على دأب العادة يقترن قلم الروائيين بتصوير جروح وآلام البشر التي انحجبت عن مؤلفي السرديات الكبرى، يُكاشفون عورات المضطهدين، ويُعرون عن أعطاب المعذبين، ويخرجون إلى الوجود العُلب السرية التي ابتغت السلطة اقبارها في زوايا النسيان. هنا، قد نتحدث عن مساحات إبداعية ذات نزوع جريئ وفاضح اشتبكت مع مساحات المحظور، واقتحمت الهوامش المخفية من أجل كشف انجراحات الذوات تحت يافطة: "الحق في الذاكرة"...
على دأب العادة أيضا ما يتم استقبال هذا النوع من الأدب بغير قليل من صخب، ويُدرجه النقاد ضمن باحة الأدب الأسود، بحكم تنطعه عن المألوف، ورغبته في تكسير الخطوط الحمراء...كُل من جايل مخاضات الحرب الكبرى الثانية يتذكرون في حمأة لهيب صراع السوفيات مع الأمريكان الصخب الذي أحدثته البريطاني جورج أرويل "1984" Nineteen Eighty Four، وهي آنئذ تقوم بتصوير وحشية النظام الستاليني، وترصد ما يعتمل داخله من فَقْد للإرادة وسَلب للكينونة وتعتيم على الحقيقة...
غير بعيد عنا، وبأرض الكنانة، معين الأدب والإبداع، أثارت رواية المصري علاء الأسواني "عمارة يعقوبيان" جَلبة قوية، وهي تكشف عن عالم مدينة القاهرة السري، وصخب لياليها الحمراء، وإقبال المجتمع المصري على اللواط والشذوذ الجنسي وتوغل الجماعات السلفية، وقد نضيف إليها واحدة، لا تقل جرأة عنها، للروائي المثير للجدل يوسف زيدان بعنوان "سقط القناع"، التي طرحت قضية سلطت الضوء على عوالم الجن القبطية من خلال كشف صراعاتها وتناقضاتها، ومفارقاتها لعالم الرهبنة المضادة للغريزة الإنسانية.
قد يطول بنا المقام، ونحن نُعَدد أسماء تلك الأعمال الروائية التي أبحرت في عمق الواقع. وبما أن المناسبة شرط وفق ما يقال، فمناسبة هذا التقديم، هو الحديث عن مُتمردة الأدب التركي إليف شافاق ورائعتها "لقيطة إسطمبول". تُعمق شافاق الحفر في عمق الذاكرة التركية بجروح الألم التاريخي بين الأتراك والأرمن، وتُصور الواقع الانساني الذي اعتصرته المعاناة النفسية من خلال سرد قصة عشيقين، جمعهما الفؤاد، وجَرَّمتهما السياسة جراء رسوخ إرث تاريخي يستثقل على عيش الحاضر.
الرواية عمل إبداعي عميق ومُمتع في آن، يتعالى على حدود الزمان والمكان، ويلامس خبايا الفكر السياسي والتاريخي والديني والاجتماعي لاجراء تمرين مفيد لتصفية تركة بلاد الرجل المريض، وكشف تضادات العرقية والطائفية والقومية والدينية والسياسية...والتي صدرت عن قراءات مُوجهة نهلت من طروحات خرافية وتاريخية متغذية من ثقافة التعصب وعلياء تقديس الماضي ونفي الآخر، ومقتربة أكثر من عدم قدرة المجتمع التركي على الإعتراف بتعدديته الثقافية والقومية والدينية في بوثقة المصالحة مع الذات والتاريخ.
رواية "لقيطة اسطمبول The Bastard of Istanbul"، والتي كانت قد صدرت عام 2006، تبتغي العودة بالسردية إلى وقائع مذابح الأرمن من طرف النظام الكمالي، وسنوات الاضطهاد التاريخي من تاريخ تركيا الأسود..وهو وضع كان كافيا لملاحقتها قضائيا بمنطوق الفقرة 301 من القانون التركي...إنها لحظة تحول حقيقية في تاريخ تركيا، اللحظة التي وَدَّعت فيها تركيا الرجل المريض واستقبلت المرحلة الكمالية الأثاتوركية.
تحكي الرواية عن العلاقة الشائكة بين الأتراك والأرمن من خلال عائلتين واحدة تركية في اسطمبول، والثانية أرمينية تعيش في الولايات المتحدة الأمريكية، جمعتهما علاقة إبادة تاريخية منذ أجيال، لا يعرف عنها الأحفاد شيئا...شوشان هي فتاة أرمينية الأصل، هجرت بلدها نحو الولايات المتحدة الأمركية، هرباً من مجازر النظام التركي، وتتعهد أرمانوش حفيدتها بمهمة البحث عن الأصول. ولسوف تكتشف أرمانوش، بالتعاون مع آسيا، أسراراً كبيرة عن العائلة وعن تاريخ تركيا الحديث.
رواية إليف شافاق عمل أدبي بعمق فلسفي وفكر سياسي... يصدر العمل من منطق كونية حقوق الإنسان، وضرورة الانتصار لقضايا المستضعفين في تركيا والمهمشين...ويدقق في حياة عائلة قزانجي، التي تعيش في منزل كبير، وتتكون من عدة أفراد: زليخة الأخت الصغرى التي تملك صالوناً للوشم، وهي والدة آسيا اللقيطة، وبانو التي اكتشفت مؤخراً مواهبها كمُنجِّمة، وسيزي الأرملة والمُدرِّسة، وفريدة المهووسة بالكوارث، أما الأخ الأوحد، فيعيش في الولايات المتحدة الأمريكية.
رواية موغلة في القسوة وجَلْد الذات، والمصارحة الجريئة التي تُعذب ذوات الأتراك حينما ينظرون في مرايا الذاكرة...وهي الرواية التي نقلت "المتمردة" إليف شفاق، كما يُطلق علي.