الأحد 25 أكتوبر 2020
كتاب الرأي

مصطفى المتوكل الساحلي: تنبيه الغافلين بالقيادات الحزبية بضرورات المرحلة

مصطفى المتوكل الساحلي: تنبيه الغافلين بالقيادات الحزبية بضرورات المرحلة مصطفى المتوكل الساحلي

بعد عقود من سياسات التدافع غير المتوازن واللامتكافئ واللاديموقراطي والتي نتجت عنها حملات اعتقالات واسعة واختفاءات عديدة وانتهاكات لحقوق الإنسان داخل المعتقلات وخارجها والنفي والإبعاد القسري والإرادي، وبعد الطرد والتضييق على الأرزاق وقطعها بسبب الإضرابات وغيرها. وبعد معاناة أسر المضطهدين والمقموعين الذين يعدون بالآلاف، أقدمت الدولة المغربية خلال النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي على فتح صفحة جديدة باتفاق مع زعماء المعارضة المغربية وعلى رأسهم الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية (الاتحاد الوطني سابقا) وما تفرع عنهما من منظمات وأحزاب يسارية من أجل: المصالحة في علاقة بما سمي من طرف المعارضة والدولة بالإنتهاكات الجسيمة وسنوات الجمر والرصاص، وبموازاة مع ذلك ، الإقدام على إصلاحات سياسية وتشريعية في أفق بناء دولة الحق والقانون والمؤسسات ، كمرحلة انتقالية تطوى بموجبها المواجهات النضالية المختلفة الوسائل والقمع بكل أشكاله

وبعد ما يناهز عقدين من انطلاق هذه المبادرة المهمة، لنا أن نتساءل كل من موقعه، هل تحققت الأهداف والنتائج المتوخاة في علاقة بالطي النهائي لصفحة الماضي ؟ وهل تم القطع مع انتهاكات أو تجاوزات حقوقية وإنسانية وسياسية واجتماعية طوال العقدين الماضيين؟ هل طويت صفحة التخلف والظلم الاقتصادي والاجتماعي ؟

لهذا لابد أن نستحضر من معطيات وتقارير ودراسات تلك الحقبة أن من أسباب القمع والإنتهاكات تضارب المصالح والرؤى السياسية والأهداف في علاقة بسعي أطراف الصراع من أجل بناء مجتمع ودولة الغد الذي يطمئن إليه الجميع وتتحقق فيه مطالبه ومطامحه، فالدولة كانت تتخوف من نمو قوة المعارضة وإمكانية تمكنها من الحكم لتنزيل تصورها لبناء مؤسسات وطنية حداثية ديمقراطية ما بعد الإستعمار، وكان هذا يعتبر بأنه سعي لسلب بعض مؤسسات الدولة جوهر اختصاصاتها ومكانتها، بإقرار دستور يؤطر ديمقراطيا لتمثيليات منتخبة من الشعب تعبر عن إرادته وتسعى لنموه مع نقل السلطات للمؤسسات التي تفرزها صناديق الإقتراع ومنها الحكومة التي تتشكل وفقا لنتائج وتحالفات وتوافقات الإستحقاقات .

وعرفت تلك العقود سياسات الردع والتضييق والقمع وبوضع تشريعات تدعمها بما فيه تلك التي توبع بها الوطنيون زمن الإستعمار، كما شهدت أقوى الخطوات والمبادرات السياسية التنظيمية و التأطيرية والنضالية حزبيا ونقابيا واجتماعيا، كما عرفت تلك الحقبة زخما تقدميا ويساريا فكريا وثقافيا وإبداعيا في أكثر من مجال، وكان المجتمع بطبقاته الشعبية وبورجوازيته الصغيرة والمتوسطة وحتى البعض من الأغنياء في مستويات وعي متميزة ومتجاوبة بشكل واسع مع المعارضة في المدن وفي العديد من المناطق القروية، فكانت نتائج الانتخابات في أوائل الستينات بفضل مؤسسي الاتحاد واليسار من الوطنيين المجاهدين والمقاومين الذين يحضون بمصداقية كبيرة، كما وثق التاريخ مواجهات بين أطراف الصراع تجمل مرجعياتها وروحها في بيانات قوية بخطابها ومطالبها الجريئة مدعمة بحراك جماعي شعبي ومدني ، كما كانت مواقف وبيانات الدولة تتجاوز في قوتها وردود أفعاله تحركات المعارضين لتكسير شوكتهم وتقزيمهم وعزلهم عن المجتمع، فحصل التدافع العنيف الذي حققت به الدولة ضبطا وتحكما مباشرا أو غير مباشر للعمل السياسي اليساري والتقدمي، وتعطيلا للمناضلين والقياديين بالإعتقال والنفي والإختطاف وباستقطاب البعض منهم وتحولهم إلى خصوم لرفاق أمسهم المشترك ..

ولقد حرصت الدولة لاعترافها بأهمية ومكانة ووطنية رجالات السياسة آنذاك لأن أغلبهم حارب وقاوم الإستعمار وعمل بفعالية في مفاوضات الإستقلال بتنسيق وتشاور مع المؤسسة الملكية، بحرصها على إبقاء مساحات انفراج تتوخى فيها تحقيق توافقات "ممكنة " بالإستجابة لبعض المطالب السياسية المفتقرة للفعالية والجدية في التطبيق..

ولقد حققت المعارضة رغم حالات الاستثناء تحديا إيجابيا باستمرار وجودها الرمزي والأخلاقي القوي بفضل قيادتها الوطنية و مناضليها و مناضلاتها بالداخل والمنافي ، وهذا التاريخ بهؤلاء الرجال والنساء هو الذي جعل الاتحاد الاشتركي اتحادا للقوات الشعبية وحركة تقدمية لها مكانتها على الصعيد الرسمي والمنظمات الجماهيرية عالميا ..

وفي علاقة بين الماضي والحاضر وخاصة في العشرية الأخيرة 2011 حتى 2020. يمكن القول إن العديد من القرارات والتشريعات والسياسات المعتمدة من طرف الحكومات المتتالية خلالها ألحقت الضرر الكبير بالعديد من المكتسبات، وزعزعت حتى ما تبقى من التوازن الإجتماعي، ووسعت من الفوارق الطبقية، وألحقت الضرر الجسيم بالمجتمع واقتصاد الطبقة المتوسطة التي تضم الشغيلة والموظفين بالقطاع العام وشبه العام و بالقطاع الخاص والخدمات بما في ذلك الفلاحي ..، كل هذا وغيره خلق وتسبب في احتقان وأزمة اقتصادية واجتماعية أثرت بشكل سلبي كبير على سوق التشغيل والخدمات الاجتماعية وخاصة الصحية، وأضر بمهام وأدوار قطاع التعليم العمومي بكل أسلاكه، وأفرز تدمرا كبيرا وسط الشباب العاطل وخريجي الجامعات ومؤسسات التكوين المختلفة ..

إن ما يهمنا هنا هو أن نسجل الفرق الأساسي بين الحقبتين :

فقبل المصالحة والتناوب التوافقي كانت أحزاب اليسار والأحزاب الوطنية الديمقراطية وفي مقدمتهم الاتحاد الاشتراكي مصطفة مع الشعب، يؤطرون نضالاته، شبابيا ونقابيا واقتصاديا واجتماعيا، وكان ترافع المناضلين والمناضلات من القيادة إلى القواعد يقود و يؤطر وينظم النضالات ومختلف أنواع الحراك بشكل حضاري، فأحيانا يكبحون جماح التسلط ومرات يفشلون تمادي الحكومات في سياساتها المجحفة التي تمس بحقوق الشعب، كما يبرعون في التدافع النضالي بحس وطني بإصدار مواقف سياسية قوية، وإطلاق مبادرات نضالية في كل الواجهات ومنها البرلمان بترافع راق وحكيم كان يتتبعه الرأي العام باهتمام وحماسة زمن جلسات الأسئلة الشفهية التي يرى فيها الشعب ممثليه الحقيقيين مصطفين معه بصدق قولا وعملا .

وبعد انطلاق الإنصاف و المصالحة وما بعد حكومة التناوب ،وبدل تقوية التنظيم في جميع القطاعات وتحديثه وعصرنته وتثمين جبهة النضال الوطني الضامنة لمأسسة التأطير ونجاعته، تفككت آليات النضال وتوازن القوى بتفكك لحمة النواة الصلبة للقيادة بتفريطها وتعاملها الغريب مع مبادئ وهوية الحزب النضالية في علاقتها بتدبير الزمن السياسي والشعبي والزمن الحكومي، وتعطيلها لمواقف الحزب الشعبية بسبب الخلط الذي لم يضع مسافة فاصلة موضوعية بين التواجد بالحكومة وبالمؤسسات المنتخبة واستمرار الأداء النضالي الذي لاشك كان سيشكل قوة دعم للتغيير والإصلاح بالحكومة في مواجهة قوى المحافظة ومناهضة التغيير، وتم تسجيل تباعد متدرج في الطروحات والأولويات كشف عن تناقض وتضارب في سياسات الحزب وعدم مسايرتها أحيانا للروح النضالية للاتحاد في علاقة بالمواطنين والمواطنات وانتظاراتهم الفعلية . وهكذا تفرغ الاتحاديون والاتحاديات لتصريف مواقف وأفعال أغرقت الحزب في مشاكل وصراعات بمبررات مختلفة طالت الشبيبة الاتحادية والعمل النقابي القوي بتخندقات عشوائية وراء تكتلات تؤطرها بعض القيادات لغايات خاصة حيث اتسم الوضع بغموض ونزوع واضح نحو التحكم والنزعات التبريرية العقيمة .

إن كل من كان وراء الإصطفافات التي وقعت داخل الحزب ومنظماته الموازية يتقاسمون نفس النوايا بتباين في مضامينها وغاياتها، وارتكبوا نفس الأخطاء والإنزلاقات التي تسببت في التعطيل والتباعد، فاعتزل من اعتزل، وفتحت صراعات تفتقد لقواعد وآداب الاختلاف والديمقراطية واللياقة والعقلانية والوضوح والموضوعية، فأصبح الحزب في حاجة استعجالية وقوية للإنقاذ في الوقت الذي كانت كل مهامه وطموحه وحتى رغبة الدولة والمجتمع أن يكون وراء إنقاذ المغرب من السكتة القلبية وغيرها من السكتات، وهذا المنحى جعل العديد من القياديين والمناضلين ينبهون ويحذرون ومنهم عبد الواحد الراضي الكاتب الأول السابق للحزب ورئيس لجنة الأخلاقيات الحالية الذي شبه الحالة بالاتجاه إلى "انتحار جماعي" ..

هكذا تسببت بعض القيادات الإتحادية ومن معها بالقواعد في أن يجد المغرب نفسه قد ضيع وهج وأهمية النضال اليساري ، واختلت بوصلته ، وتضررت سلامة المواقف السياسية، و"تفككت" و "تجمدت" بنيات وحركيات قطاعات نضالية اتحادية عريقة، وتضرر منسوب الوعي والتأطير بشكل كبير، وكان أكبر متضرر خلال هذه المرحلة الوطن ثم اليسار والاتحاد الاشتراكي حيث وقع الإخلال بأهم قواعد النضال التي وجد من أجلها والتي تشكل أساسا وطنيا لوجوده، أي الترافع والإرتباط بقضايا الشعب، فأصبح عامة الناس في مواجهة غير متكافئة مع أضرار السياسات المعتمدة التي جعلتهم يفقدون الأمل ويتشككون في الجميع، في مقابل مواقف وخطاب غير مقنع ، فحصل تباعد في الاصطفافات البناءة مع قضايا الناس بسبب الوهن و الإنشغال بما لا يهم الرأي العام ، فحتى النقابات التي يقودها المناضلون والمناضلات المنتمون للاتحاد ورفاقهم باليسار والعمل الوطني الديمقراطي لم تعد قادرة على الحفاظ على تماسكها وقوتها ومكانتها الرائدة، ولا أن تقوم بمهامها وأدوارها الرائدة التي أنجزتها بكفاءة في أزمنة الأزمة والشدة ، كما أن مواقفها وبياناتها لا تقنع حتى من يصوغها .

اليوم نقول ما يعرفه الجميع و يترصده أهل الإختصاص والخبراء :

ما الذي ستفرزه كل هذه التراجعات والأزمات بالمجتمع؟ وهل سيكون بإمكاننا جميعا احتواء وتصحيح كل هذه الإختلالات في مدة زمنية معقولة تنعش التفاؤل والحماس في الأنفس بالتنزيل المتوالي للعدالة الإقتصادية والإجتماعية والمجالية والمعرفية ..؟ وهل يمكننا جميعا وأخص بالذكر الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية أن نقدم على قرارات ومواقف فعلية ملموسة تطبق فورا ليسترجع الحزب قبل الإستحقاقات وهجهه وقوته ومكانته الريادية النضالية التقدمية إلى جانب الجماهير الشعبية ؟

إننا أصبحنا في حاجة كبيرة لمصالحة أكثر تنظيما وعقلانية من المصالحة التي أنجزت أشطر منها مع الدولة بالاستفادة من كل الأخطاء التي وقع فيها الجميع والتي يتحمل كل طرف وكل واحد نصيبه من المسؤولية فيما حصل إيجابا وسلبا .. مصالحة لا تكون على حساب المبادئ والتاريخ المشرف والنضالي للحزب وتضحيات الشرفاء والشريفات، ولا تعتمد تبريرات واهية للحصول على تمثيلية عمومية بالمؤسسات المنتخبة بمن هب ودب من الرحل أو من لا مبدأ لهم لأن لهم فقط "الطرق " المحققة للفوز بالمقعد بغض النظر عن هوية واسم الحزب .. ولتسائل الدولة نفسها، وليسائل كل حزب نفسه من سيقوم بتوعية و تأطير وتنظيم مكونات المجتمع ، ويستحق فعليا أن يكون ناطقا ومترافعا صادقا باسمهم يحظى بثقة من يمثلهم أو يلتجئون إليه لطرح قضاياهم أو يتبنى ملفاتهم ومطالبهم ويحميهم من كل القرارات والسياسات التي ألحقت أو ستلحق الضرر بمجالات مختلفة في العالم القروي والحواضر وبالعدالة الاقتصادية والاجتماعية ...؟

إن اجتماع ضعف منسوب ثقة الناس في المؤسسات والسياسات والأحزاب ، والآثار الخطيرة والمدمرة لوباء كورونة / كوفيد 19 ، يشكلان أكبر تهديد للجميع بسبب حجم التكلفة و لصعوبة التنبؤ والتحكم بمساراتهما وتداعياتهما إن لم يقدم العلاج الكامل والشافي والحلول والبدائل الناجعة.

إنهما يشكلان أكبر دافع للجميع للقطع مع العبث السياسي والسياسات التفقيرية والإرتجالية، والتفكير النخبوي البئيس الذي يتوهم أن السياسات الحكيمة والجدية و عمليات البناء من مهام الساسة والنخب، وأن الإنقاذ لا يكون بالمزيد من التفقير والإضرار بالطبقات الشعبية، فالذين لا يستحضرون بجدية ومحبة صوفية مصالح الشعب والوطن وهم يخططون أو يتخذون قراراتهم يلقون بأنفسهم والناس إلى التهلكة، فالحكمة الحكمة، والعمل العمل مع الوطن والشعب أولا وأخيرا، وإيانا وإياكم استصغار إرادة الشعب والإستخفاف بمطالبهم المشروعة ، وعدم تقدير تضحياتهم الكبيرة وصبرهم المرهق ..