الأحد 20 يناير 2019
خارج الحدود

يوسف لهلالي: الحكومة الفرنسية تختار التصعيد في مواجهة "السترات الصفراء"

يوسف لهلالي: الحكومة الفرنسية تختار التصعيد في مواجهة "السترات الصفراء" مشهد من تظاهرة أصحاب السترات الصفراء مع صورة رئيس الحكومة الفرنسية إدوارد فيليب

اختارت الحكومة الفرنسية التصعيد في مواجهة احتجاجات السترات الصفراء، فقد توعد رئيس الحكومة، إدوارد فيليب، في لقاء مع "القناة الأولى" الفرنسية، مساء يوم الاثنين 7 يناير 2019 "على تشديد العقوبات على الاحتجاجات الغير المرخص بها"، وذلك في محاولة منه للحد من الاحتجاجات التي تعرفها بلاده. فرغم التنازلات التي قدمتها حكومته على المستوى الاجتماعي، مازالت الاحتجاجات مستمرة، وشابتها العديد من عمليات العنف بين الشرطة والمتظاهرين، سواء بباريس أو العديد من المدن الفرنسية. وقال رئيس الحكومة إنه يريد "الحفاظ على حق التظاهر في فرنسا، لكن علينا معاقبة من ينتهك القانون". وذهب إدوارد فيليب أكثر من ذلك، وهدد السترات الصفراء بإطلاق قانون جديد "لتشديد العقوبات على التظاهرات غير المرخص لها".

ورغم تراجع قوة احتجاجات السترات الصفراء أثناء احتفالات نهاية السنة، وتجاوب الحكومة الفرنسية مع عدد كبير من مطالبها، بل إن هذه الحركة حققت من المكاسب الاجتماعية، في أقل من شهر، ما لم تحققه أية حركة احتجاجية نقابية منظمة في ظل الجمهورية الخامسة.

لكن هذا التراجع في الحركة الاحتجاجية يبدو أنه كان مؤقتا، فقد عادت حركة السترات الصفراء إلى التظاهر في السبت الثامن على التوالي، يوم 5 من يناير 2019، وتخللت هذه الاحتجاجات العديد من أحداث العنف، سواء بالعاصمة باريس أو بعدد من المدن الفرنسية الأخرى. طبعا هناك العديد من الأسئلة تطرح حول مستقبل هذه الحركة وتوجهها واستمراريتها في الزمن، كما أن عددا من الأسئلة تطرح حول توجهها، هل تتحول إلى حركة سياسية؟ وهل تشارك في الانتخابات الأوروبية، أم أنها سوف تستمر بالشكل الذي تسير عليه اليوم، وهو عدم الانتماء السياسي والاعتماد على الشبكات الاجتماعية في التنظيم والتجمع؟

استمرار هذه الحركة الاحتجاجية تشكل تحديا بالنسبة للرئيس إيمانييل ماكرون وحكومته، فرغم التجاوب الاجتماعي معها فإن الحركة مستمرة، وسجلت ارتفاعا في السبت الثامن من الاحتجاج، وعرفت هي الأخرى أعمال عنف متعددة بين الشرطة والمتظاهرين، وتم إحراق سيارات ودراجات بالعاصمة. كما تم تكسير باب وزارة الناطق الرسمي باسم الحكومة، بنجمان جريفو، من طرف العديد من المتظاهرين، باستعمالهم لأحد آليات الأوراش. مما أجبر كاتب الدولة، الذي كان موجودا بمكتبه، بمغادرة الوزارة عبر الباب الخلفي. وهو ما جعل الرئيس إيمانييل ماكرون عبر تغريدة يدين تصاعد أعمال العنف ضد الجمهورية ورموزها. وأضاف أن العدالة سوف تقوم بعملها.

وقد خرج للتظاهر 50 ألف متظاهر عبر التراب الفرنسي، حسب أرقام الشرطة الفرنسية، من بينهم 3600 بباريس، وهو رقم يبقى بعيدا عن 282 ألف متظاهر التي سجلت في 17 نوفمبر الماضي. لكن رقم السبت الماضي مهم مقارنة مع الأسابيع الأخيرة التي لم يعد عدد المتظاهرين فيها يتجاوز 30 ألف فقط.

هذه الأرقام بينت أنه رغم التراجع، فإن الحركة استرجعت أنفاسها من جديد وأنها يمكن أن تتطور في أفق الانتخابات الأوروبية، رغم دعوة الحكومة إلى فتح نقاش وطني وتسجيل المطالب بمختلف البلديات الفرنسية. وهو نقاش من المنتظر أن ينطلق في منتصف هذا الشهر، وتم تعيين شنطال جوانو، وزيرة سابقة في حكومة ساركوزي، رئيسة لجنة النقاش العمومي الذي سوف تشهده فرنسا في إطار التجاوب مع مطالب الحركة.

أعمال العنف التي شهدتها فرنسا يوم السبت الماضي، أدانتها كل الأحزاب، باستثناء رابطة اليمين المتطرف لمارين لوبين وفرنسا الأبية لجون ليك ميلونشون المحسوبة على اليسار المتطرف. لكن رغم ذلك، فإن بعض الأصوات ترى أن الحكومة أمام العنف الذي تعرفه المظاهرات لم يعد له أي جواب آخر على ذلك سوى العنف والمقاربة الأمنية. بل إن بعض مكونات المعارضة يتهمون الحكومة بصب الزيت على النار، وذلك في إشارة إلى خطاب الرئيس بمناسبة أعياد نهاية السنة، الذي تحدث فيه عن "الجمهور الحاقد"، وذلك في إشارة الى السترات الصفراء. كما أن هناك من يعاتب الحكومة على أحكامها المعممة على هذه الحركة وتعاملها مع الجميع بنفس المنطق. خاصة أن الحكومة قررت في  15 من يناير 2019، وهو تاريخ بداية "النقاش الوطني الكبير" التجاوب مع مطالب هذه الحركة، بالإضافة إلى الإجراءات الاجتماعية التي اتخذتها من أجل الرفع من القدرة الشرائية من خلال الرفع من الأجر الأدنى وتجميد الضرائب على المحروقات.

يبقى هذا النقاش الذي سيبدأ الأسبوع المقبل فرصة الحكومة في إخراج البلاد من الاحتقان والأزمة الاجتماعية، وكذلك للخروج من العنف بين الشرطة والمتظاهرين، من أجل الحوار حول ما يمكن القيام به من أجل إيجاد حلول لمختلف المشاكل التي تعرفها فرنسا.

فهل ستنجح الحكومة الفرنسية في هذا المسعى، أم أن العنف واستمرار التظاهر هو الذي سيطغى على هذا المسار، خاصة أن الأوضاع الاقتصادية بفرنسا والتراجع الكبير للبورصة، هي عوامل لن تساعد الحكومة على خلق أجواء إيجابية والخروج من أجواء الاحتجاجات والتظاهر والعنف التي حطمت كل الأرقام التي لم تشهدها فرنسا في السابق.

الحكومة الفرنسية اختارت من خلال خطاب الوزير الأول، إدوارد فيليب، تغليب المقاربة الأمنية في التعامل مع الاحتجاجات التي تعرفها البلاد، وطالبت قواتها بالصرامة مع المحتجين، وعدم التهاون مع كل من يتظاهر بدون ترخيص. بل إن إدوارد فيليب قال إنه سيصدر قانونا جديدا لتشديد العقاب على التظاهرات غير المرخصة. وهي كلها إجراءات تصعيدية، والجميع ينتظر كيف سيكون رد فعل السترات الصفراء حول هذا التصعيد من طرف الحكومة. وهل هذه القبضة الحديدية ستقضي بشكل نهائي على هذه الحركة الاحتجاجية، أم أن تصعيد العنف بين الجانبين، هو الذي سيطغى على التظاهرات المقبلة.