الخميس 15 إبريل 2021
فن وثقافة

عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ وَالثْلَاثْ"..زمن ومكان نشأتها وحضور شعر الغزل في متونها (18)

عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ وَالثْلَاثْ"..زمن ومكان نشأتها وحضور شعر الغزل في متونها (18) الفنان حسن الزرهوني (يسارا) والزميل أحمد فردوس

تواصل جريدة "أنفاس بريس" فتح شهية علبة مخزون الفنان التشكيلي والموسيقي حسن الزرهوني على مستوى فن العيطة المغربية، للخوض هذه المرة في روائع شعر الغزل من خلال ملفنا الإعلامي الجديد في موضوع "شعر الغزل في العيطة العبدية".

يتفق أغلب الأدباء على أن الغزل "هو فنّ من فنون الشعر، وغرض أساسيّ من أغراضه، صنّف على أنّه من أعظم فنون الشعر العربي القديم، يعبر الشاعر من خلاله عن أحاسيسه تجاه محبوبته، واصفاً محاسنها، متغنياً بجمالها، مشتاقاً لرؤيتها، حزيناً على فراقها، مع تركيزه في وصفه لها على مواطن التميّز فيها... وهو يصور خلجات النفس، وفرحتها بلقاء المحبوبة، وحزن الشاعر على فراقها، إذ تميز بقوة العاطفة وحرارتها".

لقد حظي شعر الغزل باهتمام كبير من قبل الشاعر(ة)/ الناظم (ة) لقصائد العيطة المغربية عامة وخصوصا الحصباوية منها، حيث نسوق في سلسلة حلقاتنا مع ضيف الجريدة، نموذجا رائعا لتألق ناظم (ة) قصيدة عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ والثْلاَثْ، السًكًةْ حَبْسَاتْوٌرِيتَاتْ"، والتي نحاول تفكيك بعض متونها الشعرية في الحلقة الثامنة عشر، في سياق أحداث تاريخية شهدتها منطقة أسفي و عبدة في الفترة التي تشكلت فيها هذه العيطة الجميلة المتكاملة البنيان.

رغم أن عيطة "بِينْ اَلجًمْعَةْ وٌ الثْلَاثْ" قد نشأت بمنطقة عبدة و تم الإنتهاء من تركيبها سنة 1942 (عام البون)، حسب المعطيات والأحداث التاريخية التي تناولناها في الحلقات السابقة، رغم ذلك فإن الجزء التاسع من رائعة قصيدتها الغزلية الجميلة نجد متنها العيطي تتقاسمه معها و تغنت بهعْيُوطْ أخرى مثل عيطة "تْكَبًتْ اَلْخَيْلْ" أو عيطة "رْكُوبْ اَلْخَيْلْ"، أو عيطة "لَغْزَالْ" العبدية...والذي قال فيه الشاعر/الناظم:

"دَادَةْ يَا دَادَةْ عَارْنَا عْلَى اَلِلي مَا يَنْسَانَا

اَلِلي مَا يَنْسَانَا سِيدْ لَكْرِيمْ هُوَ مُولَانَا

دَادَةْ حِيًانِي النًايْحَةْ عْلَى قَايْدِي عَلًامِي

قَايْدِي عَلًامِي وَشًامْ اَلسْرُوتْ ﯕَالُوا زَهْوَانِي

طَاحَتْ اَلضْبَابَةْ فِي اَلْغَابَةْ اَلصْوِيرَةْ عَطًابَةْ

اَلشْتَا صَبًابَةْ فِينْ حَازْتْكُمْ أَنْتُومَا اَلْحَطًابَةْ؟

اَلشْتَا صَبًابَةْ سْقَاتْ لَحْوَاضْ وُطَالْ اَلْمِيعَادْ

آلْغَادِي لَصْوَيْرَةْ جِيبْ لِيًا حَمًالَةْ زِيتِيًةْ لِلدْبُوحْ

هَادُوكْ أَهَادُوكْ وَيْلِي يَيْلِي

وَاشْ اَلْـﯖَـلْسَةْ بْلَا حْبَابْتْوَاتِي

عْلَاشْ أمُولَاتِيوَعْلَاشْ؟

حَرًكْ سِيدِي بْعَاوْدُو"

دلالة ومعنى متن : "دَادَةْ يَا دَادَةْ، عَارْنَا عْلَى اَلِلي مَا يَنْسَانَا، اَلِلي مَا يَنْسَانَا، سِيْد لَكْرِيمْ هُوَ مُولَانَا".

إن المتن الشعري أعلاه وظف فيه الناظم صيغة الجمع "عَارْنَا عْلَى اَلِلي مَا يَنْسَانْا"، لتخاطب الجماعة/القبيلة من يعنيه أمر تدبر شؤونها ولا يتركها عرضة للتهميش والنسيان، و يحيل المتن بحمولته القوية المتلقي على مجموعة من الأحداث التاريخية المهمة. لقد ناشد الشاعر بصيغة الجماعة السماء وتضرع لله وابتهل ليل نهار "اَلِلي مَا يَنْسَانَا هُوَ لَكْرِيمْ مُولَانَا"، طلبا للحماية والعناية الإلهية. فالمناشدة صادرة عن ساكنة قبائل أولاد زيد التي عبرت عن مآسيها ومعاناتها وويلاتها وهي ترزح تحت قوة وجبروت القائد عيسى بن عمر والمخزن المحلي والظروف المحيطة بحكمه الإستبدادي، بعد أن بسط سطوته وسلطته عليهم بالقوة، ولم يكن باستطاعة أي أحد أفرادا أو جماعات أن يثوروا ضده، ونتيجة لذلك ثارت قبائل أولاد زيدوالفرطميس ضد القائد عيسى وأعوانه بعدما شاع خبر وفاة السلطان المولى الحسن الأول وبتولية المولى عبد العزيز، حيث عمت الفوضى والإنتفاضات والتمردات في أغلب مناطق المغرب منها قبائل عبدة بإيالة القائد الذي هدمت داره المسماة (اَلسِتيِنِيةْ) وهاجموا منازل بعض العمال وقواد المخزن كدار القائد الحاج سْعِيدْ اَلْعُمْرَانِي، ودار القائد هَرْمَةْ بَنْ اَلضًوْاَلْحَمْرِي، وتسببوا في شتى المضايقات للقائد عيسى بن عمر العبدي الذي أفزعته هذه التمردات حيث صرف أموالا طائلة لحماية صبته.

من مظاهر هذه الإنتفاضات ما تسببت فيه وخلقته ثورة أولاد زيد كما فصلنا في ذلك في حلقتين حول عام الرفسة/الهربة (أنظر مقالات "أنفاس بريس" في الموضوع)، حيث استطاع القضاء عليهم وحرق دورهم وهدم مساكنهم ومصادرة أملاكهم، وسبي نسائهم وأطفالهم والزج بزعمائهم في السجون بشمال المغرب وغربه، ولم يتبقى لساكنة قبائل أولاد زيد إلا رفع أكف الضراعة لله بأن يحميهم ويفرج كربهم وأن يعاقب الظالمين وتعود حياة الاستقرار والأمن والطمأنينة والسلام.

معنى ودلالة متن : "دَادَةْ حِيًانِي، النًايْحَةْ عْلَى قَايْدِي عَلًامِي، قَايْدِي عَلًامِي وَشًامْ اَلسْرُوتْ ﯕَالُوازَهْوَانِي"

جمالية هذا المتن العيطي تتجلى في أسلوب التكثيف والإختزال الذي وظفه الناظم/الشاعر العبدي لوصف الأحداث والوقائع التاريخية المرتبطة بشخصية القائد عيسى بن عمر البحتري، حيث استعمل في خطابه الشعري ما قل ودل من المفردات والكلمات الدالة بحمولتها. ليؤكد بأن عيسى بن عمر العبدي هو قائد "اَلسْرُوتْ"، وقائد التجريدات/الكتائب الحربية والعسكرية المتأهبة بخيولها الجامحة والثائرة وفرسانه الأشاوس المدججين بالأسلحة لإخماد التمردات والإنتفاضات، سواء في الحركات الكبرى بزعامة السلطان المولى الحسن الأول، أو الحركات الصغرى المحلية التي كان يقودها شخصيا داخل إيالته.

في كتاب "على عتبة المغرب الحديث" للطبيب الفرنسي (فردريك وايسجربر) يصف القائد عيسى بن عمر العبدي البحتري قائلا:

"ينحدر من عائلة حجازية، يمثل الشيخ العربي، له وجه جميل، نشيط، لحية رقيقة سوداء، رزة كثيرة الطيات من الموسلي الأبيض، قامة متوسطة، رشيق، يلبس سِلْهَاما أبيضا ناصعا، له يدان ورجلان أرستقراطيتان، يمشي بصعوبة، فارس ماهر، محارب كبير، صياد بارع، يحب الخيول والأسلحة والكلاب السلوقية والباز، وغير هذا فذوقه بسيط ومتشبث بالتقاليد، حيث لم تدخل راقصة أو مغنية إلى بيته في الحصبة أو في مراكش أو في فاس.. مؤدب وصادقومخلص، وعدو صعب المنال".

 ويضيف مؤكدا على أن القائد كان "إقطاعه يمتد من الوالدية إلى حدود نهر تانسيفت، كانت فروسيته تجعل منه أهم قائد في المملكة الشريفة، تابع مخلص، يؤدي الضرائب لسيده، كان يعيش حياة سيد إقطاعي، ويمارس الوظيفة القضائية وجباية الضرائب وإدارة أملاكه، مولعا بالقنص، وكان محاطا بأبنائه وأحفاده وعبيده"

من خلال هذا الوصف الذي اعتمده الطبيبالفرنسي (فردريك وايسجربر) في كتابه "على عتبة المغرب الحديث" نستنتج أن القائد الكبير عيسى بن عمر كان من أمهر الفرسان وأقوى المحاربين، نظرا لتجربته الكبيرة في مشاركته بإحدى الحركات السلطانية الكبرى للمولى الحسن الأول بنواحي مراكش لما كان خليفة على أخيه محمد لمدة 15 سنة، ثم استطاع توسيع إيالته على حساب القبائل المجاورة بسبب قوة جيشه ووفرة خيوله المدربة على المعارك والحروب، والمجهزة بالعتاد والعدة، والفرسان والأسلحة.

وكان القائد عيسى بن عمر يخصص جناحا كبيرا لإسطبلات الخيول داخل قصبته وكان عددها يتجاوز 400 حصان/فرس مستعدة ومتأهبة لخوض المواجهات، إضافة إلى تملكه مراعي شاسعة بمنطقة الحصبة لرعي الخيول والبغال والجمال كآليات حربية ساهمت في إخماد التمردات هنا وهناك سواء بقيادته أو قيادة أحد أبنائه .

وعرف عن القائد الكبير عيسى بن عمر أنه كان يختار الخيول بنفسه حسب المواصفات المطلوبة، ويقوم بتصنيفها حسب أنواعها وألوانها، ويميز كل صنف منها بوشم خاص بين الأذنين والرقبة (اَلْعَنْبَةْ)، وتكون تلك اَلْأَوْشَامْ على شكل "مثلث" أو "مربع" أو "دائرة"، كرموز استعملها ليميز خيوله بواسطة قضيب حديدي بدرجة حرارية عالية، ويوزع هذه الخيول على شكل "سْرُوتْ"، بعد ترويضها و تجهيزها بالفرسان والأسلحة اللازمة، وللإستدلال على ذلك نسوق للقارئ هذه الأشطر من المتن العيطي الذي يشير إلى فروسية عيسى بن عمر:

"تْكَبًتْ اَلْخَيْلْ عْلَى اَلْخَيْلَ، دِيرُوا سِيدِي عَلًامْ"

"هَادِي عَلْفَةْ مَسَاوْيَةْ، دِيرُو سِيدِي عَلًامْ"

"سَرًجْ عَوْدُو وَمْشَى لْفَاسْ، خَلًا لَهْوَى عَسًاسْ"

"سَرًجْ عَوْدُو وَمْشَى لْدُكَالَةْ، خَلًانِي فِي حَالَةْ"

في سياق متصل، فإن كلام الطبيب الفرنسي (فردريك وايسجربر)، والذي إدعى من خلاله كون القائد عيسى بن عمر لم "تدخل راقصة أو مغنية إلى بيته"، فذلك لعمري مغالطة، على اعتبار أن هناك متن عيطي يكذب هذا الإفتراء، ويشير بصريح العبارة أن القائد "كان يحيي السهرات الفنية وليالي السمر الملاح بعد انتصاراته على الخصوم، أو خلال مواسم الحصاد احتفاء بجودة المحصول الزراعي أو خلال فصل الربيع (اَلنْزًاهَةْ)".

 ألم يصف الناظم في متنه العيطي عيسى بن عمر بقوله: "قَايْدِي عَلًامِي وَشًامْ اَلسْرُوتْ ﯕَالُوازَهْوَانِي"، رغم أن الشاعر العبدي أنشد قصيدته الغزلية بتحفظ خوفا من جبروت القائد وقوته وطغيانه، وخوفا من أن يتفوه بكلام يسبب له متاعب ومشاكل وقد يتورط في ملاحقات ومتابعات وعقوبات زجرية.

إن الروايات الشفهية تحكي عن عيسى بن عمر لما كان خليفة على أخيه محمد بن عمر كانت "له علاقات عاطفية وغرامية مع بعض النساء والشيخات، وكان يقضي بعض أوقات السمر مختبأ عن أعين أخيه في بعض الكهوف المجاورة لدوار "اَلنًجًارَةْ"، من أجل مغازلة النساء وإحياء الليالي الملاح".

وحسب الفنان التشكيلي والموسيقي حسن الزرهوني فقد يكون متن مقدمة الجزء التاسع من عيطة "بِينْ اَلجًمْعَةْ وُ اَلثْلَاثْ" جوابا على المتن الموالي الذي قال فيه الناظم "دَادَةْ حِيًانْي، اَلنًايْحَةْ عْلَى قَايْدِي عَلًامِي". فماذا يقصد الناظم بـ "دَادَةْ حِيَانِي"؟

"دَادَةْ حِيًانِي" هو إسم كانت تلقب به إحدى زوجات القائد الكبير عيسى بن عمر، ويستعمل للنداء عليها من طرف أسرتها وعائلتها والخدم والأعوان المتواجدين بالقصبة تشريفا لمقامها، وهو إسم كغيره من الأسماء الأخرى التي كانت تستعمل داخل قصبة القائد، مثلإسم:( دَادَةْ حْبِيبْتِي، لَالَةْ خُيْتِي، لَالَةْ عْمِيمْتِي، لَالَةْ لَحْبِيبَةْ، لَالَةْ لَكْبِيرَةْ، دَادَةْ أُمِي، دَادَةْ أَبًا، لَالَةْ شْرِيفْتِي، أُمِي لَالَةْ، لَالَةْ مُولَاتِي..).