السبت 22 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

مصطفى المتوكل: مشروعية وأهمية سؤال "أين ثروة الوطن؟"

مصطفى المتوكل: مشروعية وأهمية سؤال "أين ثروة الوطن؟" مصطفى المتوكل

إن بداية الطريق نحو العدالة الاجتماعية والتنمية المستدام تطورها وعطاؤها من أجل رفاه الشعب وتقدم الدولة تكون بتنمية اقتصادية و اجتماعية متعقلة، والتنافس الشريف، وخدمة الصالح العام، وترشيد الأسعار بشكل يكون الربح المنطقي مضمونا، ليتحقق عطاء ونفع السوق لفائدة كل رواده من فاعلين فيه ومتفاعلين معه بمصالحهم المشتركة والمتكاملة بدون ضرر ولا ضرار، مع إقرار عدالة ضريبية لا تضعف مالية الدولة ولا ترهق الذين تشمل أجورهم أو تجارتهم أو صناعتهم أو مجموع مصادر الدخل، وتثمين القدرة الشرائية المحققة للعيش الكريم كمدخل لتنمية تشمل المادي واللامادي . إن الشعارات والبرامج المرفوعة لا يجب أن تكون مجرد أحلام أو جملة من الوعود غير المقدور على تنفيذها والالتزام بها الغاية منها جلب أصوات مدعمة لجهة ما وتنويم العامة ؟ .. إنها يجب أن تكون ذات صدقية وتمتلك مقومات تجعل المروج لها يستطيع فهم متطلبات المرحلة والمستقبل وحاجات الدولة والمجتمع، ويمتلك القدرة على التأطير المتجاوب مع الإرادات الطموحة القادرة على أن تزاوج بين القول والعمل والإبداع التنموي لفائدة الجميع .فأن تعيش غالبية المواطنين والمواطنات حالات الفقر والخصاص، والشعور بالظلم والتهميش والإهانة شيء، والشيء الآخر أن يكون البعض أغنياء يتصرفون في الثروة بحرية وفعالية، ويستطيعون الوصول إلى منابعها، كما يمكنهم أن يكونوا مدبرين ومتحكمين في مستويات تفاعل السوق غلاء ورخصا على مستوى العرض والطلب، مع التأثير في سوق العمل تشغيلا وتسريحا وبطالة وتقنينا " ممنهجا" للحد الأدنى للأجر والترقي، وفي نفس الوقت يملك آليات وموارد ريعية تخدم مصالح معينة ، ويخلق مدافعين أوفياء لتوجهاته ولو تناقضت المصالح والمرجعيات .

إن الفقير المسكين هو الذي لا يستطيع أن يجد قوت يومه ولا يملك قوت عامه بسبب عدم وجود العمل أو هزالة الأجر و غلاء الأسعار وطغيان الاستغلال، إلا أنه يمتلك القدرة على التحمل والصبر، وفي نفس الوقت يخزن غضبه وتذمره الذي يعلنه كلما تأتت له الفرصة لذلك منفردا أو متجاوبا مع من يتقاسمون معه نفس المعاناة .

والغني هو الذي يمتلك أكثر من حاجاته الضرورية ويستطيع توفير الكماليات التي يريد، كما يمتلك القدرة لجعل حياته مشبعة بالرفاهية، ومنهم من "يتمتع" بالثراء الفاحش و البذخ والإسراف الذي يمكن أن يتحول إلى طموح جامح وطمع وجشع يبتغي كل السبل لمضاعفة الثروة لدرجة تصل إلى تجميد وتعطيل الأموال الضخمة التي لا الثري لديه القدرة على صرفها وتدويرها، ولا الناس والدولة يستفيدون منها، فتكون وبالا على الجميع .

إن هامش الربح إذا تواتر اتساعه يصبح معه الرأسمالي منتشيا بالاغتناء قد لا يحس معها بمعاناة وآلام عامة الناس ، ويزداد الأمر تعقيدا وتأزما وإنهاكا لقدرات الناس كلما كان هناك احتكار يشمل كل مفاصل ومنابع السوق في كل دوراته من الإنتاج إلى التوزيع إلى التسويق ..إلخ، فتفقد وتضيع قيم الإنسانية والتكافل والتشارك والتراحم والعمل المشترك، ولهذا كان ولا يزال ينعت هذا الصنف من الرأسمال في الكثير من الأدبيات السياسية بالتغول و الوحشية .

إن التجارة والصناعة بكل أنواعها من المنتج الصغير إلى الكبير كأشخاص ذاتيين أو معنويين أعمال مشروعة لأنها من عصب الحياة اليومية، لكن إن تخللها الربح الفاحش، والاحتكار، والمضاربة، ونقص في الجودة، وارتفاع في الأثمان، فالعقل السليم والشرع يمنع ويحرم ذلك لأن العواقب تكون وخيمة ومؤثرة تتسبب في تأزيم الأوضاع الاجتماعية، و تؤدي إلى تنامي الحركات الاحتجاجية، كرد فعل مشروع لإسماع صوت المظلومين والمضطهدين والمتضررين ولإثارة انتباه كل من يعنيهم الأمر إلى تفاقم الاختلال في السياسات العمومية المعتمدة، وفي تدبير وتنظيم حركة الإنتاج، وتضرر في ضوابط عدالة المردودية، وهيمنة على حق تشارك الثروة وقيمتها المضافة، تعلق الأمر بالفلاح والشغيلة والمهني والحرفي والتاجر الصغير، أو تعلق بالمنتجين الكبار والوسطاء الذين يتحكمون في تسعيرة المواد ما بين تجميع إنتاج الضعفاء وتسويقه، مع الاستفادة من دعم الدولة و التسهيلات المختلفة بما فيها ماله علاقة بالسياسة الضريبية في عوالم الاستثمار والتوزيع والتحكم في الأسواق بالداخل وبمختلف دول العالم في إطار اتفاقيات دولية ..

إن تطور كل أشكال وأنواع التصنيع والتكنولوجيات المختلفة والتقدم العلمي الغاية النبيلة منه خدمة الإنسانية وحمايتها والنهوض بمستوى عيشها و بناء مجتمع المعرفة والحقيقة والعدل، وليس منطقيا أن يتحول كل الإبداع والاجتهاد والاختراع البشري عبر القرون إلى أدوات للتمييز والاستغلال وتبديد الجهد والقدرات والاستخفاف بحياة الآخرين الذين يشكلون غالبية المجتمعات.

إن طرح الدولة والشعب لسؤال: أين الثروة ؟ ضروري و مشروع، لأنها حقيقة ملك للوطن الذي هو مصدرها ومنبعها، وملك للشعب لأنها توجد بوطنه، وهو المعني بها قبل أن تصبح ملكية خاصة أو مخوصصة أو محتكرة، إن تحول الرأسماليين إلى ملاك أو متصرفين رئيسيين في ثروات البلدان، مع نفوذهم وتواجدهم بمراكز القرار بالمؤسسات التشريعية والتنفيذية حيث يتم إقرار اختيارات سياسية المفترض أن تستجيب لتطلعات المجتمع بكل مكوناته وطبقاته ومجالاته الترابية يجعلهم في موقع من يضع ويقر التشريعات التي يقدمها للرأي العام على أنها في خدمة الدولة والمجتمع والتقدم، وواقع الحال أنها تحتاج إلى مراجعات جذرية لتحولها إلى بورجوازية تجعل الثروات العامة والخاصة متنامية لمصلحة الدولة الديموقراطية العادلة، وترى خدمة مصالح المواطنات والمواطنين واجبا وطنيا مقدسا، ومقدمة على المصالح الخاصة. وهنا لابد من مساءلة تمحيصية وافتحاصية وإصلاحات جوهرية للعديد من التشريعات المعتمدة، وقياس تأثيراتها السلبية واختلالاتها التي قد تكون من أسباب الأزمات والاحتقان وتضرر حقوق الناس وتدهور مستوى العيش.

إن مسارات الربح وهوامشه إن لم تخضع لميزان العدل والعقل والأخلاق، ستتسبب في خسارات ومشاكل تؤثر أضرارها بنسب متفاوتة في غالبية الشعب، وقد تمتد آثارها إلى الثروات الوطنية وعلى رأسها كرامة المواطن وقوة الوطن الذين هما أهم رأسمال وأكبر ربح .

يروى أن الخليفة علي بن أبي طالب لما أرسلت له رسالة يساءل فيها عن ارتفاع ثمن الزبيب بمكة فكتب إليهم "أن أرخصوه بالتمر": أي اقتنوا سلعة أخرى تقوم مقامه بشراء التمر الذي كان متوفرا وبثمن أرخص منه حتى يرخص ثمن الزبيب .

 فرفقا بالشعب الذي هو مصدر المؤسسات والسلطة وعماد الدولة ولتفعل الحكومة عمليا مقتضيات الدستور ومنها:

ـ "إرساء دعائم مجتمع متضامن، يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، ومقومات العيش الكريم، في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة"

ـ "السيادة للأمة، تمارسها مباشرة بالاستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها (.) تختار الأمة ممثليها في المؤسسات المنتخبة بالاقتراع الحر والنزيه والمنتظم".