الأحد 25 فبراير 2024
سياسة

الطيّار: ثلاثة محدّدات تؤطر مستقبل العلاقات الرّوسية المغربية ضدّ الابتزاز الأوروبي

الطيّار:  ثلاثة محدّدات تؤطر مستقبل العلاقات الرّوسية المغربية ضدّ الابتزاز الأوروبي وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (يمينا)، ومحمد الطيّار، خبير وباحث في الدراسات الاستراتيجية والأمنية
أكد‭ ‬محمد‭ ‬الطيّار،‭ ‬وهو‭ ‬خبير‭ ‬وباحث‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬الاستراتيجية‭  ‬والأمنية،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬«العلاقات‭ ‬المغربية‭ ‬الروسية‭ ‬علاقات‭ ‬عريقة‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬للميلاد‭ ‬والتي‭ ‬تتميز‭ ‬بالاحترام‭ ‬المتبادل‭ ‬طيلة‭ ‬هاته‭ ‬العقود‭. ‬نفس‭ ‬الأمر‭ ‬استمر‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬الحقبة‭ ‬السوفياتية،‭ ‬حيث‭ ‬شهدت‭ ‬زيارة‭ ‬ثلاثة‭ ‬رؤساء‭ ‬لمجلس‭ ‬السوفيات‭ ‬إلى‭ ‬المغرب،‭ ‬كما‭ ‬عرفت‭ ‬زيارة‭ ‬المغفور‭ ‬له‭ ‬الحسن‭ ‬الثاني‭ ‬إلى‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفياتي‭ ‬عام ‭ .‬«1966  ‬
ويؤكد‭ ‬الخبير‭ ‬الطيّار،‭ ‬في‭ ‬تصريح‭ ‬لأسبوعية‭ ‬«الوطن‭ ‬الآن»،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬استمر‭  ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬حيث‭ ‬«تمت‭ ‬زيارة‭ ‬الملك‭ ‬محمد‭ ‬السادس‭ ‬في‭ ‬عامي‭ ‬2002‭ ‬و2016‭ ‬ إلى‭ ‬روسيا،‭ ‬وكذا‭ ‬زيارة‭ ‬الرئيس‭ ‬الروسي‭ ‬فلادمير‭ ‬بوتين‭ ‬إلى‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2006‭. ‬فطيلة‭ ‬هاته‭ ‬السنوات،‭ ‬حرص‭ ‬المغرب‭ ‬كما‭ ‬حرصت‭ ‬روسيا،‭ ‬على‭ ‬تنويع‭ ‬المبادلات‭ ‬والشراكات‭ ‬بعلاقات‭ ‬شراكة‭ ‬متينة‭ ‬و‭ ‬قوية،‭ ‬حيث‭ ‬يعدّ‭ ‬المغرب‭ ‬ومصر‭ ‬والجزائر‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الشركاء‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬لروسيا‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬حيث‭ ‬أن‭ ‬ميزان‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭ ‬يتنامى‭ ‬سنة‭ ‬بعد‭ ‬أخرى»‭.‬
وبرأي‭ ‬الخبير‭ ‬والباحث‭ ‬الطيّار،‭ ‬فإن‭ ‬«زيارة‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الرّوسي‭ ‬للمنطقة،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الوقت‭ ‬الحسّاس‭ ‬الذي‭ ‬يشهد‭ ‬تجاذبات‭ ‬وتقلبات‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدّولية‭ ‬والتوازنات‭ ‬الدولية،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬على‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬غبارها‭ ‬لم‭ ‬ينقشع‭ ‬بعد»‭.‬
ويفكّك‭ ‬محاورنا‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬بـ‭ ‬«وجود‭ ‬ثلاثة‭ ‬محددات‭ ‬رئيسية‭ ‬قد‭ ‬تشكل‭ ‬الملامح‭ ‬المستقبلية‭ ‬لتطوّر‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬الروسي‭ ‬والمغربي»‭.‬
 
الأول:‭ ‬أن‭ ‬المغرب‭ ‬برهن‭ ‬على‭ ‬استقلال‭ ‬قراره‭ ‬السيادي،‭ ‬وروسيا‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬موقفها،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬الجزائر‭ ‬حاولت‭ ‬إغراء‭ ‬روسيا‭ ‬بإبرام‭ ‬صفقات‭ ‬عسكرية‭ ‬ضخمة،‭ ‬حتى‭ ‬تقتنص‭ ‬موقفا‭ ‬من‭ ‬روسيا‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية‭. ‬والتطورات‭ ‬الأخيرة‭ ‬لسياسة‭ ‬النزام‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬روسيا،‭ ‬والذي‭ ‬برز‭ ‬في‭ ‬ارتماء‭ ‬النظام‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬أحضان‭ ‬فرسنا‭ ‬بشكل‭ ‬مذلّ،‭ ‬واتفاقيات‭ ‬توريد‭ ‬الغاز‭ ‬مع‭ ‬فرنسا‭ ‬وإيطاليا‭ ‬بالشّكل‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬روسيا‭ ‬أن‭ ‬ترفض‭ ‬استقبال‭ ‬الرئيس‭ ‬الجزائري‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المنتظر‭ ‬أن‭ ‬يزور‭ ‬روسيا‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬يناير‭ ‬2023‭. ‬والتقارير‭ ‬الصحفية‭ ‬أبلغت‭ ‬الجانب‭ ‬الروسي‭ ‬أنها‭ ‬غير‭ ‬مستعدة‭ ‬لاستقبال‭ ‬الرئيس‭ ‬تبون،‭ ‬بحكم‭ ‬ما‭ ‬بدا‭ ‬مؤخرا‭ ‬من‭ ‬خيانة‭ ‬واضحة‭ ‬للنظام‭ ‬العسكري‭ ‬الجزائري،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬الضغوطات‭ ‬التي‭ ‬مارستها‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬عليه،‭ ‬وزيارة‭ ‬مسؤولين‭ ‬جزائريين‭ ‬لفرنسا‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭.‬
 
‭ ‬الثاني:‭ ‬تبيّن‭ ‬أن‭ ‬المغرب‭ ‬حينما‭ ‬مارس‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬استقلال‭ ‬قراره‭ ‬السّيادي‭ ‬من‭ ‬الموقف‭ ‬للحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬وأنه‭ ‬لم‭ ‬ينحاز‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬لجهة‭ ‬معينة‭. ‬تم‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬شراكة‭ ‬بين‭ ‬روسيا‭ ‬والمغرب‭ ‬في‭ ‬الطّاقة‭ ‬النووية‭. ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬مهمّ‭ ‬جدّا‭ ‬يشكل‭ ‬صفعة،‭ ‬سواء‭ ‬لأوروبا‭ ‬التي‭ ‬دأبت‭ ‬على‭ ‬ابتزاز‭ ‬المغرب‭ ‬أو‭ ‬للنظام‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭. ‬وهذا‭ ‬يبيّن‭ ‬أن‭ ‬الشراكة‭ ‬المغربية‭ ‬الروسية‭  ‬في‭ ‬خضم‭ ‬أزمة‭ ‬روسيا‭ ‬مع‭ ‬الغرب،‭ ‬وهي‭ ‬ثمرة‭ ‬الشراكة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتأثر‭ ‬بالصّراع‭ ‬المفتوح‭ ‬فيما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدّولي‭.‬
 
الثالث:‭ ‬إشارة‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬بالموقف‭ ‬الروسي‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬بقضية‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية،‭ ‬وهو‭ ‬موقف‭ ‬لا‭ ‬يضرّ‭ ‬المصالح‭ ‬المغربية‭. ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بظهور‭  ‬خريطة‭ ‬المغرب‭ ‬كاملة‭ ‬غير‭ ‬مبتورة‭ ‬في‭ ‬اجتماع‭ ‬عكسري‭ ‬في‭ ‬روسيا،‭ ‬وهي‭ ‬إشارة‭ ‬بليغة‭ ‬من‭ ‬روسيا‭. ‬كما‭ ‬قامت‭ ‬روسيا‭ ‬بتغيير‭ ‬سفيرها‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬منذ‭ ‬أشهر‭ ‬بعد‭ ‬تصريح‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬الجزائر،‭ ‬يؤيد‭ ‬أطروحة‭ ‬النظام‭ ‬الجزائري‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬المصير،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬استدعاؤه،‭ ‬وعوض‭ ‬بسفير‭ ‬روسيا‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬له‭ ‬علاقات‭ ‬متينة‭ ‬مع‭ ‬بلادنا‭. ‬وهاتان‭ ‬الإشارتين‭ ‬(خريطة‭ ‬المغرب‭ ‬كاملة‭ ‬في‭ ‬اجتماع‭ ‬عسكري‭ ‬روسي،‭ ‬وتغيير‭ ‬السفير‭ ‬الروسي‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬بسبب‭ ‬تصريحات‭ ‬مضرة‭ ‬بالعلاقات‭ ‬الروسية‭ ‬المغربية)،‭ ‬تدلّ‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬روسيا‭ ‬لها‭ ‬موقف‭ ‬مساند‭ ‬للمغرب‭ ‬على‭ ‬صحراءه،‭  ‬ناهيك‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬روسيا‭ ‬لديها‭ ‬العديد‭  ‬من‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬مع‭ ‬المغرب‭.‬
‭ ‬فزيارة‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الروسي‭ ‬سيرجي‭ ‬فلافوف‭ ‬يتم‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬برزت‭ ‬فيه‭ ‬الجزائر‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعتبر‭ ‬حليفا‭ ‬بارزا‭ ‬لروسيا‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬وبعد‭ ‬زيارة‭ ‬شنقريحة‭ ‬إلى‭ ‬روسيا‭. ‬كما‭ ‬يعدّ‭ ‬إشارة‭ ‬مهمة‭ ‬من‭ ‬روسيا‭ ‬للنظام‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬الجزائر،‭ ‬بعدما‭ ‬ألغى‭ ‬مناورات‭ ‬عسكرية‭ ‬روسية‭ ‬جزائرية‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬المغربية‭ ‬نتيجة‭ ‬الضغوط‭ ‬الأمريكية‭ ‬المبرمجة‭ ‬من‭ ‬ذي‭ ‬قبل‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬زيارة‭ ‬لافروف‭ ‬للمغرب‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬اصطفاف‭ ‬فرنسا‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أطروحة‭ ‬النظام‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭. ‬فإلى‭ ‬حدود‭ ‬الآن‭ ‬أبرمت‭ ‬عدة‭ ‬اتفاقيات‭ ‬بين‭ ‬الطرفين،‭ ‬بعدما‭ ‬طالب‭ ‬المغرب‭ ‬فرنسا‭ ‬بالخروج‭ ‬بموقف‭ ‬واضح،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬الضّغوط‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬طالبت‭ ‬فرنسا‭ ‬بعدم‭ ‬إبرام‭ ‬صفقات‭ ‬عسكرية‭ ‬من‭ ‬حجم‭ ‬كبير‭.‬
وفي‭ ‬سياق‭ ‬التوازن‭ ‬الذي‭ ‬ينهجه‭ ‬المغرب‭ ‬والإجراءات‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬بها‭ ‬المغرب‭ ‬للتّصدي‭ ‬لجميع‭ ‬أشكال‭ ‬الابتزاز‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬بها‭ ‬أوروبا‭ ‬تجاه‭ ‬المغرب:‭ ‬فمرة‭ ‬الهجرة،‭ ‬ومرة‭ ‬حقوق‭ ‬الانسان،‭ ‬مرة‭ ‬قضية‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية‭...‬تعتبر‭ ‬روسيا‭ ‬بالنسبة‭ ‬للمغرب‭ ‬الخيار‭ ‬البديل‭ ‬أمام‭ ‬الإبتزاز‭ ‬الأوروبي،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬القرار‭ ‬الأخير‭ ‬للبرلمان‭ ‬الأوروبي‭ ‬الذي‭ ‬يعدّ‭ ‬شكلا‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الإبتزاز،‭ ‬وبعد‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬التي‭ ‬وقعتها‭ ‬فرنسا‭ ‬وإيطاليا‭ ‬في‭ ‬الغاز‭ ‬مع‭ ‬النظام‭ ‬الجزائري‭.‬
وهي‭ ‬أيضا‭ ‬رسالة‭ ‬واضحة‭ ‬لتنويع‭ ‬الشركاء،‭ ‬فالمغرب‭ ‬حريص‭ ‬على‭ ‬توطيد‭ ‬علاقته‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتجارية‭ ‬كخيار‭ ‬آمن‭ ‬تجاه‭ ‬الابتزاز‭ ‬الأوروبي‭.‬