الأحد 23 سبتمبر 2018
سياسة

الفارح: المؤسسة العسكرية عودة إلى الواجهة أو الفراغ السياسي يملأه العسكري

الفارح: المؤسسة العسكرية عودة إلى الواجهة أو الفراغ السياسي يملأه العسكري أبو أيمن الفارح
قضية التجنيد العسكري الإجباري قد تكون بمثابة الشجرة التي تخفي الغابة. تطرح في ظروف خاصة جدا، يعبر عنها بكل صدق وأمانة تقديم مشروع القانون من خلال توضيح الأهداف "... أن تساهم في ترسيخ وتكريس قيم المواطنة وتعزيز روح التضحية والاستعداد الدائم للدفاع عن حوزة الوطن ووحدته الترابية " .
الدولة تعبر عن عجزها في تأطير المواطنين وكسب ثقتهم وترسيخ إيمانهم بالوطن وضمان ولاءهم له ومن خلالهم للنظام السياسي .
كل الوصفات والإجراءات التي أعدت لهذا الغرض من خلال تفريخ أزيد من 35 حزبا سياسيا وآلاف جمعيات الريع والصناديق السياسية والمؤسسات التابعة للحكومة والأخرى المستقلة عنها وحتى بعض الأطراف والمهيآت الأجنبية في إطار التضامن والمصالح المشتركة المختلفة ، فشلت في تطويق أزمة فقد الثقة التي ترخي بظلالها على البلاد وبدأت تؤرق بشكل جدي وتطرح علامات استفهام كبيرة بخصوص المستقبل والنموذج التنموي الصالح لبلد له خصوصياته التاريخية والجغرافية والعقائدية وله موارده وثرواته التي يتم الاجتهاد في التعتيم عليها وطمسها بدل الاجتهاد في إبداع طرق ووسائل استغلالها وتوظيفها بما ينعطس إيجابا على مستوى عيش المواطنين وعلى التنمية والتقدم بشكل عام .
يحظى الجيش بثقة شرائح واسعة من الشعب ، ترى فيه مؤسسة مهيكلة ومنظمة يشكل جيد ومدرسة في الوطنية والجدية في العمل . وبحكم المسافة التي تفصلها عن تسيير الشأن العام وحيادها ، لم يثبت تورطها في قضايا فساد كبيرة ، اللهم بعض السلوكات الفردية المعزولة في البيت الداخلي وتتم معالجتها واتخاذ ما يلزم من إجراءات وعقوبات بشأنها في صمت وسرية ، بحيث لا يتسرب منها إلى العلن إلا النذر القليل. هذه المعطيات والأوضاع تجعلها في موقع قوي وذات مصداقية من أجل المساهمة في حماية البلاد من الانزلاق إلى مستويات مقلقة عامة.
يظهر النقاش الدائر اليوم بخصوص التجنيد الإجباري والمؤسسة العسكرية مدى احترام الشعب لهذه المؤسسة وثقته في قدرتها على لعب دور مهم في تكريس قيم المواطنة وروح التضحية في المواطنين وفي الشباب على وجه الخصوص في ظل عجز الفرقاء السياسيين عن القيام بهذا الدور التأطيري الذي أناطه المشرع بالأحزاب والجمعيات والهيآت المدنية المختلفة والتي تتقاضى لأجله أموالا طائلة تستنزف خزائن الدولة.
القضية في جوهرها أزمة ثقة تجثم على الحياة السياسية والاجتماعية بالبلاد ، بين أعلى هرم السلطة ملك البلاد وإلى جانبه الشعب في مواجهة طبقة سياسية فاسدة غاب عنها الحس الوطني في حمأة صراعاتها وسباقاتها من أجل المال والسلطة وهو ما من شأنه خلق وضع قابل للانفجار في أية لحظة ، لن تتوانى جهات خارجية في توفير ما يلزمه من وقود وشرارة.
إذا كان القانون الأول للتجنيد قد صدر في ظروف حالة الاستثناء التي كانت تعيشها البلاد سنة 1966 ليكون إلى جانب إجراءات أخرى صمام أمان وأداة ردع ، فظروف اليوم لا تختلف كثيرا عما كان عليه الوضع بالأمس . البلاد تعيش أزمة سياسية داخلية صامتة ، لا ينكرها سوى جاهل أو مستفيد ، والظروف الإقليمية والدولية لا تسير في اتجاه مصلحة المغرب ، سواء على مستوى علاقاته مع الأصدقاء أو على مستوى قواعد النظام الدولي الجديد الآخذة في التشكل وبداية ظهور قوى اقتصادية وعسكرية جديدة ، لا بد وأن تشكل عوامل ضغط كبير على النظام السياسي الذي سيجد نفسه مجبرا على اتخاذ كل الإجراءات التي تشكل درعا واقيا من كل أنواع الأخطار ، ومؤسسة الجيش هي المؤسسة القادرة والمؤهلة مهنيا وعقائديا من أجل القيام بهذا الدور استثناء.
                                                          -أبو أيمن الفارح، مهتم بالشؤون العسكرية والأمنية