الثلاثاء 22 أكتوبر 2019
مجتمع

اسويطط عبد الرحيم : هذه هي الأسباب الحقيقية التي أدت إلى تراجع قيم العمل التطوعي بالمغرب

اسويطط عبد الرحيم : هذه هي الأسباب الحقيقية التي أدت إلى تراجع قيم العمل التطوعي بالمغرب عبد الرحيم اسويطط، والمتطوعات البلجيكيات

على هامش قضية المتطوعات البلجيكيات بتارودانت، أكد الدكتور عبد الرحيم اسويطط، في حواره مع جريدة " أنفاس بريس" قائلا: " في اعتقادي أن المؤسسات التي كانت تعمل في مجال التطوع ، كانت تؤطرها وتحركها قيم إنسانية، أما الآن فمبادرات الدولة في علاقتها مع الجمعيات المحلية التي نبتت كالفطر، تشتغل بمنطقة الغنيمة تحت إمرة "حريفية" العمل الجمعوي .." وأضاف موضحا بأن تراجع قيم التطوع سببه أن " الدولة لم تنظر بعين الرضا للجمعيات والمنظمات والهيئات التطوعية باعتبارها كانت تنتج الكفاءات وتستغل فرصة الأوراش لتأطير الشباب و وتحفيزهم على العمل التطوعي "

++ لماذا ينتظر المغاربة حضور متطوعين أوربيين لشق طريق أو استصلاح بئر أو صباغة مدرسة بقرى وأحياء هامشية بالمغرب؟

ـ أولا يجب قراءة مشاركة المتطوعات البلجيكيات في هذا الورش بمنطقة تارودانت، من خلال تصنيفه في خانة عمليات التطوع لمنظمات الأوراش التي انخرطنا فيها منذ استقلال المغرب إلى الآن، في إطار شراكات مع منظمات دولية تهتم بهذا المجال ، وبالتالي يأتي كذلك في سياق خاص بحركات التطوع في العالم. إذا فالمسألة تؤطرها شراكات دولية.

لذلك أعتبر شخصيا أن حضور هذه المنظمات الدولية التطوعية في المناطق النائية، وبمجموعة من الدواوير بالمغرب غير النافع، يعري ويستفز واقع الحالة الاجتماعية في علاقة مع مسؤولية الحكومة.

والمسألة الثانية في قراءة حضور المنظمات الدولية التطوعية، أنها تعري وتنقل واقع التهميش والتخلف على مستوى البنيات التحتية والنقائص الفظيعة اجتماعيا، حيث يمكن تناول هذا الحضور في شقين. الشق الإيجابي ثم الشق السلبي.

فالشق الإيجابي يشهد للمغرب بأنه منخرط في دينامية الحركة العالمية التطوعية ومستمر في تفعيل شراكاته مع المنظمات الدولية، وفي نفس الوقت هناك الشق السلبي والذي يكمن في واقع علاقته بالدولة ومؤسساتها العمومية التي مازالت عاجزة عن فك العزلة والتهميش عن تلك المناطق النائية مثل واقع الحال الذي شاهدناه في منطقة تارودانت.

++ ما هو دور الفاعل الجمعوي اليوم في خلق قيم التطوع لدى الشباب؟

ـ يجب الإشارة هنا إلى مسألة أساسية، لأنه لا يمكن لأي حركة تطوعية شبابية خاصة في مجال الأوراش أو في مجالات أخرى مثل الجمعيات المرتبطة بحقل الطفولة واليافعين والشباب، أن تقوم بفعلها في نشر قيم التسامح والتضامن والتطوع والتعايش، دون أن تكون الدولة في شخص مؤسساتها المنتخبة من جماعات محلية وإقليمية وجهوية، بمعية المؤسسات القطاعية الأخرى ذات الصلة، مستعدة لتقديم يد المساعدة والعمل التشاركي الهادف، من أجل تكريس هذا الفعل . لماذا؟ لأن المجتمع يمكن أن يتشبع بقيم التطوع عندما يحس بأنه أمام شباب من مختلف الجنسيات يقومون بالعمل التطوعي. وللإشارة فقط سأحيلك على واقعة شهدتها منطقة الدار البيضاء سابقا، عندما تم منع منظمة أوراش الشباب من تنفيذ برنامج ورشها التطوعي الدولي من طرف السلطات المحلية.... كما يمكن أن أحيلك اليوم على بيان جمعية الأوراش المغربية للشباب التي تعرضت لمنع إقامة ورشها الدولي التطوعي بسيدي يحيى الغرب و الذي كان مقررا تنظيمه من 24 يوليوز إلى 7 غشت من السنة الجارية. مما يؤكد بأن المسألة ليس مرتبطة فقط بقناعات هذه الجمعيات وإنما أيضا لها علاقة بإرادة سياسية لدى السلطات العمومية، لتوفير على الأقل الأجواء المناسبة لنشر وترسيخ هذه القيم الإنسانية.

++ ما هي الأسباب الحقيقية في تراجع حملات التطوع بالقرى والمدن لإحداث رجة بالمجتمع وإرسال قيم التآزر والتآخي والتضامن؟

ـ اعتقد أن تراجع قيم العمل التطوعي مرتبط بسياق تاريخي معين، حيث عاشت فيه هذه المنظمات التربوية والجمعيات الوطنية التطوعية أحلك الظروف، من خلال المضايقات والحصار، على اعتبار أن أغلب هذه المنظمات الوطنية كانت سليلة الحركات الوطنية والتقدمية . وبالتالي الدولة من موقعها كانت تخنق عمل هذه الهيئات، وتضايقها، بما فيها كل من يتنفس نفسا تقدميا. وهذا هو سبب تراجع العديد من الجمعيات عن أهدافها وأدوارها التأطيرية والإشعاعية. مقابل أن الدولة فتحت المجال لجمعيات الريع المحلية، والتي يختزل دور أغلبيتها في التوصل بمنح مساعدات مالية من طرف الدولة.

إن إعادة النظر في طريقة تعامل الدولة مع هذه الجمعيات والهيئات هو الكفيل بإرجاع تلك الحركية لنشر القيم الإنسانية التي جبل عليها المغاربة في علاقاتهم الاجتماعية داخل القبيلة/ المجتمع من خلال مؤسسات شعبية طبيعية مثل ( التويزة ـ العمل التشاركي..)، وبالتالي فالمسألة كذلك غير مرتبطة بالجمعيات نفسها ولكن بنوع الخطابات التي تعتمدها وتصنعها وتروجها مجموعة من وسائل الإعلام الرسمية والتي ميعت العمل الجمعوي مما صعب الأمر على المنظمات ذات الحضور الوازن في فرض نفسها داخل هذا الحقل الملغوم.

++ إذا الأوربيون ليسوا أحسن منا؟ إن استحضرنا ورش طريق الوحدة في بداية الاستقلال التي شيدها المغاربة بتطوعهم (نساء ورجالا)؟

ـ بطبيعة الحال، طريق الوحدة ربط وسط المغرب بشماله، في مجال جبلي يستحيل أن تصل إليه الآليات الكبرى، لولا مشاركة المتطوعين المغاربة رجالا ونساء، تحت قيادة عريس الشهداء المهدي بن بركة، ولم يكن ورشا تطوعيا مقتصرا على العمل الشاق فقط، ( البناء والتبليط ..) بل تعداه إلى فضاء مدرسي لتعليم اللغة العربية والفرنسية ( اللغات الحية)، و ورشات تربوية وفنية وبرامج تثقيفية.

++ ما جدوى آلاف الجمعيات (التي تلهف الملايير سنويا من المال العام) إن لم نشهد تململا جمعويا للبدء في حشد الشباب والشابات للتطوع؟

ـ في اعتقادي أن المؤسسات التي كانت تعمل في مجال التطوع ، كانت تؤطرها وتحركها قيم إنسانية، أما الآن فمبادرات الدولة في علاقتها مع الجمعيات المحلية التي نبتت كالفطر، تشتغل بمنطقة الغنيمة تحت إمرة "حريفية" العمل الجمعوي ..ويمكن اليوم أن نطل من نافذة واقع حال المخيمات، وهل مازالت تقوم بأدوارها الطلائعية في التأطير بعد أن بلغت حمولتها أكثر من 300 ألف مستفيد.

ما هي القيم التي تمرر الجمعيات اليوم من خلال المخيمات؟ كيف هو مستوى الأطر التي تسهر على تأطير الأطفال واليافعين والشباب وتربيتهم على قيم المواطنة؟ المسألة ليست في الكم، أي عدد الجمعيات ولكن في نوعيتها وجودتها وأهدافها و نوع العمل الذي يستهدف أبناء المغاربة؟ لما كان عدد المنظمات والجمعيات التربوية قليل جدا في المغرب ( على رؤوس الأصابع) كانت النتائج واضحة ومبهرة، وكان المجتمع يسير في اتجاه تحصين قيم التضامن والتعايش والتطوع. فهل سننسى كيف كانت المنظمات الشبابية السياسية والمركزيات النقابية تشتغل باحترافية خلال الصيف في الأوراش التطوعية ومساهماتها في تحفيز الشباب على البدل والعطاء من خلال تطوع الشباب. السؤال لماذا توقف هذا العمل؟ لأن الدولة لم تنظر لذلك بعين الرضا، لهذه الجمعيات والمنظمات والهيئات باعتبارها كانت تنتج الكفاءات وتستغل فرصة الأوراش لتأطير الشباب وتحفيزهم على العمل التطوعي كمفتاح اجتماعي لكسب تعاطف الشعب.