الأحد 26 مايو 2019
مجتمع

أمحمد بلقاضي "أسد أحمر" حامل مشعل الطريقة الناصرية وسليل أشياخ مدرسة الأمراء بالشماعية

أمحمد بلقاضي "أسد أحمر" حامل مشعل الطريقة الناصرية وسليل أشياخ مدرسة الأمراء بالشماعية على صهوة الجواد العلام امحمد بلقاضي، و والده العلام أحمد بلقاضي

يرمز اسم "بلقاضي" إلى زخم كبير من تاريخ الفروسية التقليدية، و فن التبوريدة الحمرية، و يحيلك هذا الاسم المتجدر في أعماق جغرافيا تربة أحمر، مباشرة على أقدم "علام الخيل"، والذي كان يتردد اسمه بقوة بين تلال وهضاب نجد الكنتور، والسبيعات، والحوز.... إنه المقدم السي عباس بلقاضي، والد العلام السي أحمد بلقاضي، وجد العلام امحمد بلقاضي....عن هذا الرجل الصنديد تروي الحكايات المتداولة في المجال الترابي لجماعة السبيعات بقبيلة أحمر، أنه كان علام /قائد كتيبة فرسان البارود تتكون من أكثر من 40 فارس يتوزعون في انتمائهم بين أغلب دواوير منطقة السبيعات، التابعة اليوم لنفوذ تراب عمالة إقليم اليوسفية، وتحكي الرواية الشفاهية أن كلمة العلام السي عباس بلقاضي كانت مسموعة في المنطقة، ومزلزلة وسط جيل فرسانه الأشاوس وسط محارك فن التبوريدة.

لم يمهل القدر العلام السي عباس بلقاضي، فاختطفته المنون خلال سنة 1954 ، بعدما سلم مشعل "تمقدميت" لابنه الفارس السي أحمد بلقاضي الذي تتلمذ، وتمرس واحتك بجانب أبيه، رفقة ألمع الفرسان الحمريين، وأحدقهم ركوبا على صهوة الخيل، واتقنهم حركات اللعب بالطريقة الناصرية التي يتباهى بها فرسان قبيلة أحمر، التي تحتضن أرضهم معالم مدرسة الأمراء لتعليم الرماية وركوب الخيل.

يذكر ناس القبيلة عشاق الخيل والبارود، أن كتيبة فرسان وخيول " بلقضاي" لم يكونوا يقتصرون على ممارسة هواية فن التبوريدة بالمواسم التي يحجون اليها فقط، مثل ( سيدي أحمد مول الواد / سيدي أحمد مول الشهبة / زيارة ضريح العالم الموسوعي الحاج التهامي لوبيري/ مولاي عبد الله أمغار...الخ ) بل كانت فرقة فرسانهم تشارك بعشق في طقوس الفرح وسط عائلات القبيلة والدوار، وتتقاسم احتفالات أعراس الختان والزواج مع العائلات خلال فصل الصيف بعد موسم الحصاد، وترسم أحسن اللوحات الفنية في محارك أرض السبيعات خاصة وأحمر عامة، مستحضرة تاريخ أمهر شيوخ الرماة الذين علموا كل الوافدين على مدرسة الأمراء طريقة الركوب واللعب بالطريقة الناصرية، لذلك فأول ما يخطط له في إعداد العرس بقبيلة أحمر، هو استضافة خيول وفرسان كتيبة العلام " بلقاضي" ومنحهم المكانة الدالة على شجاعة فرسانهم وخيولهم التي تغنت بها مرددات الغناء النسائي/ الماية.

تمضي اللحظات الجميلة مسرعة، تاركة ورائها الأثر الجميل، المخضب بعبق التاريخ الممزوج برائحة البارود ونقع غبار سنابك الخيل، وتترك سجل الانجازات مفتوحا بين دفتي كتاب فن التبوريدة الحمرية، ويستمر الحكي في حضرة سربة العلام السي أحمد بلقاضي وارث سر فنون الطريقة الناصرية، التي ترسخت حركاتها وطقوسها في ذهن كل الفرسان المنخرطين في كتيبة الأب بلقاضي ، حيث يتم دائما استحضار قوة وصلابة " السي عباس" كقدوة ونموذج في التعاطي مع فن التبوريدة. ألم تتغنى مجموعة مسناوة منشدة بالقول: ( التراب الحمري بغا يزعزعني

في كتيبة السي أحمد بلقاضي ابن العلام السي عباس بلقاضي، يسود العدل وتتساوى الشخصيات، فلا هوادة ولا تنازل عن القيم الأخلاقية، ولا تفريط في احترام عادات وتقاليد الأجداد... وسط خيمة فرسان السبيعات لا مجال للخطأ، أو خداع  لمقدم  أو التحايل على شخصه... بين الفرسان وفي حضرة القائد يسود الحب والمعاملة الحسنة، وتبادل الخبرات وممارسة النقد والنقد الذاتي لتجاوز أخطاء الركوب والرماية، والانضباط للتوجيهات، وتنفيذ القرارات.

الاستعداد للركوب وتقديم عروض التبوريدة في جميع التظاهرات والمواسم والمهرجانات ، تتخلله طقوس وعادات تشرئب لها الأعناق، وتقشعر لها الأبدان، كل القلوب المؤمنة بصرامة القائد وطيبوبته، تنغمس في أداء مهامها دون تلكؤ، فهناك من يسهر على تسريج وتسنيح الخيول بعد تنظيفها، وآخرون منهمكين في تقديم العون للفرسان للتزين بأبهى جلاليب وبرانس الحرير البيضاء والعمائم، والتسلح بالسيوف والخناجر ودلائل الخيرات، وفي زاوية بعيدة عن خيمة القائد/ العلام هناك من كلف يتنقية وصيانة لمكاحل، وأخر أنيطت به مهمة حشو البنادق بمادة البارود وفق توجيه العلام، وتوزيعها على الفرسان في ساعة الصفر.

لقد كانت طلقات بارود كتيبة لمقدم السي أحمد  بلقاضي أطال الله في عمره، في مجموعة من المواسم ذات الصيط الكبير، تخلق السعادة وسط حشود الجماهير المصطفة تحت أشعة الشمس، ويتفاعل مع قوة صداها عشاق التبوريدة المغربية، فيردون عليها بأحلى تحية مشفوعة بالزغاريد، والصياح والتصفيقات والهتافات، ورمي العمائم في عنان السماء... لكن ردود فعل لمقدم كانت تتجاوز كل مقاييس الفرح والتألق، لتهدي للناس أرقى تعبير العشق رميا بالمكسرات والحلويات كعروب محبة متبادلة ...نعم لقد كان السي أحمد بلقاضي يرمي الجمهور باللوز والكركاع والتمر وفانيد المكانة....كلما تفنن في توحيد طلقات بارود الفرح ( علام الخايل ساعفوه)

شاءت الأقدار ذات موسم بمدينة اليوسفية أن يصاب لمقدم السي أحمد بلقاضي بطلقة بارود على مستوى اليد، وبترت أصابعه بعد انفجار المكحلة، وكانت الإصابة بليغة جدا، فقرر التمرد  والاعتزال ، والفطام عن ممارسة فن التبوريدة، وعامل نفسه كطفل منع عنه حليب ثدي أمه، وبمرارة العاشق نفذ قراره بحرقة، لكنه ظل وفيا للعادات والطقوس والتقاليد الجميلة، ولم يستسلم كليا لقراره، فعاد من بوابة الحكيم والمتتبع والناصح والقدوة، لسربة ابنه  لمقدم السي امحمد بلقاضي الذي حفر اسمه واسم سربة فرسان السبيعات عبر مسار حافل تسلم فيه مشعل القيادة من العلام السي أحمد بلقاضي.

لمقدم السي امحمد بلقاضي بن أحمد بن عباس، صاحب القلب الكبير، شخصية طيبة، ومتزنة، وارث سر التبوريدة الحمرية، تشع من عينيه كل قيم الإنسانية والأخلاق الرفيعة، رجل متشبع بثقافة الفروسية التقليدية ، ومتمكن من اللعب بالطريقة الناصرية، يحمل في جيناته رائحة البارود والحبة ووقع سنابك الخيل، يتفاعل حسه التلقائي مع صهيل الخيول، وطلقات البارود، يحسن ضبط فرسانه بصرامة القائد المسؤول بمجرد التلميح والإشارة والكلام المشفر.

خيمة امحمد بلقاضي المتواضعة، مفتوحة على مصراعيها في وجه الزوار من عشاق فن التبوريدة، حيث تستقبلهم موسيقى صوت الرابوز وأزيز المكراج على نار المجمر، و صينية الشاي تتربع بحشمة ووقار محتضنة كؤوس حياتي بالترحاب والكرم والجود، ووسط الخيمة تتوزع خصال شخصية الرجل بين مسؤولية خدمة الضيوف والفرسان وعائلاتهم و أفراد أسرهم باحترام وتقدير، فلا يرتاح له بال إلا بعد الحسم في إعداد وجبات الأكل بغرفة الطبخ المجاورة للخيمة، و السهر على توزيع عطفه ورعايته على الجميع، لذلك تجده آخر من يجلس لاحتساء الشاي، أو تناول وجبة الغذاء، لأن شرف الخيمة مرآة تعكس تواضع القائد/ العلام وكرمه وجوده أمام ضيوفه وفرسانه، لأنه يعتبر نفسه خادمهم الأول.

لكن طباع شخصية لمقدم امحمد بلقاضي وسط المحرك، فوق صهوة الحصان، تمتاز  بالصرامة، فهي طباع شخصية القائد الناجح، الموجه، المنتقد، المشير و الملمح، و الباعت بالرسائل المشفرة دون إثارة انتباه المتفرج، شغله الشاغل الاستحواذ على عقول الناس وابهارهم بحركاته وصيحته القوية مثل زئير الأسد، وجودة اللباس التقليدي ورونق خيوله وجمالية فرسانه.

مع العد العكسي، وبعد تدارس ومناقشة قرارته ومنهجيته الميدانية بين الفرسان، ويتم و ضع خطة اللعب للتميز بين سربات الخيل، وإسداء النصائح لبعض الفرسان، تجهز الخيول الجامحة التي تنتظر انطلاقة ساعة الصفر، ويقرأ ما تيسر من الذكر الحكيم بشكل جماعي وسط الخيمة، وترفع أكف الضراعة لحفظ الفرسان والخيول من كل مكروه، ويتبادل جنود الكتيبة السلام والتحية فيما بينهم، ويقبلون رأس العلام السي أحمد بلقاضي وقائدهم امحمد بلقاضي، ( الله يحفظكم ولادي). يمتطي الجميع صهوات الخيول،  ويصطفون مثل المحاربين المجاهدين المدافعين عن الأرض والعرض، فتنطلق زغاريد النساء وصيحات الرجال وهتافات الشباب، فرحا بلوحة تشكيلية تحيلنا على أولاد الوطن.

المقدم امحمد بلقاضي، الملقب بأسد أحمر، أضحى معادلة قوية لتقديم عروض التبوريدة بالطريقة الناصرية في مختلف المهرجانات والمواسم، فارس من فرسان أحمر المحافظين على طقوس وعادات وتقاليد التبوريدة الحمرية كما ورثها عن أجداده ووالده، تستقبله محارك موسم مولاي عبد الله و مهرجان أصيل بالمهارزة، وبالوما، ومديونة وغيرها .... بعشق كبير. لأن الرجل يؤمن بتراث الفروسية التقليدية كرافعة للحفاظ على أواصر المحبة بين الناس، وحامل لقيم الموروث الثقافي الشعبي وتراثنا المادي واللامادي، ويحاول جاهدا أن يساهم في بناء صرحه الكوني والإنساني.

ملاحظة لها علاقة بما سبق: قلوبنا مع سربة لمقدم السي امحمد بلقاضي التي تستحق العبور لمنافسات جائزة الحسن الثاني بدار السلام، وأملنا أن تحصل على مرتبة مشرفة في منافسات ما بين الجهات التي ستقام يومي السبت 20 والأحد 21 أبريل الجاري بمدينة مراكش بتامنصورت، وتخلد اسمها في سجل فن التبوريدة المغربية، لأنها فعلا تمثل تاريخ أهرام شيوخ أحمر في تعليم الرماية وركوب الخيل.