الثلاثاء 17 سبتمبر 2019
كتاب الرأي

أحمد المهداوي: رحيل الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي أبان عن مدى لا إنسانية العقل السلفي

أحمد المهداوي: رحيل الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي أبان عن مدى لا إنسانية العقل السلفي أحمد المهداوي

"لا علاقة لنا لا بالدِّين، ولا بالقرآن، ولا بالآيات القرآنية، نحن نتعامل مع الدُّستور الذي أحكامه آمرة، ونحنُ في دولة مدنية...والقول أنَّ مرجعية تونس هي مرجعية دينية هو خطأ؛ وخطأ فاحش.."

 

هذه الكلمات المقتطفة من خطاب الرئيس التونسي الراحل الباجي قائد السبسي حول موضوع المساواة في الإرث، هذا الموضوع الذي يعاني أنصار الإسلام السياسي تجاهه حساسية مفرطة، كانت كفيلة بإيقاظ جذوة الحقد والغل الذي يحملهما أنصار الإسلام السِّياسي تجاه الرجل الذي وافته المنية صباح يوم الخميس 25 يوليوز 2019، في الساعة العاشرة و25 دقيقة، بالمستشفى العسكري بتونس، وفق ما أعلنت مؤسسة رئاسة الجمهورية.

 

بعد وفاة الباجي قايد السبسي أطلَّ أنصار الإسلام السياسي (السلفي خاصة) من جحورهم، يتقدمهم فكرهم الدَّاعشي  عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التي ضجت بتدويناتهم الشامتة بُعيد ذاك المصاب الجلل.

 

لم يكن الإسلاميون ليستسيغوا فكر الرئيس الراحل، ولا أن يتقبلوا أيديولوجيته السياسية التي هي من وجهة نظرهم (بدعة) و(كفر بواح) لما تمثله لهم العلمانية والديموقراطية في آن واحد.

 

حادث موت الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي أبان عن مدى لا إنسانية العقل السلفي الشامت في مخالفيه، والذي لا يتوانى في إظهار الفرح بما يصيبُ من يخالف نهجه، وليس غريبا مثل هذا الأمر على معتنقي الخطاب السلفي، ولعل الفتاوى المبثوثة في الكتب قديما وحديثا، أو حتى على المواقع الإلكترونية في هذا العصر تبين ذلك جليا، ومن الأمثلة على ذلك نسوق على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:

 

1- ما جاء في (السنة الخلال: 5/121) عن أحمد بن حنبل أنه حين سئل عن الرجل يفرح بما ينزل بأصحاب ابن أبي دؤاد، عليه في ذلك إثم ؟! قال: ومن لا يفرح بهذا ؟!

 

2- ما جاء في (سير أعلام النبلاء: 9/435) عن عبد الرزاق الصنعاني حين قال له سلمة بن شيبة لما أتاهم خبر موت عبد المجيد (بن رواد من رؤوس المرجئة)، قال: الحمد لله الذي أراح أمة محمد من عبد المجيد.

 

3- ما جاء في (مجموع الفتاوى: 20 / 395) عن خبر علي بن أبي طالب حين سجد شكراً لمقتل "المخدَّج" الخارجي لما رآه في القتلى في محاربته له.

قال ابن تيمية: "وقاتل أمير المؤمنين علي بن أبى طالب رضي الله عنه الخوارجَ، وذكر فيهم سنَّة رسول الله المتضمنة لقتالهم ، وفرح بقتلهم ، وسجد لله شكراً لما رأى أباهم مقتولاً وهو ذو الثُّدَيَّة".

 

4- وفي (البداية والنهاية: 12 /338) قال ابن كثير فيمن توفي سنة 568 هـ: الحسن بن صافي بن بزدن التركي، كان من أكابر أمراء بغداد المتحكمين في الدولة، ولكنه كان رافضيّاً خبيثاً متعصباً للروافض، وكانوا في خفارته وجاهه، حتى أراح الله المسلمين منه في هذه السنَة في ذي الحجة منها، ودفن بداره، ثم نقل إلى مقابر قريش، فلله الحمد والمنَّة.

وحين مات فرح أهل السنة بموته فرحاً شديداً، وأظهروا الشكر لله، فلا تجد أحداً منهم إلا يحمد الله.

 

5- ومن ذلك ما ذكر في (لسان الميزان، لابن حجر: 8/402) لما جاء نعي وهب القرشي لعبد الرحمن بن مهدي، قال: الحمد لله الذي أراح المسلمين منه.

 

6- وجاء في (البداية والنهاية: 14/394) جثا الإمام أحمد على ركبتيه ورمق بطرفه إلى السماء ثم قال: سيدي غر حلمك هذا الفاجر حتى يتجبر على أوليائك بالضرب والقتل، اللهم فإن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته. قال: فجاءهم الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل.

قال أحمد: ففرحت بذلك، ثم جاء الخبر بأن المعتصم قد ولي الخلافة.

 

على هذه الشاكلة كان السَّلف الذي يتباهون باتِّباعه في كل شاردة وواردة يشمت، ويفرح بموت مخالفيه، ولأن تقليد السلف من شيم هؤلاء فقد قلَّدوهم في كلِّ شيء حتى في ما ذكر آنفا، وبالعودة إلى العصر الآني تجد المواقع الإلكترونية السلفية تنحى نفس النهج، وتسير على نفس الخطى في الفتاوى الصادرة عمن يشرف عليها، ومثال ذلك موقع الدرر السنية لعلوي بن عبد القادر السقاف؛ الذي نشر تحت عنوان "الموقف الشرعي الصحيح من وفاة أهل الضلال (محمد عابد الجابري، مثالا) ما نصه: "إنَّ المسلم الحق كما يحزن لموت العلماء والدعاة إلى الله، يفرح بهلاك أهل البدع والضلال، خاصة إن كانوا رؤوسا ورموزا ومنظرين"؛ مذيِّلا ذلك بالحديث المذكور في البخاري ومسلم عن محمد نبي الإسلام القائل: (يستريح منه العباد والشجر والدواب).

 

أما الموقع الثاني؛ فهو موقع الإسلام سؤال وجواب والذي يشرف عليه محمد صالح المنجد فقد اجتهد في إظهار ضعف وعدم صحة حديث (اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساوئهم)، ليدافع وينافح في المقابل عن الآراء القائلة بالشماتة والفرح بهلاك المخالف، وفي معرض ما تم نشره من فتوى ونُقول: "الفرح بمهلك أعداء الإسلام، وأهل البدع المغلظة، وأهل المجاهرة بالفجور أمر مشروع، وهو من نعم الله على عباده، وعلى الشجر والدواب، بل إن أهل السنة ليفرحون بمرض أولئك وسجنهم، وما يحل بهم من مصائب".

 

فلا غرو إذا أن يصطف أمثال وجدي غنيم الذي حمد الله لموت السبسي، والحسن بن علي الكتاني الذي ساق في تدوينته مقولة للراحل الطاهر بن عاشور "إذا قال أحدهم: مرجعيتنا الدستور وليس القرآن، فاقرؤوا عليه الدستور إذا مات"، وعمر الحدوشي الذي دعا (أهل التوحيد) على حد تعبيره إلى السجود شكرا لهلاك من وصفه بالكافر المرتد الباجي قائد السبسي، وإياد القنيبي الذي قال عن السبسي فلينفعه الدستور حينئذ إشارة إلى يوم البعث، قلت لا غرو أن يصطف هؤلاء إلى جانب من يسمونهم بالسلف، وأن يتقيدوا بأقوالهم، وأن يسيروا على نهجهم في مثل تلك الحالة من الشماتة والفرح بموت رجل دولة من طينة الباجي قائد السبسي الأخير الذي أسس في 2012 حزب "نداء تونس" الذي فرض نفسه سريعا على الساحة السياسية كأكبر خصم علماني لحركة "النهضة" الإسلامية، والذي منذ تأسيسه دأب قايد السبسي على توجيه انتقادات لاذعة للإسلاميين الذين وصفهم غير ما مرة ب"الرجعيين" و"الظلاميين"، وبأنهم "أكبر خطر على تونس" التي تعتبر من أكثر البلدان العربية انفتاحا على الغرب.

 

وصدق الرئيس الراحل محمد الباجي قايد السبسي حين قال في تصريح صحفي، "نريد دولة متطورة في القرن 21، ويفصلنا 14 قرنا عن هؤلاء الناس يقصد (الإسلاميين).

 

- أحمد المهداوي، باحث في مجال الدراسات الإسلامية