الاثنين 25 مايو 2020
كتاب الرأي

جمال المحافظ :غضب الصحافة في زمن كورونا

جمال المحافظ :غضب الصحافة في زمن كورونا جمال المحافظ
خلف قرار وزارة الداخلية القاضى بشمول حظر التحرك الليلى مجموع الصحفيين العاملين بالصحافة المكتوبة والالكترونية، مع استثناء أطر الاعلام العمومي والاذاعات الخاصة استياءا واسعا من قبل المنابر الصحفية المغربية، وهيئاتهم التمثيلية التي طالبت بالغاء هذا القرار الذى لم يكن له ما يبرره في هذه الظرفية الصعبة التي تجتازها البلاد نتيجة جائجة فيروس كورونا المستجد.
وزارة الداخلية قد أعلنت في بلاغ الجمعة الماضية استثناء بعض الفئات ومنها "أطر المؤسسات الاعلامية العمومية والاذاعات الخاصة" من الخضوع ل "حظر التنقل الليلي " الذى قررت سريانه يوميا من الساعة السابعة مساء الى الساعة الخامسة صباحا، في اطار تدابير الحظر الصحي لمواجهة فيروس كوفيد 19 المستجد.غير أن الوزارة ذاتها، راجعت موقفها، عبر استثناء الصحفيات والصحفيين من قرار حضر التنقل الليلى ليشمل كافة الصحفيين الحاملين لبطاقة الصحافة لإتاحة الفرصة لهم للقيام بواجبهم المهني، شريطة تقديم لائحة للمصالح المختصة في الولايات والعمالات، من طرف المقاولة، تتضمن أسماء الصحفيات والصحفيين الذين سيشتغلون خلال فترة حظر التنقل الليلي.
فتحت عنوان " قرار بلا معنى ويجب التراجع عنه" انتقدت صحيفة "بيان اليوم"هذا القرار. وقالت انه تم اتخاذه بدون أي تشاور مسبق مع الهيئات والمؤسسات الممثلة للقطاع، وهو "ما جسد سماح الادارة لنفسها، وبمنطق انفرادى، أن تكون مسؤولة مباشرة عن هيئات التحرير وتنوب عن المهنة بكاملها".
وسجلت الصحيفة في افتتاحية عددها الصادر اليوم الاثنين ( 27 أبريل الجارى)، تجاهل السياسة الحكومية لدور الإعلام الوطني في هذه المرحلة التي على الرغم من صعوبتها وحساسيتها " يجب أن تستمر الصحافة في لعب دورها في مراقبة السلطات العمومية، وتقييم أدورها وعملها، وليس العكس، أي فرض صمت أعلامي ومجتمعي في البلاد".
ومن جهتها وصفت صحيفة "المساء" لائحة المجالات التي استثنتها وزارة الداخلية من قرار حظر التنقل الليلى ب"الخطإ الفادح" معبرة عن اعتقادها بأن قرار الوزارة المفاجئ سيعمل على "إخراس لأصوات مئات الصحفيين دفعة واحدة ، عبر مصادرة أحد أهم حقوقهم الأساسية".
من جهتها أكدت صحيفة "الصباح"في افتتاحية بعنوان " أم الطعنات "، ان الإعلام " ليس ترفا في لحظة الأزمات والجوائح، وليس فقط منصة للأخبار، يمكن أن نحمل عليها ما نشاء من معطيات ومتابعات، بل هو العماد الاساس والمبتدأ والمنتهى، إن اختلت موازينه، بأي طريقة من الطرق اختل كل شئ".
وبعدما ذكرت بأن الاعلام، تجند منذ الأيام الأولى لإكتشاف أول بؤرة وباء عالمية في ووهان الصينية، لوضع الرأي العام الوطني أمام حقيقة الخطر القادم، كما واكب مختلف التدابير التي اتخذتها السلطات العمومية، وأطلق حملات من التحسيس والتوعية بمخاطر الفيروس، خلصت الى القول "أن التاريخ سيسجل أن الحكومة، لم تكن في الموعد، وأخلت بالتزاماتها الأخلاقية تجاه الصحافة".
 
حظر تنقل الصحافيين ليلا ، يشعل فتيل الغضب
وكانت النقابة الوطنية للصحافة المغربية، قد استنكرت في بلاغ ، قرار وزارة الداخلية. واعتبرت أنه يساهم في خلق تشنج لا داعى إليه". وقالت "إن وزارة الداخلية، التي تعاملت في قرارها بانتقائية غير مفهومة للصحافة والصحفيين، لاعلاقة له بحقيقة الجسم الاعلامي المغربي المتواجد ميدانيا في الصفوف الأولى لمواجهة هذه الجائحة".
وتحت عنوان " طاحت كورونا كمموا الصحافة" سجلت صحيفة "أخبار اليوم" "غضب الصحفيين على وزارة الداخلية" موضحة أن حظر تنقل الصحافيين ليلا أثناء الحظر الصحي، يشعل فتيل الغضب. وقالت إن هذا القرار" المفاجئ فجر استياء وغضب الصحفيين والمهنيين الذين اعتبروه خرقا لمضامين الدستور، واعتداء صريحا على حرية الصحافة، وإهانة للجسم الصحفي الوطني".
ونقلت الصحيفة ذاتها عن رئيس المجلس الوطنى للصحافة يونس مجاهد قوله إن المجلس تواصل مع الوزارة من أجل مراجعة القرار، كما عرض عليها الموقف المهنى الرافض للتمييز بين مكونات الجسم الصحفي الوطنى. وأكد على أن الصحافيين في حاجة الى التنقل، وتوجد أحداث تستوجب العمل الميدانى.
ونقلت الصحيفة، عن نور الدين مفتاح رئيس فيدرالية ناشرى الصحف السابق ( أرباب الصحف) استنكاره لقرار وزاراة الداخلية الذي يستثنى السواد الأعظم من الصحافيين في حرية التنقل. وقال إن "عهد الجمع بين وزارتي الداخلية والاعلام قد ولى".
واعتبر نادى الصحافة بالمغرب في بلاغ له، أن من حق المواطن المغربي، وبصفة دائمة ومستمرة ، متابعة المعلومات والأخبار من مختلف المصادر، وليس فقط من الاعلام الرسمي مناشدا الوزارة بأن تتدارك الأمر عاجلا، وتتراجع عن قرارها بالسماح لكافة الصحفيين المهنيين بالمواقع الالكترونية والصحافة المكتوبة بالقيام بمهامهم بدون تمييز.
 
الاحتكام للقانون وللمنطق عبر حوار هادئ ..الصحافة خدمة عمومية
وبغض النظر عن وجاهة أو عدم وجاهة أي تبرير لهذا الموقف أو ذاك، فإنه ينبغى الاحتكام للقانون وللمنطق عبر حوار هادئ بين السلطة التنفيذية والسلطة الرابعة ، للتوصل الى حلول لهكذا توتر بين الطرفين والذى يعود ربما الى سوء فهم فرضته ظروف وتداعيات وباء كرونا القاتل. غير أن قرار الوزارة يبدو أنه كان متسرعا حينما سقط ربما سهوا في هذا التمييز ما بين وسائل الاعلام، وهي مسألة قابلة للاستدراك والتصحيح، كما أن غضب الصحافة، مقبول.
وإذ كان من المعروف أن الصحافة خدمة عمومية، فإن السلطات العمومية، لن يكون بمقدورها ان تصل الى الرأي العام الا عبر وسائل الاعلام المختلفة، ومن شأن تغييبها أن يفقد السلطة مصادر موثوقة للأخبار وخاصة في زمن كورونا الذى تعاظم فيه فيروس الأنباء الزائفة.
وفضلا عن مقتضيات دستور 2011 التي تنص على حرية الصحافة والاعلام، تجدر الاشارة الى أن الاعلان العالمى لحقوق الانسان الصادر سنة 1948 ، ينص في المادة 19 على الحق في حرية الرأي والتعبير والاعلام .وجددت الاتفاقية الدولية المتعلقة بحقوق الانسان المدنية والسياسية التى صادقت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1996، التأكيد على هذه الحقوق في المادة 9 ، من خلال التنصيص على أن لكل فرد الحق في حرية التعبير الذى يشمل حرية البحث عن المعلومات أو الأفكار، من أي نوع ، وتلقيها بغض النظر عن الحدود إما شفاهية أو كتابة أو طباعة.
فالسلطات العمومية مطالبة بتفهم طبيعة رسالة الصحافة التي تندرج ضمن مفهوم الحق في الاتصال وتقديم خدمة عمومية، تيسير مهامها المهنية، لضمان حق الرأي العام في استيقاء الأخبار الموضوعية والمحايدة بدون تمييز، والا ظلت المعلومات تتدفق من أعلى الى الأسفل ومن الحكام الى المحكومين.