السبت 17 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

مصطفى المنوزي: خطاب العرش محاسبة للدولة أنجع من مساءلة حكومتها

مصطفى المنوزي: خطاب العرش محاسبة  للدولة أنجع من مساءلة  حكومتها

(همهمات من وحي  الفصل  19 من  العهد  الجديد )
كثير منا يركز على تقييم أداء الحكومة عوض  حصيلة السلطة التنفيذية برأسيها   ، وعلى الخصوص في ظل تماهي الصلاحيات والمسؤوليات ، وفي مجالات استراتيجية ، والتي تمر وجوبا عبر المجلس الوزاري ، من المالية إلى الأمن .
وإذا كان مقبولا ان نحاسب السياسات العمومية ، رغما عن هشاشة آليات الرقابة ؛ فإن خطاب الملك بمناسبة ذكرى الجلوس ، سيكون  أنجع لو حاسب الدولة ، خلال السنة الجارية ، ومن خلال التزامات العهد الجديد المتراكمة ، وذلك أنجع من مساءلة الموظفين والمنتخبين ، ليس فقط في إطار النقد الذاتي الواجب ، ولكن من باب رد الإعتبار  لإرادة استرداد الثقة وتحيين مقتضياتها  انسجاما مع   روح الرقابة و تقييم  مفعول  الدستور  ومدى تأثير الروح  التي سادت منذ بسط  مطالب الحراك الفبرايري وعرض الملك السياسي  منذ  خطاب 9 مارس 2011  ، خاصة مطلب الخيار الدمقراطي  المتعثر ، بسبب الصفقة التي ابرمتها الدولة مع حكومتها الأولى  ( المصباحية الرأس )  ، رغما عن التدرج  المقترح من خلال  حل  الملكية البرلمانية ،  كحل انتقالي لتجاوز  الوضع السياسي المأزوم ، والذي يعود السبب فيه الى عدم المأسسة وعدم المصداقية  لانعدام الثقة ، فما يسمى بالديموقراطية التمثيلية ، بمعناها الفني والدرامي،  لم تستطع تأطيرالصراع مؤسساتيا ، الشيء الذي جعل المعارضة الحقيقية تكون في الفضاء العمومي المفتوح ، أي في الحقل الاجتماعي لا في المجال السياسي المغلق . لربما حصل استيلاب  عارض  لدى بعض مهندسي  العقل الأمني  بكون  تحولات قد حصلت في ظل الملكية التنفيذية  ، وبالتالي لا حاجة إلى " دكاكين سياسية " تزعم إختلاق   ملكية برلمانية  قد تشوش على أي ضبط ، والحال أن الضبط الذي  لا يخضع نفسه لرقابة السلطات المعنوية المضادة يؤكد فرضية وجود إرادة  قمينة  تتحكم وحدها في تأويل مقتضيات قانونية مجازية وأخرى دستورية  على الورق ، فكل البياضات  توحي بامكانية  إعادة انتاج  الماضي  بوصايته  التاريخية  وأبويته  المستندة  للشرعية الدينية وفي نفس الوقت مشروط صمودها بحمايات افتراضية مستمدة من  الولاء  للخارج ،  فكيف لهذا العقل الأمني أن يتجاهل بأن  التحكم  لن يزيد سوى  مزيد من  تبعية الحقل السياسي الوطني للحقل  المالي والاقتصادي المحلي  والدولي ايضا ، مادام عنوان  التعاقد  الكمبرادوري  لا يخرج عن الوساطة  أو العمالة في أحسن الأحوال ،  وقد أكد التاريخ على أن ثنائية المخزن المركزي والسيبة  في الهوامش  والمحيط  ،  كانت لها الدور السلبي على  الوضع الاعتباري للمؤسسة السلطانية ، ولا أحد يمكنه ان ينكر  الاختراق الذي حصل والخيانات التي تفرخت  عن الوساطات والحمايات  ، باعتبار أن الوساطة لم تكن فقط مالية  أو استشارية معرفية إدارية أو فنية عسكرية  ، وانما عبر مقدمي الخدمات  والسخرات  في إطار  الفتوى  والدفاع والأمن  ، توجت بالاندماج التدريجي  في دواليب الدولة ، ولعل مراجعة  قرائية عابرة  للتوترات والانتفاضات التي وقعت في المغرب  لتبين بأن  « الصهد  » من الداخل ،  لذلك فإن سؤال الثقة يطرح نفسه بالحاح  ، بدليل أن  جهات معينة  تشتغل من نفس  العقل  الأمني  ، وإن من زاوية معينة  أكثر عقلانية  ، تقدم الاستشارة لمن يجب  من باب التنبيه والنقد الذاتي المنتج والمفيد للمصلحة ، فهي تحاول أن ترصد  المواقف الرصينة  وتنقلها بكل أمانة ، طبقا لقاعدة  « من يحب  شخصا ما ، عليه أن يقول له الحقيقة ً» ،  فالانتهازية مرض فتاك ومعدي ، ينتقل  مع حامله ، وليس كل من يفتح دكانا تجاريا أو سياسيا ،  هو بالضرورة يبتغي مصلحة الوطن  أو النظام حتى ، لأن النضال ليس وظيفة  يلبسها المرتزقون  والمستبيحون لكل ما هو غير مشروع ، فهم هؤلاء هو  تملك مساطر وقنوات  حيازة المنفعة والسلطة  بأقل تكلفة  أو بدونها حتى . من هنا لا يكفي  تبجح البعض بصناعة الوهم  وابتداع جهاز مفاهيمي جديد  ، الذي هو من مهمة المختصين الذين لا تخلو صدورهم من حب للوطن وغيرة على سلامته ، اما اختلاق معركة خدام الدولة ضد خدام الوطن فهي كالشجرة التي يحاولون بها ، عبثا، إخفاء إشكالية الولاء والانتماء المؤسساتي ، لان هناك ارادة قوية للاعتراف بالفساد من اجل الإقرار الضمني بشرعنة الاستبداد ، وكل هذه الأشكال من الصراعات الفوقية المفتعلة تهدف في اخر التحليل إلى طمس سؤال دمقرطة التعاقد حول الثروة والقوة العمومية والمعرفة ، طبقا للوعد بمفهوم جديد للسلطة يؤطره المفهوم الجديد للعدل ، والذي ليس سوى اعتراف بالآخرين ، أي المعارضة  الناشئة في قلب الوطن وفي ثنايا اختلالات العدالة الاجتماعية والأمن الإنساني ،  وهي التزامات تشكل العمود الفقري  لرجال ونساء العهد الجديد / المخضرم  ، وهي تتبلور في شكل  آليات  للتعاقد  بين الدولة والمجتمع  ، حيث لكل طرف تعبيراته الثقافية والسياسية  ، لأن الفراغ  العميق  والفاصل بين الحقلين الاجتماعي والثقافي  والحقل السياسي ،  هو الذي يكرس مفاهيم  كالمغرب العميق تجاه الدولة العميقة  ، ومفهوم دولة المجتمع عوض مجتمع الدولة ،  ورعايا  الآيالة بدل  مواطني  الوطن  ، و خدام النظام السياسي عوض موظفي الدولة  .  ومادام الفساد قناع لكل نزعات الاستبداد  ، فإعمال آليات نقد الذاتي والرقابة الذاتية أولى  ، لأن  انتهاك  العرض يبتدأ  من  انتزاع حيازة الأرض ، في سياق ثنائية مفارقة جدا :  خوصصة  القطاع العام  و نزع ملكية  أراضي  الفلاحين  البسطاء  .