الثلاثاء 18 ديسمبر 2018
كتاب الرأي

عبد اللطيف جبرو:مات كريم العمراني قبيل بلوغ المائة سنة

عبد اللطيف جبرو:مات كريم العمراني قبيل بلوغ المائة سنة عبد اللطيف جبرو
في فجر يوم الخميس 20 شتنبر 2018، التحق بالرفيق الأعلى الوزير الأول السابق محمد كريم العمراني، وهو من مواليد مدينة فاس عام 1919.
اهتم الفقيد وهو في عنفوان شبابه بعالم المال والأعمال، سواء في الميدان التجاري، أو في الفلاحة، ويعود إليه الفضل في استقدام فاكهة برتقال الكليمانتين إلى المغرب‪.
والحكاية تبدأ بزيارته لحديقة التجارب بمدينة الرباط، يوم قدم له المزارع الفرنسي المشرف على الحديقة منتوجا كان مجهولا في المغرب، عندها حمل كريم الراحل كريم العمراني معه إلى مدينة فاس «نقلة» من تلك الشجرة، التي سيجربها في مزرعة المرنيسي، فأعطت ما يكفي من حبات البرتقال الصغير.
وعلم رحمه الله بأن أغراسا من هذه الفاكهة يمكن استقدامها من مزرعة بوهران الجزائرية، وهي ضيعة كبيرة كان يشرف عليها راهب اسمه الأب كليمونت.
وهكذا بعد الحرب العالمية الثانية بدأ المغاربة يتعرفون على فاكهة الكليمانتين، والفضل يعود إلى المرحوم محمد كريم العمراني.
في فجر الاستقلال لم يكن لجل المغاربة دراية بالشؤون الاقتصادية، بينما كان كريم العمراني من القلائل الذين راكموا تجارب ميدانية في عالم المال والأعمال. ولهذا اختاره الفقيد عبد الرحيم بوعبيد ليكون من مساعديه الأقربين في وزارة الشؤون الاقتصادية والمالية.
وفي نفس الوقت كانت لكريم العمراني ارتباطات قوية بالشهيد المهدي بن بركة إلى درجة أن من سيصبح سنة 1971 وزيرا أولا‪ كان في صيف 1957 إلى جانب السي المهدي ضمن الذين تطوعوا لبناء طريق الوحدة‪.
بعد الاستقلال كان المغرب يواجه بعض المشاكل مع مجموعة من الفرنسيين الذين كانوا يشرفون على المكتب الشريف للفوسفاط. آنذاك عهد عبد الرحيم بوعبيد إلى كريم العمراني بمهمة إعادة الأمور إلى نصابها في قطاع الفوسفاط، وهي مهمة ستتطور بتعيين العمراني مديرا عاما على مكتب الفوسفاط.
استمر الحال هكذا إلى صيف 1960، حيث حل أوفقير محل الغزاوي على رأس الأمن، بينما حل الغزاوي بالفوسفاط محل العمراني، كان ذلك إجراء في إبعاد مساعدي بوعبيد عن المواقع المالية والاقتصادية للدولة‪.
بعد شهور قبل نهاية 1960، كان كريم العمراني ضمن الاتحاديين الذين نجحوا بأغلبية ساحقة في إعادة انتخابات أعضاء الغرفة التجارية والصناعية بالدارالبيضاء.
لكن كريم العمراني سرعان ما عاد إلى أشغاله في عالم المال والأعمال، وهي مهام أخذت الكثير من وقته.
ذات يوم، وربما في شهر فبراير من سنة 1966، التقيت بكريم العمراني في الرباط بمكتب الصرف، فوجدته مرتاحا لسماعه في ذلك اليوم خبر عن الجنرال دوغول الذي اتخذ قرارا صارما ضد الذين اختطفوا المهدي بن بركة. وكان كريم العمراني ذلك اليوم يخامره أمل في أن يتم في مكان ما العثور على المهدي بن بركة حيا.
بعد عامين أو ثلاثة سيطلب من المرحوم كريم العمراني بأن يتولى من جديد الإدارة العامة للمكتب الشريف للفوسفاط، لأن الثروة الوطنية الأولى كانت محتاجة إلى رجل من قامة كريم العمراني ليعرف كيف يدبر ويسير مكتبها الشريف.
عاد كريم العمراني ليحتل مهام كبيرة في الدولة، وسيطلب منه في ربيع 1971 بأن يتولى وزارة الاقتصاد والمالية، مع احتفاظه بإدارة الفوسفاط. آنذاك زار المغرب الوزير الفرنسي فاليري جسكاد دستان وكان مكلفا بالمالية والاقتصاد، وسمع المغاربة وهم يشاهدون على الشاشة الصغيرة الوزير الفرنسي يخاطب الوزير المغربي بقوله: «أنا لست في مستواك لأنك قبل أن تتولى منصبك في الدولة، راكمت تجارب ميدانية عديدة في عالم المال والأعمال».
ولم تمض شهور حتى انفجرت أحداث 10 يوليوز في الصخيرات، وفي الشهر الموالي تولى محمد كريم العمراني الوزارة الأولى في الحكومة التي تأسست في أعقاب أحداث الصخيرات، وظل رحمه الله في منصبه مديرا عاما للمكتب الشريف للفوسفاط، وتولى في نفس الوقت عدة مرات الوزارة الأولى.
ومحمد كريم العمراني هو صاحب فكرة إقامة سد ضخم في ضواحي فاس على نهر سبو، وحكى لي رحمه الله أن فكرة بناء ذلك السد جاءته في لحظة كان فيها يحلق بالطائرة في ضواحي فاس أثناء فيضانات عرفتها ضفاف نهر سبو.
هكذا استمر محمد كريم العمراني محافظا على حيويته ونشاطه إلى أن تدهورت أحواله الصحية في الأعوام الأخيرة.
رحم الله محمد كريم العمراني والعزاء لأفراد أسرته وأصدقائه وأحبابه.