تتجدد إشكالية الماء في المغرب مع كل تحول مناخي، حيث تعود إلى صدارة النقاش العمومي باعتبارها قضية سيادية ذات امتداد اقتصادي واجتماعي ومجالي، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى نجاعة الحكامة المائية وقدرتها على تحويل المعطيات الطبيعية المتقلبة إلى رصيد استراتيجي مستدام. وقد أفرزت التساقطات المطرية الأخيرة مؤشرات إيجابية على مستوى المخزون المائي، وهو ما أعاد طرح سؤال التدبير من زاوية أكثر عمقاً تتجاوز القراءة الظرفية، نحو تحليل بنيوي يستحضر مقتضيات الأمن المائي ومتطلبات السيادة المائية ضمن إطار قانوني وتنظيمي مؤسس.
تشير المعطيات المسجلة خلال الأشهر الماضية إلى تحسن نسبي في الوضعية المائية، حيث ساهمت التساقطات المطرية والثلجية في رفع منسوب السدود وتعزيز الاحتياطي الوطني من المياه، وهو ما انعكس بشكل مباشر على تأمين جزء مهم من حاجيات التزود بالماء الصالح للشرب، ودعم النشاط الفلاحي الذي يظل أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الوطني. غير أن هذه المؤشرات، رغم أهميتها، لا يمكن اعتبارها تحولا هيكلياً في الوضع المائي، بالنظر إلى الطبيعة الدورية للتقلبات المناخية التي يعرفها المغرب، والتي تفرض اعتماد مقاربة استباقية قائمة على التخطيط طويل المدى.
في هذا السياق، يبرز القانون رقم 36.15 المتعلق بالماء كإطار مرجعي مؤطر لتدبير الموارد المائية، حيث أرسى مجموعة من المبادئ الأساسية المرتبطة بالتدبير المندمج، والتخطيط المستدام، وحماية الموارد من الاستنزاف، مع تحديد واضح لاختصاصات مختلف الفاعلين المؤسساتيين، وتعزيز آليات المراقبة والتقنين. ويؤسس هذا النص القانوني لانتقال نوعي في فلسفة التدبير، يقوم على اعتبار الماء مورداً استراتيجياً يخضع لضوابط دقيقة تضمن الاستعمال العقلاني وتكريس العدالة في التوزيع.
وتفرض الحكامة المائية، في بعدها العملي، تفعيل مقتضيات هذا الإطار القانوني عبر آليات تنفيذية دقيقة، تشمل التخطيط المائي على المستوى الوطني والجهوي، وربط السياسات القطاعية بالإمكانات الحقيقية للموارد، خاصة في المجال الفلاحي الذي يستهلك نسبة مهمة من المياه. كما تقتضي هذه الحكامة تعزيز دور وكالات الأحواض المائية باعتبارها مؤسسات مختصة في تدبير الموارد، ومنحها الصلاحيات اللازمة لضبط الاستعمالات ومراقبة الاستغلال وضمان احترام القواعد القانونية المؤطرة.
ومن بين التوجهات الاستراتيجية التي اعتمدها المغرب لتعزيز السيادة المائية، يبرز الاستثمار في تحلية مياه البحر كخيار بنيوي يهدف إلى تنويع مصادر التزود بالماء وتقليص الاعتماد على التساقطات المطرية. وقد تم إطلاق عدد من المشاريع الكبرى في هذا المجال، خاصة في المناطق الساحلية التي تعرف ضغطاً متزايداً على الموارد، حيث تساهم هذه المشاريع في تأمين الماء الصالح للشرب وتوفير المياه اللازمة للأنشطة الاقتصادية، مع اعتماد تقنيات حديثة تضمن النجاعة الطاقية وتقليص الكلفة.
كما يشكل إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة أحد المداخل الأساسية لتثمين الموارد المائية، حيث يتيح هذا الخيار إمكانية توجيه هذه المياه نحو استعمالات فلاحية وصناعية، مما يخفف الضغط على الموارد التقليدية ويعزز الاستدامة. وقد شرع المغرب في تطوير هذا المجال من خلال إنشاء محطات للمعالجة واعتماد معايير تقنية دقيقة تضمن جودة المياه المعاد استعمالها، في إطار رؤية مندمجة تروم تحقيق التوازن بين العرض والطلب.
وفي سياق متصل، تبرز مسألة تثمين المياه التي تذهب إلى البحر كأحد التحديات المطروحة، حيث تفرض المرحلة الراهنة تعزيز قدرات التخزين عبر بناء السدود وتطوير المنشآت المائية القادرة على تجميع مياه الفيضانات واستغلالها بشكل أمثل. ويشكل هذا التوجه جزءاً من سياسة استباقية تهدف إلى تحويل الفائض المائي الظرفي إلى احتياطي استراتيجي يمكن الاعتماد عليه خلال فترات الجفاف.
ولا يمكن فصل هذه الجهود عن التوجهات الملكية التي أولت عناية خاصة لقضية الماء، حيث تم التأكيد في عدد من الخطابات على ضرورة اعتماد حكامة مائية صارمة، وتعزيز الاستثمارات في البنية التحتية، وتسريع وتيرة إنجاز المشاريع المائية الكبرى، مع التركيز على تحقيق العدالة المجالية في التزود بالماء وضمان حق جميع المواطنين في الولوج إلى هذه المادة الحيوية. وتعكس هذه التوجيهات رؤية استراتيجية قائمة على الاستباق والتخطيط بعيد المدى، وتؤكد على الطابع السيادي لقضية الماء.
وعلى المستوى المقارن، يمكن الاستفادة من تجارب دولية رائدة في مجال تدبير الموارد المائية، حيث اعتمدت بعض الدول سياسات مبتكرة تقوم على تحلية المياه، وإعادة استعمالها، وتطوير أنظمة متقدمة للتوزيع والمراقبة، مما مكنها من تحقيق مستويات عالية من الأمن المائي رغم محدودية مواردها الطبيعية. وتشكل هذه التجارب مرجعاً مهماً يمكن استلهام عناصره في السياق الوطني، مع مراعاة الخصوصيات المحلية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يتضح أن تحقيق الأمن المائي بالمغرب يمر عبر تفعيل منظومة متكاملة تجمع بين الإطار القانوني والتنظيمي، والاستثمار في البنية التحتية، واعتماد التقنيات الحديثة، وتعزيز الحكامة المائية القائمة على الشفافية والمساءلة. كما يقتضي الأمر إرساء ثقافة جديدة في التعامل مع الماء، تقوم على ترشيد الاستعمال وتثمين الموارد، بما يضمن استدامتها للأجيال القادمة.
إن الرهان المطروح اليوم لا يتعلق فقط بتدبير مرحلة الوفرة، وإنما ببناء نموذج تدبيري قادر على التكيف مع التقلبات، وتحويل التحديات إلى فرص، في إطار رؤية استراتيجية متماسكة تعزز السيادة المائية وتحقق الأمن المائي في أبعاده الشاملة. وهو ما يجعل من الحكامة المائية مدخلاً أساسياً لإعادة تشكيل السياسات العمومية المرتبطة بالموارد الطبيعية، وضمان استمرارية التنمية في سياق يتسم بعدم اليقين المناخي وتزايد التحديات البيئية.





