الأحد 23 سبتمبر 2018
في الصميم

"أوطوروت محمد السادس".. شريان المغاربة!

"أوطوروت محمد السادس".. شريان المغاربة!

في عهد الحسن الثاني، كان قاموس المغاربة لا يشمل سوى الألفاظ "الجنائزية" من قبيل «معتقل درب مولاي الشريف»، «المعاريف»، "تازمامارت"، "الكوربيس"، «دار المقري»، «الدار الحمراء»، «معتقل أكدز»، «معتقل قلعة مكونة»، «معتقل تاكونيت »، «مقبرة البومبيا بالحي المحمدي»، "اغبيلة"، "مقبرة البومبيا بالناضور"، «لاراف»، «القرعة»، «الشيفون»، "الطيارة"، "الأوباش"، «الصعاليك»، "البسيسيمي"....

وفي عهد محمد السادس وقعت تحولات في المعجم السياسي والإعلامي، حيث لم نعد نسمع سوى: الإنصاف المجالي، العدالة الترابية، التنمية البشرية، الإنصاف والمصالحة، جبر ضرر المناطق المتضررة، الأنشطة المدرة للدخل، محاربة اقتصاد الريع، الملكية المواطنة، الإقصاء الاجتماعي، الهشاشة، رد الاعتبار للمرأة وللمعوقين وللفئات المهمشة، المغرب المتعدد ثقافيا، مافيا البناء العشوائي... إلخ.

الانقلاب في المعجم بين العهدين لم يظل حبيس «الشفوي»، بل تجسد على أرض الواقع عبر مصالحة المغاربة مع ترابهم وبداية تمرينهم عل الاهتمام بمجالهم. وتجلى ذلك في عدة أوراش: المدار الساحلي المتوسطي، طنجة الميناء المتوسطي، أوطوروت فاس، وجدة، أوطوروت مراكش أكادير، المحطة الشرقية الثالثة بميناء الدارالبيضاء، القطب المالي، وصال ساحل البيضاء، الخط الجهوي السريع بالبيضاء، الترامواي، أبي رقراق، المدار الجنوبي بالبيضاء، الطريق السريع فاس صفرو، الطريق السريع مراكش الصويرة، الخط السككي تاوريرت الناظور، الطريق السريع مكناس الحاجب، الطريق السريع بنسليمان المحمدية، الطريق السريع أجدير الحسيمة، الطريق السريع السعيدية وجدة، أوطوروت الفنيدق تطوان، المحطة المينائية الناظور، المحطة المينائية الحسيمة، الطريق السريع العروي الناضور، أوطوروت سطات مراكش، المكتبة الوطنية، الطريق السريع تارودانت أكاد ير، مطار طان طان، تثليث أوطوروت الرباط البيضاء، تي جي في، أوطوروت بني ملال برشيد، أوطوروت الجديدة البيضاء، أوطوروت دكالة أسفي، واللائحة تطول.....

لكن هل تشفع كل هذه المشاريع لخلق اطمئنان على صحة التراب الوطني وصحة اقتصاده؟ الجواب بالإيجاب سيكون من باب النفاق أو السذاجة. لماذا؟ لأن الأعطاب الكثيرة التي راكمها المغرب منذ الاستقلال إلى اليوم لم تسمح لهذه الأوراش سوى بفتح شهية المغاربة إلى رؤية تحقيق المزيد، خاصة وأن خطاب محمد السادس تمحور حول تقعيد أسس الجهوية، علما أن روح أي جهوية لن تتحقق سوى بتوفير مجموعة من الأسس، وعلى رأسها تحقيق اندماج فعال   une véritable cohésionوسلس لكل المكونات البشرية التي تشكل المغرب.

صحيح أن الاندماج يتحقق عبر الملكية وعبر النشيد الوطني والدرهم والطابع البريدي والراية، لكن رغم وجاهة هذه المكونات، فإن الأهم هو تحقيق تدفق المغاربة من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب والعكس صحيح عبر مسارب طرقية فعالة وآمنة وسريعة. وهذا ما يتساءل حوله كل مغربي حينما يرى أن مناطق شاسعة من ترابنا مازالت معزولة من الريف في الشمال إلى الواحات جنوبا، مرورا بسلسلة الأطلس المتوسط والكبير والصغير.

- الكلمة المفتاح

"الوطن الآن" و"أنفاس بريس" قطعت سلسلة جبال الريف (انطلاقا من الحسيمة)، مرورا بجبال الأطلس المتوسط والكبير، وانتهاء بواحات طاطا. وعاينت مدى تعطش المغاربة بهذا المقطع إلى قرار سياسي جريء يقضي بربط الريف بالعمق الصحراوي للمغرب. واستمعت إلى نخب المنطقة وشبابها وأصحاب الرساميل الذين استوطنوا بهذا الشريط، وكانت الكلمة المفتاح على أفواه كل من التقتهم الجريدة هو "صلة الرحم مع باقي المغاربة"، وهذا ما تلخصه شهادة رشيد هاوش، المهندس المعماري والمنظري المنحدر من نواحي خنيفرة الذي قال لـ "الوطن الآن" و"أنفاس بريس" بأن "ليوطي مازال حاضرا بيننا، فقد تم عزل الأطلس والريف في عهد الاستعمار وحذا المغرب المستقل حذوه بالتركيز على المحور الأطلنتيكي، ولن يقبر ليوطي حقيقة إلا إذا قام المغرب باختراق الريف وسلسلة الأطلس. ليس لتحقيق التلاحم بين المغاربة فقط، بل لما ستجنيه البلاد من إمكانيات، بالنظر إلى أن إنجاز أوطوروت بين الحسيمة وطاطا عبر فاس وخنيفرة ووارزازات ستحدث حوالي مليون منصب شغل لمدة خمس أو ستة أعوام، هذا دون الحديث عن الارتفاع في الناتج الداخلي الخام".

ربط الحسيمة بطاطا بواسطة أوطوروت لا يعتبر مصدرا لإحياء الشعب كما سماها عبد الله ساعف مدير الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية (انظر الحوار في الصفحة 09 بأسبوعية "الوطن الآن")، بل يمكن اعتبار هذا الورش الضخم  mega projet بمثابة تجديد الموارد الرمزية للمؤسسة الملكية في حد ذاتها ressourcer elle va se لثلاثة اعتبارات:

أولا: تحقيق ما عجز عنه المغرب في السابق بسبب الخوف من تكسير حاجز الريف والأطلس   La barriere du Rif et de l'atlas

ثانيا: تذويب المغاربة في قالب واحد عبر تكثيف التواصل بينهم وتسهيل تنقل الأفراد والسلع.

ثالثا: تجنب الارتخاء الناجم عن قرب الانتهاء من الأوراش الكبري التي تبناها المغرب منذ عام 2000 وبالتالي الحاجة إلى خلق مصدر للتعبئة للسنوات الخمس أو الست المقبلة.

رابعا: بدل تسابق الجماعات المحلية والولاة بشكل نفاقي على إطلاق اسم "محمد السادس" على الشوارع بهذه المدينة أو تلك، أضحت الحاجة ملحة إلى حصر إطلاق اسم محمد السادس على مشروع ضخم يحقق الاندماج الوطني ويضمن إقلاع الاقتصاد الوطني ويخلق الاعتزاز (La fierté) بالانتماء الوطني. ولا يوجد أي مشروع يصلح لأن يحمل هذا الاسم سوى «أوطوروت محمد السادس» تمتد من الحسيمة إلى طاطا مخترقة جبال الريف وسلسلة جبال الأطلس.

- صناعة الأمة

المشروع المحتمل أن يكلف حوالي 20 مليار درهم لا يمثل سوى 7 في المائة مما ترصده الحكومة في برنامج خماسي للبنية التحتية، وهو مشروع -إن تم اتخاذ القرار السياسي بشأنه- سيعتبر انعطافة تاريخية في تاريخ "الأمة المغربية".

فغياب الموارد طرح مردود حسبما شرحه لنا العديد من الخبراء الذين التقتهم "الوطن الآن" و"أنفاس بريس"، وحسبما تقتضيه الرؤية السياسية الاستراتيجية في صناعة الأمم -حسب تعبير الأستاذ ساعف- وعدم مردودية أوطوروت الحسيمة طاطا مردودة بدورها، بالنظر إلى أن أوطوروت فاس الرباط لم تتحكم فيها المردودية المادية مقارنة مع مردودية أوطوروت مراكش البيضاء مثلا.

وعلى افتراض أن المغرب لا تتوفر له حاليا الموارد المالية، فما المانع من إنجاز اكتتاب وطني يشارك فيه كل المغاربة القادرين على دفع 100 درهم سنويا لمدة خمس سنوات لإنجاز حلم عجز كل من تعاقب على حكم المغرب على تحقيقه، ألا وهو: وصل الشمال بالجنوب في يسر وأمان لترجمة التلاحم والاندماج الوطنيين بين مختلف المجموعات التي تكون أمة المغرب!؟

سؤال يتوقف الجواب عنه على مدى الارادة في أن يدخل محمد السادس التاريخ من أبوابه الواسعة كملك جمع شتات أمة ظلت مفككة طيلة عقود.