات بين مختلف المؤسسات السجنية والجهات المعنية، وتسهيل تبادل الخبرات وأفضل الممارسات في هذا المجال
. 3 توصيات بحثية:
في إطار تطوير منظومة الوساطة الأسرية، تبرز أهمية تعزيز الجانب البحثي والمعرفي من خلال إنتاج دراسات ميدانية متخصصة تقيس بشكل علمي ودقيق تأثير برامج الوساطة الأسرية على معدلات العود إلى الجريمة، وتطور الحالة النفسية للمعتقلين، مع التركيز على التحليل الكمي والنوعي للنتائج. بالتوازي مع ذلك، يتطلب الأمر وضع إطار منهجي لقياس الأداء يتضمن إنشاء مجموعة من المؤشرات الكمية والنوعية، مثل: معدل تكرار الزيارات العائلية، نسب مشاركة الأسر في برامج الإدماج، درجة رضا المعتقلين وأسرهم عن خدمات الوساطة، ومدى تحسن المؤشرات النفسية والسلوكية. ويستحسن أن تشمل هذه المؤشرات معايير نوعية تعكس جودة التفاعلات الأسرية ومدى استفادة المعتقلين من هذه البرامج، مع إمكانية تطوير أدوات قياس معيارية تتناسب مع الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للمجتمع المغربي.
الخاتمة:
تُمثل الوساطة الأسرية في السجون المغربية ركيزة استراتيجية تتجاوز حدود الخدمة الإنسانية لتصبح استثماراً نوعياً في الأمن المجتمعي الشامل. ويتطلب تفعيل هذا النموذج ثلاث ركائز أساسية: أولاً، إرادة سياسية حقيقية تترجم إلى إصلاحات تشريعية شاملة تعيد صياغة الإطار القانوني المنظم للعلاقات الأسرية في الوسط السجني. ثانياً، تخصيص موارد مالية كافية لدعم البنية التحتية وتطوير البرامج المتخصصة التي تضمن جودة الخدمات المقدمة. ثالثاً، تضامن مجتمعي فعّال يعمل على كسر الحواجز النفسية والاجتماعية التي تعيق التواصل الأسري. وفي هذا السياق، تؤكد خلاصات تقارير حقوق الإنسان المغربية على أن "الأسرة ليست مجرد زائر عابر في حياة المعتقل، بل شريكاً أساسياً في مسيرة الإصلاح وإعادة الإدماج"، مما يستدعي اعتماد مقاربة شمولية تضع الأسرة في صلب العملية الإصلاحية.