لا يبدو الحديث عن “النخبة” في السياق المغربي حديثا بريئا أو محايدا، بقدر ما يشكل مدخلا لطرح سؤال جوهري: من يحكم؟ وبأي معايير؟ ولصالح من؟. فمفهوم النخبة، كما استقر في العلوم الاجتماعية، مفهوم نسبي ومتحرك، يتغيّر بتغير السياقات التاريخية وأنماط توزيع السلطة والثروة. غير أن ما يثير الانتباه في التجربة المغربية هو الفجوة الصارخة بين المعايير المعلنة لتشكل النخب، والمعايير الفعلية التي تحكم ولوج مواقع القرار.
نظريا، يفترض أن تقوم النخبة على الكفاءة والاستحقاق والقدرة على إنتاج القيمة المضافة، ماديا ورمزيا. لكن عمليا، ما تزال معايير النسب، والقرب، والولاء، والانتماء إلى شبكات النفوذ هي المحدد الحاسم في صناعة “علية القوم”. وهكذا، تتحول النخبة من بناء اجتماعي مفتوح، قابل للتجدد، إلى دائرة مغلقة تعيد إنتاج نفسها بالأدوات ذاتها، مع تغييرات طفيفة في الواجهات لا تمس الجوهر.
لقد ظل الإرث العائلي والجاه الاجتماعي، عبر التاريخ المغربي الحديث، من أهم مفاتيح الولوج إلى السلطة والثروة. ومع توسع الدولة الحديثة وتضخم أجهزتها، لم يؤدّ ذلك إلى دمقرطة النخبة بقدر ما أتاح توسيع دائرة الريع وخلق نخب وظيفية جديدة، وُلدت لا من رحم الكفاءة، بل من رحم الزبونية والمحسوبية وثقافة الإرضاء... نخب طفيلية لا طبيعية، فصارت مواقع المسؤولية مكافآت للولاء، لا نتائج للاستحقاق.
في هذا السياق، يصعب الحديث عن نخبة واحدة موحدة، بل عن نخب متعددة ظاهريا، متجانسة جوهريا. نخب سياسية ومالية وإدارية وثقافية، تبدو مستقلة في مظهرها، لكنها مترابطة في العمق عبر شبكة مصالح متداخلة، قوامها تبادل الخدمات، وتزويج المال بالسلطة، وحماية الامتيازات. وحين تختلف هذه النخب، فإن اختلافها لا يكون حول المصلحة العامة أو الخيارات الاستراتيجية، بل حول كيفية تقاسم النفوذ داخل الدائرة نفسها.
ينبّه الكاتب الأمريكي جون واتربوري، في تحليله الكلاسيكي للنظام السياسي المغربي، إلى أن النخبة لا تتشكل وفق منطق الاستحقاق أو التفوق الاجتماعي، بل تبنى داخل شبكة من العلاقات والولاءات التي تنتظم حول مركز السلطة. فالنظام، بدل أن يسمح بتكون نخبة مستقلة وقادرة على إنتاج القرار، يعمد إلى تعدد النخب وضبط توازناتها، بما يضمن بقاءها في حالة اعتماد دائم على المركز. بهذا المعنى، لا تكون النخبة فاعلا حاكما بقدر ما تكون فاعلا مُدارا، تمنح له هوامش محدودة من النفوذ والامتياز مقابل الالتزام بقواعد غير مكتوبة، قوامها الولاء وتجنب الصدام.
ويؤكد واتربوري في كتابه الشهير "أمير المؤمنين.. الملكية والنخبة السياسية المغربية"،
أن هذا المنطق، القائم على الاستيعاب بدل التداول، يجعل من الكفاءة عنصرا ثانويا، يُستدعى ظرفيا ولا يُعتمد معيارا بنيويا في إنتاج النخب. فالنخب الجديدة، حتى حين تصعد من خارج الدوائر التقليدية، لا يُكتب لها الاستمرار إلا إذا قبلت الاندماج في المنظومة القائمة، بما تفرضه من علاقات زبونية وتوزيع مضبوط للسلطة والريع. وهكذا، تتحول مواقع المسؤولية إلى آليات لإعادة إنتاج الولاء أكثر من كونها فضاءات لصناعة السياسات العمومية.
إذا كان الأصل في تشكل مفهوم النخبة بالمغرب قد ارتكز تاريخيا على الإرث والنسب، بما يفضي تلقائيا إلى تراكم الثروة وبلوغ مواقع النفوذ، فإن عنصري الكفاءة والمثابرة والاجتهاد ظلا، في الغالب، خارج دائرة الاعتبار الجدي، أو يُستحضران شكليا دون أن يُبنى عليهما مسار فعلي للترقي أو التمكين. ذلك أن نظام الزبونية والمحسوبية، المقترن بسيادة ثقافة الإرضاء والولاء، والممتد لأكثر من أربعة عقود، هو الذي أعاد تشكيل آليات الصعود الاجتماعي والسياسي، وجعل الانتماء السياسي أو القبلي أو الإثني أو اللغوي الممر شبه الإجباري لولوج مواقع الامتياز.
في هذا الإطار، فُتح المجال أمام أنماط من الاغتناء السريع، ذات الطابع الريعي الصرف في حالات كثيرة، عبر دهاليز المؤسسات العمومية، من خلال التعيينات التي تفتقد الى معايير الاستحقاق المطلوبة، والتعويضات الجزافية غير المبررة، وتفشي الرشوة، واحتكار امتيازات الرخص في النقل البري والبحري، واستغلال المقالع والثروات الطبيعية، فضلا عن العطايا العينية والتفويضات، وغضّ الطرف الممنهج عن الجهات التي تؤول إليها كبريات الصفقات العمومية، المرتبطة مباشرة بعصب الاقتصاد الوطني وبمصائر الأفراد والجماعات.
الأخطر في هذا النموذج أنه يجعل الكفاءة عنصرا مُربكا وغير مرغوب فيه وهذا ما يقع في العديد من المؤسسات. فصاحب الكفاءة غير المحمي بشبكة نفوذ غالبا ما يُقصى أو يُحتوى في مراتب دنيا، أو يُدفع إلى التماهي القسري مع منطق الفساد إن أراد الاستمرار. أما من يرفض ذلك، فيظل خارج “النادي”، مهما بلغ من علم أو تجربة. وهكذا، بدل أن تكون النخبة مجالا لتكريم الكفاءة والخبرة وصون العقل، تنقلب إلى فضاء يطرد العقول ويقمع إمكاناتها.
ليس الفساد هنا انحرافا عارضا، بل شرطا ضمنيا للاستمرار، إذ يصعب تخيل نخبة راكمت الثروة والسلطة في غياب منطق الريع وغضّ الطرف والنزاهة والشفافية. لذلك، حين يُطرح خطاب الإصلاح، غالبا ما يُفرغ من مضمونه، لأن من يُفترض أن يقوده هم أنفسهم المستفيدون من الوضع القائم.
إن إشكالية النخبة في المغرب ليست أخلاقية فحسب، بل سياسية وتنموية بامتياز. فهي تتعلق بكيفية تدبير الموارد المشتركة، وبحق المجتمع في أن تُسند المسؤوليات لمن يملك القدرة على خدمته، لا لمن يملك مفاتيح القرب من مراكز القرار. كما تتعلق بحق الأجيال القادمة في دولة لا تقوم على الامتياز، بل على العدالة وتكافؤ الفرص.
إن كسر هذا النسق لا يمر عبر استبدال أشخاص بآخرين، بل عبر تغيير قواعد اللعبة نفسها: منطق التعيين، وآليات المحاسبة، ومعايير الولوج إلى المسؤولية. دون ذلك، سيظل الحديث عن النخبة مجرد إعادة تسمية لواقع قديم، عنوانه الأبرز: سلطة بلا استحقاق، وثروة بلا إنتاج، ومسؤولية بلا مساءلة.
نطرح موضوع النخبة انطلاقا من وعيٍ بأن المغرب مقبل على تحديات كبرى، دولية وإقليمية ووطنية، تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدبلوماسية، بل والرياضية أيضا. ولعل من أبرز هذه التحديات قضية تفعيل مشروع الحكم الذاتي بجهة الصحراء، وهي قضية استنزفت من الزمن السياسي والتنموي لبلادنا ما يقارب نصف قرن، بما يفرض تعبئة شاملة للكفاءات الوطنية القادرة على مواكبتها والدفاع عنها بفعالية ونجاعة.
إن هذا السياق يفرض، بالضرورة، مراجعة جذرية لقواعد اللعبة التي حكمت عملية اختيار النخب وتدويرها، خاصة وأن جزءا من هذه النخب قد استفاد مما سماه الأستاذ عبد اللطيف أكنوش بـ"نظام المكافآت والامتيازات"، فخدم مصالحه الخاصة أكثر مما خدم المصلحة العامة. وقد أفرز هذا الوضع نخبا غير طبيعية، تشكلت وفق معايير لم تعد صالحة في ظل التحولات العميقة التي عرفتها البلاد، نخبًا استهلكت أكثر مما أنتجت، ولم تقدم قيمة مضافة حقيقية، بل إن بعض مكوناتها غارق في الريع والتلاعب وممارسات الفساد بمختلف أشكاله.
إن المغرب اليوم في حاجة ملحة إلى نخب جديدة، نخب تبنى على معايير الكفاءة والخبرة والنزاهة والوطنية الصادقة، وتضع خدمة الصالح العام في صلب أدوارها، باعتبارها شرطا أساسيا لمواجهة التحديات الراهنة وصناعة أفق تنموي وسياسي أكثر عدلا ونجاعة.
نظريا، يفترض أن تقوم النخبة على الكفاءة والاستحقاق والقدرة على إنتاج القيمة المضافة، ماديا ورمزيا. لكن عمليا، ما تزال معايير النسب، والقرب، والولاء، والانتماء إلى شبكات النفوذ هي المحدد الحاسم في صناعة “علية القوم”. وهكذا، تتحول النخبة من بناء اجتماعي مفتوح، قابل للتجدد، إلى دائرة مغلقة تعيد إنتاج نفسها بالأدوات ذاتها، مع تغييرات طفيفة في الواجهات لا تمس الجوهر.
لقد ظل الإرث العائلي والجاه الاجتماعي، عبر التاريخ المغربي الحديث، من أهم مفاتيح الولوج إلى السلطة والثروة. ومع توسع الدولة الحديثة وتضخم أجهزتها، لم يؤدّ ذلك إلى دمقرطة النخبة بقدر ما أتاح توسيع دائرة الريع وخلق نخب وظيفية جديدة، وُلدت لا من رحم الكفاءة، بل من رحم الزبونية والمحسوبية وثقافة الإرضاء... نخب طفيلية لا طبيعية، فصارت مواقع المسؤولية مكافآت للولاء، لا نتائج للاستحقاق.
في هذا السياق، يصعب الحديث عن نخبة واحدة موحدة، بل عن نخب متعددة ظاهريا، متجانسة جوهريا. نخب سياسية ومالية وإدارية وثقافية، تبدو مستقلة في مظهرها، لكنها مترابطة في العمق عبر شبكة مصالح متداخلة، قوامها تبادل الخدمات، وتزويج المال بالسلطة، وحماية الامتيازات. وحين تختلف هذه النخب، فإن اختلافها لا يكون حول المصلحة العامة أو الخيارات الاستراتيجية، بل حول كيفية تقاسم النفوذ داخل الدائرة نفسها.
ينبّه الكاتب الأمريكي جون واتربوري، في تحليله الكلاسيكي للنظام السياسي المغربي، إلى أن النخبة لا تتشكل وفق منطق الاستحقاق أو التفوق الاجتماعي، بل تبنى داخل شبكة من العلاقات والولاءات التي تنتظم حول مركز السلطة. فالنظام، بدل أن يسمح بتكون نخبة مستقلة وقادرة على إنتاج القرار، يعمد إلى تعدد النخب وضبط توازناتها، بما يضمن بقاءها في حالة اعتماد دائم على المركز. بهذا المعنى، لا تكون النخبة فاعلا حاكما بقدر ما تكون فاعلا مُدارا، تمنح له هوامش محدودة من النفوذ والامتياز مقابل الالتزام بقواعد غير مكتوبة، قوامها الولاء وتجنب الصدام.
ويؤكد واتربوري في كتابه الشهير "أمير المؤمنين.. الملكية والنخبة السياسية المغربية"،
أن هذا المنطق، القائم على الاستيعاب بدل التداول، يجعل من الكفاءة عنصرا ثانويا، يُستدعى ظرفيا ولا يُعتمد معيارا بنيويا في إنتاج النخب. فالنخب الجديدة، حتى حين تصعد من خارج الدوائر التقليدية، لا يُكتب لها الاستمرار إلا إذا قبلت الاندماج في المنظومة القائمة، بما تفرضه من علاقات زبونية وتوزيع مضبوط للسلطة والريع. وهكذا، تتحول مواقع المسؤولية إلى آليات لإعادة إنتاج الولاء أكثر من كونها فضاءات لصناعة السياسات العمومية.
إذا كان الأصل في تشكل مفهوم النخبة بالمغرب قد ارتكز تاريخيا على الإرث والنسب، بما يفضي تلقائيا إلى تراكم الثروة وبلوغ مواقع النفوذ، فإن عنصري الكفاءة والمثابرة والاجتهاد ظلا، في الغالب، خارج دائرة الاعتبار الجدي، أو يُستحضران شكليا دون أن يُبنى عليهما مسار فعلي للترقي أو التمكين. ذلك أن نظام الزبونية والمحسوبية، المقترن بسيادة ثقافة الإرضاء والولاء، والممتد لأكثر من أربعة عقود، هو الذي أعاد تشكيل آليات الصعود الاجتماعي والسياسي، وجعل الانتماء السياسي أو القبلي أو الإثني أو اللغوي الممر شبه الإجباري لولوج مواقع الامتياز.
في هذا الإطار، فُتح المجال أمام أنماط من الاغتناء السريع، ذات الطابع الريعي الصرف في حالات كثيرة، عبر دهاليز المؤسسات العمومية، من خلال التعيينات التي تفتقد الى معايير الاستحقاق المطلوبة، والتعويضات الجزافية غير المبررة، وتفشي الرشوة، واحتكار امتيازات الرخص في النقل البري والبحري، واستغلال المقالع والثروات الطبيعية، فضلا عن العطايا العينية والتفويضات، وغضّ الطرف الممنهج عن الجهات التي تؤول إليها كبريات الصفقات العمومية، المرتبطة مباشرة بعصب الاقتصاد الوطني وبمصائر الأفراد والجماعات.
الأخطر في هذا النموذج أنه يجعل الكفاءة عنصرا مُربكا وغير مرغوب فيه وهذا ما يقع في العديد من المؤسسات. فصاحب الكفاءة غير المحمي بشبكة نفوذ غالبا ما يُقصى أو يُحتوى في مراتب دنيا، أو يُدفع إلى التماهي القسري مع منطق الفساد إن أراد الاستمرار. أما من يرفض ذلك، فيظل خارج “النادي”، مهما بلغ من علم أو تجربة. وهكذا، بدل أن تكون النخبة مجالا لتكريم الكفاءة والخبرة وصون العقل، تنقلب إلى فضاء يطرد العقول ويقمع إمكاناتها.
ليس الفساد هنا انحرافا عارضا، بل شرطا ضمنيا للاستمرار، إذ يصعب تخيل نخبة راكمت الثروة والسلطة في غياب منطق الريع وغضّ الطرف والنزاهة والشفافية. لذلك، حين يُطرح خطاب الإصلاح، غالبا ما يُفرغ من مضمونه، لأن من يُفترض أن يقوده هم أنفسهم المستفيدون من الوضع القائم.
إن إشكالية النخبة في المغرب ليست أخلاقية فحسب، بل سياسية وتنموية بامتياز. فهي تتعلق بكيفية تدبير الموارد المشتركة، وبحق المجتمع في أن تُسند المسؤوليات لمن يملك القدرة على خدمته، لا لمن يملك مفاتيح القرب من مراكز القرار. كما تتعلق بحق الأجيال القادمة في دولة لا تقوم على الامتياز، بل على العدالة وتكافؤ الفرص.
إن كسر هذا النسق لا يمر عبر استبدال أشخاص بآخرين، بل عبر تغيير قواعد اللعبة نفسها: منطق التعيين، وآليات المحاسبة، ومعايير الولوج إلى المسؤولية. دون ذلك، سيظل الحديث عن النخبة مجرد إعادة تسمية لواقع قديم، عنوانه الأبرز: سلطة بلا استحقاق، وثروة بلا إنتاج، ومسؤولية بلا مساءلة.
نطرح موضوع النخبة انطلاقا من وعيٍ بأن المغرب مقبل على تحديات كبرى، دولية وإقليمية ووطنية، تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدبلوماسية، بل والرياضية أيضا. ولعل من أبرز هذه التحديات قضية تفعيل مشروع الحكم الذاتي بجهة الصحراء، وهي قضية استنزفت من الزمن السياسي والتنموي لبلادنا ما يقارب نصف قرن، بما يفرض تعبئة شاملة للكفاءات الوطنية القادرة على مواكبتها والدفاع عنها بفعالية ونجاعة.
إن هذا السياق يفرض، بالضرورة، مراجعة جذرية لقواعد اللعبة التي حكمت عملية اختيار النخب وتدويرها، خاصة وأن جزءا من هذه النخب قد استفاد مما سماه الأستاذ عبد اللطيف أكنوش بـ"نظام المكافآت والامتيازات"، فخدم مصالحه الخاصة أكثر مما خدم المصلحة العامة. وقد أفرز هذا الوضع نخبا غير طبيعية، تشكلت وفق معايير لم تعد صالحة في ظل التحولات العميقة التي عرفتها البلاد، نخبًا استهلكت أكثر مما أنتجت، ولم تقدم قيمة مضافة حقيقية، بل إن بعض مكوناتها غارق في الريع والتلاعب وممارسات الفساد بمختلف أشكاله.
إن المغرب اليوم في حاجة ملحة إلى نخب جديدة، نخب تبنى على معايير الكفاءة والخبرة والنزاهة والوطنية الصادقة، وتضع خدمة الصالح العام في صلب أدوارها، باعتبارها شرطا أساسيا لمواجهة التحديات الراهنة وصناعة أفق تنموي وسياسي أكثر عدلا ونجاعة.
د مصطفى عنترة، باحث جامعي واعلامي.

