ما جرى في فنزويلا لا يمكن اختزاله في عملية أمنية مثيرة، ولا في حلقة جديدة من اضطراب سياسي مألوف في أمريكا اللاتينية. نحن أمام واقعة سياسية مكتملة الدلالة، تعكس تحولا أعمق في منطق إدارة القوة دوليا، حيث لم يعد احترام السيادة شرطا، ولا القانون الدولي عائقا، حين تحسم القرارات داخل دوائر النفوذ .
فمهما قيل عن النظام الفنزويلي، ومهما كانت الانتقادات المشروعة الموجهة إلى قيادته، فإن ما قامت به الولايات المتحدة الامريكية يشكل انتهاكا واضحا لسيادة دولة مستقلة. لان السيادة، في معناها القانوني والسياسي، لا تقاس بطبيعة النظام ولا بخطابه، بل بالدولة ككيان قائم بذاته. وتهور الحكام الفنزويليين، وسوء تدبيرهم للأزمة، وخطابهم المتشنج، لا يحول التدخل الخارجي إلى فعل مشروع، ولا ينزع عنه صفة الانتهاك و طابعه القسري.
واللافت أن هذه الخطوة صدرت عن رئيس بنى جزءا من خطابه السياسي على انتقاد تدخلات أسلافه، واعتبر أن تلك السياسات أنهكت أمريكا واستنزفت مواردها. إلا أن ما قام به دونالد ترامب اليوم لا يكشف فقط عن تناقض بين الخطاب والممارسة، بل يؤكد حقيقة أعمق، أن القرار الدولي في الولايات المتحدة لا يصنع بإرادة الرئيس وحده، بل هو نتاج توازنات داخل بنية معقدة تضم البنتاغون، ومؤسسات الأمن القومي، وشبكات المصالح الاقتصادية الكبرى المرتبطة بالطاقة والسلاح. وفي هذا السياق، يبدو ترامب أقل خروجا عن المنظومة مما يروج له، وأكثر تعبيرا عن منطق الدولة العميقة حين تتقاطع المصالح.
غير أن هذا البعد المؤسساتي، على أهميته، لا يفسر وحده ما جرى. فطريقة اتخاذ القرار، وحدته، وسرعة تنفيذه، تعكس أيضا نمطا سياسيا بعينه، يتجاوز الحسابات التقليدية، وينتمي إلى منطق الشعبويات المعاصرة، حيث تختزل السياسة في الإرادة، والشرعية في القوة، والتعقيد في خطاب مبسط وحاسم.هنا تبرز بوضوح فكرة الصدام بين شعبويتين.
في فنزويلا، شعبوية يسارية استنفدت خطابها، قامت على شخصنة السلطة، وتغذت من الريع النفطي، وانتهت إلى اقتصاد منهك ومجتمع مثقل بالأزمات، وهجرة جماعية حرمت البلد من جزء كبير من طاقاته البشرية.
وفي المقابل، شعبوية يمينية أمريكية، لا تقل تبسيطا ولا نزوعا إلى القوة، لكنها مسنودة بأقوى آلة عسكرية واقتصادية واستخباراتية في العالم. وفي هذا الصدام غير المتكافئ، لا تنتصر الفكرة، بل ينتصر ميزان القوة.
ومما لا شك فيه أن التوقيت، في هذا السياق، لم يكن تفصيلا تقنيا ولا مصادفة. فالتدخل جاء في لحظة دولية دقيقة: روسيا، أحد أبرز حلفاء فنزويلا، منشغلة بملفات أكثر إلحاحا ( أكرانيا )بينما تفضل الصين التمدد الاقتصادي الهادئ بدل المواجهة المباشرة. يضاف إلى ذلك أن العملية نفذت ليلة انتهاء ولاية خمسة أعضاء غير دائمين بمجلس الأمن، وهي لحظة انتقال تضعف، بطبيعتها، إمكانيات الرد الجماعي السريع داخل المؤسسة الدولية.
اما على المستوى الأمريكي الداخلي، فان إبعاد الكونغرس عن القرار لا يشكل فقط تجاوزا إجرائيا، بل يحمل في طياته تحديا لفكرة الرقابة الديمقراطية، وللشعب الأمريكي ذاته، باسم السرعة والحسم و”المصلحة العليا”. ففي مثل هذه اللحظات، لا تدار السياسة بمنطق النقاش، بل بمنطق الصدمة، حيث تقدم الفعالية على الشرعية، والنتيجة على المسار.
أما من حيث التنفيذ، فنحن أمام عمل استخباراتي عالي الدقة. سرعة الضربة، واختطاف الرئيس وزوجته في زمن قياسي، ومستوى المعرفة المسبقة بالتفاصيل، كلها مؤشرات على اختراق عميق واستعداد طويل. فهذا النمط من العمليات يذكر بما شهدناه في سياقات أخرى (إسماعيل هنية بطهران وقادة حزب الله في لبنان)، حيث تدار الضربات كعمليات جراحية: دقيقة، صامتة، وسريعة، والغاية منها ليست فقط إسقاط الهدف، بل بث رسالة ردع أوسع مفادها أن لا مكان محصنا، ولا سيادة مطلقة.
لكن خلف السياسة والأمن، ينتصب البزنس. ففنزويلا ليست بلدا هامشيا؛ إنها دولة نفطية، ومجال طاقة، وساحة تنافس اقتصادي. وحين تتقاطع الشعبوية مع الموارد الطبيعية والجغرافيا السياسية، يصبح التدخل أكثر قابلية للتسويق السياسي، ولو على حساب القواعد.
وفي العمق، لا يمكن فهم ما جرى في كراكاس خارج الإطار التاريخي الذي حكم نظرة الولايات المتحدة إلى أمريكا اللاتينية منذ القرن التاسع عشر. فمع إعلان مبدأ مونرو، فقد ترسخت فكرة اعتبار هذا المجال فضاء حيويا خاصا بالولايات المتحدة، يمنع على القوى الخارجية — آنذاك أوروبا الاستعمارية، ولاحقا الاتحاد السوفياتي، واليوم الصين وروسيا — التغلغل فيه أو التأثير على توازناته. رفع هذا المبدأ في بداياته، من طرف جيمس مونرو، الرئيس الخامس للولايات المتحدة الأمريكية، تحت شعار “حماية القارة”، لكنه تحول عمليا إلى أداة لضبط النفوذ والتحكم في المسارات السياسية والاقتصادية لدول المنطقة.
وبالتالي ما يقوم به ترامب اليوم لا يخرج عن هذا المنطق التاريخي، لكنه يعيده بلغة أكثر خشونة: استعادة السيطرة، منع الخصوم من التموقع، وإعادة ترتيب المجال اللاتيني باعتباره مجالا استراتيجيا غير قابل للمشاركة.
وفي الختام، إن ما جرى في كراكاس يذكرنا بأن السياسة، حين تفقد حكمتها، تتحول إلى تدبير لشعبوية تنهك الداخل باسم السيادة، وأخرى تريد ان تفرض النظام من الخارج باسم المصالح.

