الأحد 16 يونيو 2019
كتاب الرأي

مصطفى المتوكل : الشأن المحلي والشأن السياسي و التنمية....من تضحيات وضرائب النضال استشهاد عمر بنجلون (2)

مصطفى المتوكل : الشأن المحلي والشأن السياسي و التنمية....من تضحيات وضرائب النضال استشهاد عمر بنجلون (2) مصطفى المتوكل

إن الذين يتهافتون على المنابر ويتطفلون على المشهد السياسي ويحاربون القوى الوطنية والتقدمية والإصلاحية ليس من مصلحتهم ولا من يقف وراءهم أن يتعلموا ويتعلم الناس من تاريخ المناضلين والمناضلات وسجل التضحيات عبر تاريخ المغرب ، وكأنهم يريدون إيهام الأجيال الجديدة بأن لا سياسة ولا نضال ولا تضحية ولا عمل ينفع ويفيد في بناء الإنسان والدولة والمستقبل بالشعب ومع الشعب، فيبقى غير المؤهلين سياسيا ومعرفيا ، ومن يبحث عن الريع بكل أنواعه ، ومن يضارب ويستغل هوية المجتمع ومعتقداته لتضليل الوعي فيسعون للتحكم في مفاصل الأحداث ليبثوا ويفعلوا ما يلاءم هواهم ، وليبدلوا الجهد لإسكات وترهيب من لا يسايرهم ، لهذا فالحديث عن تاريخ تطور التشريع والإصلاح السياسي والدستوري والمؤسساتي هو تاريخ للصراع والنضال والتضحية وعمل الشرفاء من داخل المؤسسات وخارجها ..

إن سنة 1959 تحيل على الإطار المرجعي القانوني الأول وتكشف خلفيات وتوجهات سياسة الدولة في علاقة ببنائها للمؤسسات التي تريد ، وطبيعة السلطات ونظام الحكم ، وحقيقة المركزية و اللامركزية ، وحجم " الإصلاحات" المعلن عنها التي تحدث وستحدث ، ومدى قوة تفاعل أجوبتها مع انتظارات الشعب والقوى الوطنية ، وما يجب أن يكون عليه الأمر حتى ندخل عوالم البناء الدستوري والمؤسساتي والتدبيري بالإقدام الرصين والطموح المتلائم ولم لا المنافس للديمقراطيات الحديثة، ونسجل أن إقرار أول ميثاق جماعي في 23 يونيو 1960، والذي وضع اختصاصات محدودة وضعيفة بوجود سلطة قوية مركزية ومحلية تجعل قرارات المؤسسات والجماعات رهينة برأي ووجهة نظر وتصور الوصاية التي قد تصل إلى حد التعارض والتعطيل أو الحلول محلها ..ونشير إلى إحداث أول دستور سنة 1962، والذي مهد لمنهجية تنظيم وتوجه المؤسسات ما بين المركز والأقاليم والجماعات، حيث ينص في الباب الثامن فيما يخص الجماعات على :( ـ الفصل 93 : الجماعات المحلية بالمملكة المغربية هي العمالات والأقاليم والجماعات . ويكون إحداثها بالقانون . ـ الفصل 94 : تنتخب الجماعات المحلية مجالس مكلفة بتدبير شؤونها تدبيرا ديمقراطيا طبق الشروط التي يحددها القانون. ـ الفصل 95 : ينفذ العمال في العمالات والأقاليم مقررات مجالس العمالات ومجالس الأقاليم ، وعلاوة على ذلك ينسقون نشاط الإدارات ويسهرون على تطبيق القوانين ). وننتقل إلى آخر دستور عرفه المغرب والمعتمد سنة 2011 .والذي يخصص الباب التاسع للجهات والجماعات الترابية الأخرى من خلال الفصول من ( الفصل 135 إلى الفصل 146 )

و سنقف في المشهد السياسي التاريخي ما بين دستور 1962 ودستور 2011 على دخول المغرب مرحلة مشاركة الأحزاب الوطنية و العمل بالمؤسسات المختلفة من أجل التغيير ، ومعارضة الجمود والإنتظارية ، ومناهضة عمليات التراجع عن البناء الديمقراطي ، حيث ظهرت أحزاب أسست لبلقنة المشهد السياسي ولمواجهة الأحزاب الوطنية وعلى رأسها الإتحاد الوطني للقوات الشعبية / الإتحاد الاشتراكي، كما تمت مقاطعة الانتخابات الجماعية 1969 والتشريعية 1970 لأنها في حكم المنصبة والمعينة، و غلب على هذه الحقبة الاحتقان والمواجهات ، وحملات اعتقال واختفاء ، ومحاكمات ولجوء سياسي ، ثم كانت حالة الاستثناء التي امتدت من أواسط الستينات إلى قبيل الإعلان عن المسيرة الخضراء .. ، وسجلت في أوائل الستينات وأواسطها أكبر حملة اعتقال طالت قيادات وقواعد الإتحاد التي وصلت إلى 5000 معتقل ، والمحاكمات التي وصل بعضها إلى الإعدام في حق عمر بنجلون والفقيه البصري ، وعرف المغرب أيضا انتفاضة التلاميذ والطلبة في مارس 1965 .ثم اختطاف الشهيد المهدي بنبركة ، وتوقيف صحافة الإتحاد ، والتضييق الكبير على عمله ونشاطه ، ثم أعلنت حالة الاستثناء في نفس السنة ..

وبعد المؤامرات والأحداث التي عرفها المغرب أوائل السبيعينات داخليا وخارجيا بما فيها التطاول على الوحدة الترابية من طرف عدة دول ولوبيات تسعى لإضعاف دول شمال إفريقيا وعرقلة أي تقارب وتعاون وتكامل بينها لفائدة شعوبها ومكانتها بخلق بؤرة للتوتر والابتزاز تستهدف استقرار وتنمية الجميع، فعمل الإتحاد رغم القمع والمنع الذي طال مؤسساته وأنشطته ومبادراته إلى الدفاع عن القضية الوطنية والوحدة الترابية أمام المنظمات والمحافل الدولية .. كما عمل مع حلفائه من أجل تجاوز حالة الاختناق السياسي وصراع الدولة مع أهم الأحزاب الوطنية وتقزيم أدوار المسفيدين من الصراع .. فقام كل من عبد الرحيم بوعبيد زعيم الإتحاد وعلال الفاسي زعيم الاستقلال رحمهما الله على اعتبار ان "المغرب يتجه نحو نفق مسدود" بالتوجه نحو تأسيس الكتلة الوطنية في27 يوليوز 1970 ، التي سيكون من مهامها القيام بالتعبئة والتأطير لتقوم القوى الحية والشعب بالنضال المشترك من أجل إنقاذ الوطن، وبالقيام بالإصلاحات الضرورية ،وإيقاف التردي الذي يشهده المجال الإقتصادي والإجتماعي والحقوقي ، والعمل على فتح قنوات وباب الحوار مع الملك الراحل الحسن الثاني ، وهنا نذكر بلقاء بين عبد الرحيم بوعبيد والملك الراحل الحسن الثاني سنة 1974 يهم أساسا الدفاع عن القضية الوطنية ..

وفي سياق التحولات السياسية والتحرك التنظيمي للخروج من ظرفية الاستثناء والجمود نظم الإتحاد الاشتراكي مؤتمره الاستثنائي 10و11 يناير1975 . الذي تبنى استراتيجية النضال الديمقراطي ، وبنى خطه الإستراتيجي على المبادئ الثلاث : التحرير * الديمقراطية * الاشتراكية ..، وسيشهد المغرب بعد ذلك الدعوة للمسيرة الخضراء 06 نونبر 1975 ، وفي خضم هذه التعبئة والانخراط القوي في العمل الميداني مع الجماهير الشعبية من عمال وفلاحين وطلبة ، نفذت عملية اغتيال الشهيد عمر بنجلون في 18 دجنبر 1975 من طرف ظلاميين محسوبين على الشبيبة الإسلامية والذين لم تكشف بعد تفاصيل ذاث صلة بالجهة التي كانت وراءهم للقيام بعملية بشعة وجريمة نكراء تسعى لضرب العمل الديمقراطي ، وتطلق حملة للتشكيك في وطنية وهوية حزب الإتحاد ،في إطار محاربته ميدانيا لإسكاته وإخضاعه وترهيبه ، كما تعرضت الطبقة العاملة وخاصة بالكونفدرالية الديمقراطية للشغل التي يؤطرها وطنيا وجهويا وإقليميا ومحليا المناضلون والمناضلات وبصفة خاصة في إضراب الشغيلة التعليمية والصحية في أبريل 1979حيث طرد الآلاف من وظائفهم واعتقل آخرون ، وتعرضت قيادة الكونفدرالية وقيادات اتحادية على الصعيد الوطني لموجة قمعية واعتقالات ومحاكمات إثر الإضراب العام احتجاجا على الغلاء وللمطالبة بتحسين أوضاع الشغيلة وذلك في يونيو 1981. ولتعتقل قيادة الإتحاد الاشتراكي وعلى رأسهم الزعيم الوطني والكاتب الأول عبد الرحيم بوعبيد بسبب موقف الحزب المتميز والرافض لإجراء الاستفتاء بالصحراء على النقيض من الموقف الرسمي ، إضافة إلى محطات نضالية كبيرة ومهمة سنة 1984 و1990 و1992.

وفي سياق الحراك النضالي الذي امتد لعقود لابد أن نشير إلى الربيع الديمقراطي الذي عرفه المغرب والذي عجل بإصلاح سياسي ودستوري وقانوني سنة 2011، وخلق دينامية إصلاحية همت إصدار التشريعات المكملة له استهلكت أكثر من خمس سنوات ، وتسبب في نفس الوقت بعد تغير في المشهد السياسي إلى تراجعات وانكسارات مست بمكتسبات نضالات عقود ماضية ، ورهنت الحاضر ، وسترهن المستقبل بسياسات مالية أجهزت على قدرات الطبقة الوسطى والصغيرة والكادحة ..

إن إشاراتنا لبعض المعطيات المرتبطة بتلك المراحل من تاريخ المغرب ضرورية للتذكير بأن تاريخ النضال والعمل والإصلاح السياسي والدستوري والذي هم المؤسسات المنتخبة الوطنية التشريعية والترابية الجهوية والإقليمية والمحلية وما يتبعه من إصلاح إداري وتنظيمي يهم قوانين الشأن المحلي والتي كان آخرها القوانين التنظيمية مرتبط بتاريخ تضحيات القوى الحية الوطنية بما فيها بعض فصائل اليسار بالقطاع الطلابي منذ ما بعد استقلال المغرب ، وأحيانا بالقيام بأدوار مهمة بين الأحزاب الوطنية حزب الإتحاد و الاستقلال، ثم منظمة العمل والإتحاد الوطني وحزب التقدم والاشتراكية ..

إن الطريق نحو بناء دولة الحق والقانون والمؤسسات الترابية وإنجاز الخطوات المؤدية للتقدم والازدهار لا يأتي بالصدفة ، ولا يتحقق بالتضليل والوهم والأحلام الزائفة، ولا تتبلور نتائجه المنتظرة بسياسات تناقض مبادئ العدالة وقواعد الديمقراطية وآليات النزاهة والشفافية والتحكم ، والانجراف مع منافع ريعية تستغل المسؤوليات للأهواء والمآرب الشخصية ولصناعة الولاءات التي تقدم على المصلحة العامة وعلى قضايا واهتمامات المواطنين والمواطنات ..

إن الوضع السياسي والحزبي في علاقة بالشأن المحلي ومستوى تثمين واستثمار الإصلاحات القانونية والتنظيمية مع تقييمها وتقويمها وتدارك نقائصها ومعيقاتها أفرز بعض النخب بالمؤسسات المنتخبة التي لم تستوعب دقة المرحلة التي نمر بها في علاقة باستمرارية المرفق العمومي ، وفي ارتباط بتقوية منسوب الثقة عند الشعب في المؤسسات المنتخبة والعمليات السياسية التي تبني بين الدولة والقوى الوطنية من اجل غد أفضل ، وأفرز غموضا وتناقضا بين المبادئ والبرامج وطرق تدبير غير معقلنة ، وواقع الحال الذي لا يرضى عنه ويطمئن له الشعب ..