الأربعاء 28 يوليو 2021
كتاب الرأي

محمد بوبكري: فرنسا ومغربية الصحراء

محمد بوبكري: فرنسا ومغربية الصحراء محمد بوبكري
من المعلوم أن المغرب تجمعه علاقة وطيدة مع فرنسا أكثر من أي بلد من بلدان المعمور. وتعود هذه العلاقة إلى عوامل تاريخية عديدة نتج عنها ارتباط وثيق بين البلدين....
وبعد اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على صحرائه، أصبح الرأي العام يتساءل: لماذا لم تتخذ فرنسا نفس القرار الذي اتخذته الولايات المتحدة الأمريكية؟  بل لماذا ماتزال تتلكأ في اتخاذ هذا القرار؟ قد يجيب بعض الناس على هذين السؤالين قائلين: إن فرنسا ترتبط بالجزائر ارتباطا وثيقا كما هو شأن علاقتها مع المغرب. لذلك، نجدها محرجة، لأنها لا تريد أن تفقد الجزائر، ولا المغرب؛ فلها تاريخ ومصالح كثيرة مع كل منهما، بالإضافة إلى أنها تمر بأزمة مالية واقتصادية خانقة تتحاشى تفاقمها بسبب توتر علاقتها مع أي من البلدين. ومن المعلوم أن فرنسا وجنرالات الجزائر يعرفون أن الصحراء مغربية، وأن المسؤولين الفرنسيين يعترفون بذلك أمام المسؤولين المغاربة في الغرف المغلقة ووراء الأبواب الموصدة، لكنهم كانوا دوما يتذرعون بحجة أن الولايات المتحدة الأمريكية ودولا لا تشاطرهم قناعتهم هذه، كما أن الملف ما يزال في يد الأمم المتحدة التي هي بصدد دراسته، وعلى المغرب أن ينتظر. واليوم، وبعد اعتراف الولايات المتحدة الامريكية بشرعية سيادة المغرب على صحرائه، ما تزال فرنسا لم تحسم رسميا موقفها من "مغربية الصحراء"، حيث ما يزال موقفها مطبوعا بالتردد.
هكذا، فإن موقف فرنسا لا يختلف في شيء عن موقف إسبانيا من مغربية الصحراء. ويعود موقف إسبانيا هذا إلى أنها ما تزال تحتل مدينتي سبتة ومليلة والجزر الجعفرية المغربية. لذلك فإن موقفها يطبعه التردد، لأنها تعرف أن ترسيخ المغرب لشرعية سيادته على صحرائه قد يفضي إلى مطالبته لها بخروجها من باقي الأراضي المغربية التي لا ماتزال تحتلها. وهذا هي، تقريبا، هو الموقف ذاته الذي يشترك فيه جنرالات الجزائر مع إسبانيا.
ومن المعلوم كذلك أن للمغرب أوراق الهجرة السرية نحو إسبانيا وعلاقاته التجارية وتعاونه الأمني معها، يمكنه استعمالها لدفعها إلى إعلان اعترافها رسميا بشرعية المغرب على صحرائه. وهذا ما سيحدث مستقبلا.
واستنادا إلى دروس الحياة وقوانينها، يبدو لي أن فرنسا وإسبانيا تعتقدان أن المغرب سينمو وسيتقدم باسترجاعه لأراضيه المغتصبة، وهما لا ترغبان في أن ينمو ويتقوى، لأن ذلك ليس من مصلحتهما، حيث تخافان من ذلك لأنه قد يصبح منتجا في مجالات عديدة، ما يجعله قادرا على الاستقلال عنهما، ولن يبقى سوقا لمنتجاتهما إلى ما لا نهاية. هكذا، فإن نظرة كل منهما إليه تنطلق من مصلحتها لا غير؛ فلا تنهض العلاقات الدولية على القيم الإنسانية، ولا على الأيديولوجيات، لكنها تقوم على المصلحة. وهذا ما يجمع عليه ممارسو العلاقات الدولية ودارسوها...
لذلك، يبدو لي أنه ليس من باب الحكمة الدخول في صراع مفتوح مع فرنسا، بل ينبغي على المغرب الانفتاح على بلدان أخرى من غير جيرانه في الشمال، لأن ليس من مصلحته أن يبقى مرتبطا مع دول لا ترغب في نموه وتقدمه، بل تريده أن يبقى صديقا على المقاس، ومن يريدك أن تبقى على مقاسه، يرغب في الحجر عليك.
وتفيدنا دروس التاريخ كذلك، أن البلدان التي ارتبطت بإسبانيا وفرنسا تاريخيا لم تستطع أن تفرض نفسها دوليا في أي مجال من المجالات، وأن الدول التي ارتبطت بالدول الأنجلوسكسونية قد تمكنت من قطع أشواط كبيرة في مجالات التنمية والتصنيع، فأصبح لها شأن في مختلف مجالات العلاقات الدولية. وهذا ما يفرض على المغرب الانفتاح على العالم، وامتلاك القدرة على التعامل بلغات علمية عالمية عديدة، ما يؤهله للانفتاح على مستثمرين من آسيا والعالم الأنجلوسكسونية والصين...، حيث إن هذا التنويع يمنحه حريته، ولا يفقده استقلاله الاقتصادي، لأن أي بلد يبقي عينيه مفتوحتين على بلد واحد، ولا ينفتح، ولا يتعامل مع غيره يصبح سجينا لهذا الأخير، الذي قد يتدخل حتما في شؤونه الداخلية، ومع مرور الوقت قد يصبح طرفا سياسيا واقتصاديا في بلده...