الأحد 3 يوليو 2022
منبر أنفاس

ياسين بن زيان: شيطنة الهاتف النقال

ياسين بن زيان: شيطنة الهاتف النقال ياسين بن زيان

إنه جهاز صغير، ما هو بشريرٍ ولا مكير، جعل من كل أمرعسيرٍ يسير، له مرآة تجعل كل ظلامٍ منير، ياله من مثير !  جعل من البعيد قريب، ومن الغريب حبيب، ومن الحق نصيب.

أسلاكه الرقيقة تحمل قوافل من الحب ليس لها مثيل.. الجهاز الصغير لم يقصِّر معنا بالقليل، فهل عاملناه بالمثيل ؟ ربما لم نجد السبيل، ولم يكن لنا هذفٌ نبيل.. يا جهاز قم وتكلم !  فل نرى من بفضلك صعدوا القمم، يا من جئتنا بالعلم ونحن منتظرون كالصنم.. اشتقنا لك يا قلم، جهازنا استقبلنا بالجود والكرم، نكتب السطور بدون ألم.. من يوم جئتنا لم نرى عدم.

الهاتف النقال أو الخلوي أو الجوال هو إحدی وسائل الاتصال اللاسلكي التي تعمل من خلال شبكات وأبراج البث التي يتم توزيعها على مساحات معينة لتغطيتها، ويتم ترابط هذه الشبكات ببعضها البعض من خلال خطوط ثابتة او أقمار صناعية، وبدأت نشأة هذا الهاتف النقال عام 1947 على يد ’ مارتن کوبر  الباحث الامريكي، وقام بإجراء أول مكالمة هاتفية من خلال الهاتف النقال عام 1973 ميلادي.

وقد تطور هذا الجهاز ليومنا هذا ليصبح أداة للتواصل وتبادل رسائل نصية وصوتية، والأكثر من هذا ومع التطور الحالي، أصبح الهاتف نسخة مصغرة من الحاسوب، بفضله يمكنك حفظ الصور والفيديوهات، والدخول إلى شبكة الانترنت والمتصفحات Navigateurs  وتبحث عن ما تشاء بحرية كاملة. وأصبح ليس فقط وسيلة للإتصال، بل أصبح يربط العالم ببعضه البعض.

وقد ساهم الهاتف النقال في تغيير نمط حياة الإنسان وطريقة العيش وقضاء الحوائج، رغم الإیجابيات التي كانت مع الهاتف المحمول إلا أنه حمل العديد من التغییرات السلبية في مضمونه التي أثرت بالسلب على الفرد والمجتمع.

ومع كل هذه المميزات، فما يجعل الهاتف النقال ’ شيطان عصره ‘ رغم مكانته المهمة والبارزة في المجتمع ؟  

عرفت بلادنا سنة 2020 حدثا لم يسبق له مثيل، الكل مسجون في منزله، هيمنة الوباء فرضت علينا تغيير نمط عيشنا من حياة حيوية إلى حياة الخمول في المنزل ومصادقة الأريكة، لم نكن نفرق بين ليل ونهار. تحولت حياتنا من الواقعية إلى الافتراضية، صنعنا عالما آخر وسط هذا ’ الشيطان الأبيض ‘ انغمسنا وسط هذا العالم لنكتشف نمط عيشٍ مختلف تماما، فأصبحت أنشطتنا اليومية تنجز وسطه،  وعلى رأسها التعليم والعمل، فالتعليم مرّ بتجربة فاشلة تماماً، عكس بعض المهن والشركات التي ليومنا هذا مازلت تتبع نمط العمل عن بعد والذي يعتبر طبيعة الوظائف مستقبلاً، ناهيك عن الدول المتقدمة والتي تقدمتنا بسنوات ضوئية في هذا الأسلوب.

 ما يجعلنا في تخلف وتقهقر في نظري هو انعدام ’ الثقافة المعلومتية ‘ باعتبارها ركيزة أسلوب العمل والتعليم عن بعد، ومواجهة العالم الافتراضي كانت مهمة صعبة على المجتمع المغربي، وخصوصا الأسر المغربية والتي توّا ما سمعت خبر التعليم عن بعد تهافتت لاقتناء هواتف ذكية لابنائها، الأمر تحتم عليها، فلولا الظرفية لما حاز الأبناء يوما ما على هاتف ذكي للدراسة والتواصل...

وهذا الاضراب يرجع لأسباب عديدة وكثيرة، على رأسها ’ صراع الأجيال ‘ فالأبناء يتهمون الآباء بأنهم لا يفهمون، وأنهم متأخرون عن إيقاع العصر، ويصفونهم بالمتزمِّتين والمتشددين، بينما يتهم الأباء الأبناء بأنهم لا يحترمون القيم، ولا العادات، ولا التقاليد، وهم قليلو الخبرة، ولا يحترمون آراء وخبرة الكبار.

وعلى رأس هذه الأسباب أيضاً، ’ الخطاب الهمجي ‘ ، طائفة من الدعاة والشيوخ صنفوا هذا الجهاز جانب المحرمات والمكروهات، وأنه يفسد أخلاق وقيم الفرد، ويزيح الشباب عن طريق الاستقامة و و ...

وهذا الخطاب الهمجي يُقدس من طرف الأسر المغربية، ويعتبرونه كلام حق، وشريعة الدين.. بالإضافة لغياب حاجز الوعي الذي خلا ليفسح الطريق أمام الخطابات الهمجية والبالية التي حرمت الشباب والأسر من التقدم الثقافي والديني والمعلوماتي...

و لم يكن لهذه الطائفة من الدعاة سبيل آخر سوى تجويز استعمال الهاتف النقال، فخصصوا  ’ بروتوكول العبيد ‘ بفرض أوقات استعمال الهاتف ( أوقات الحصص الدراسية فقط ) ، ومراقبة الأبناء في كل حين، وعدم إفساح المجال لأي نشاط آخر غير الحصص الدراسية الرسمية فقط، لا قراءة للكتب، لا مشاهدة للبرامج المهمة، لا استمتاع بالوقت...

وهذا ما خلق أزمة نفسية لدى الشباب زيادة على الأزمة الخانقة التي كنا نعيشها، مع غياب الأنشطة الحيوية اليومية، مما خلق لنا أزمة نفسية لزال البعض يعيشها ليومنا هذا.

مجتمعنا اليوم لا يفرق بين الوسيلة والمضمون، الهاتف النقال وسيلة للمعرفة والتواصل، ومضمونه نحن من صنعناه، فنحن مخيرين في استعماله لا مسيرين، وهذا ما لا يفقهه الكثير باعتبار الهاتف ’ شيطان ‘ و ’ لص الوقت ‘ وو...

منتجوا الشر و شيطنة الهاتف هم من أباحوا ’ الأفلام الإباحية ‘ و ’ القنوات التافهة ‘ و ’ مواقع " التفاصل "  الاجتماعية ‘ وأفسحوا الطريق للهمجيين والجهلة لنشر الميكروبيوم  Microbiome   بحرية واستقلال تام.

يواجه الآباء وقتًا صعبًا للتحكم في ما يراه أطفالهم في عصرنا الحالي مقارنة بما قبل اختراع الهاتف الذكي، فالآن وبعد أن قررت الأم والأب أن الطفل بحاجة إلى هاتف من أجل سلامته، يتعين عليهما التعامل مع وصول هذا الطفل المستمر إلى الإنترنت.

قبل التفكير في إدماج ’ الثقافة الجنسية ‘ وجعل مجتمعنا يسوده الإبداع الجنسي، يجب التفكي في إدماج ’ الثقافة المعلوماتية ‘ لجعل مجتمعنا يسوده الإبداع العلمي والحقوقي.