الأربعاء 19 سبتمبر 2018
مجتمع

مصطفى حمزة: "بحيرة زيما" بهاء منطقة أحمر بين الواقع والأسطورة

مصطفى حمزة: "بحيرة زيما" بهاء منطقة أحمر بين الواقع والأسطورة مصطفى حمزة مع مشهد من بحيرة زيما

كثيرة هي الأعلام الجغرافية، التي لعبت، وما زالت، أدوارا أساسية في تاريخ المغرب، وتاريخ المناطق التي توجد بها، ومع ذلك فهي لم تحظ بأي اهتمام من طرف الباحثين، والمهتمين... ومعرفة الناس بها تظل محدودة،، وفي كثير من الأحيان تظل مرتبطة بخرافات وأساطير... تفعل فعلها في بني البشر... ومن بين هذه الأعلام الجغرافية "بحيرة زيما" بمنطقة أحمر بإقليم اليوسفية.

- "بحيرة زيما " فضاء إيكولوجي وسياحي..

حين تشرف على ولوج مدينة الشماعية من ناحية الغرب، المنفتح على التأثيرات الفكرية والثقافية لمنطقة عبدة، يشدك فضاء منبسط وممتد، يرصع معصمه ماء أجاج، وتنطقه نباتات طبيعية دائمة الخضرة تتحمل الملوحة والجفاف، وتزينه أسراب الطيور المنتشرة هنا وهناك، محدثة بحركات أجنحتها سمفونية موسيقية تضفي على المكان روعة وتزيده جمالية.. إنه فضاء "بحيرة زيما" هبة منطقة ركونة قديما، وأحمر حاليا، حسب ابن الزيات.

توجد "بحيرة زيما" داخل مجال جغرافي ممتد على مساحة 14000 هكتار، وهي عبارة عن فضاء إيكولوجي وسياحي، ممتد على مساحة 600 هكتار، تحيط به مجموعة من التلال تمده بالمياه عبر أودية موسمية (واد السدرة، واد الملاح، واد أحمر الخدود، واد زيما...) وينطقه حزام نباتي دائم الخضرة يتحمل الحرارة والجفاف.

وقد بينت إحدى الدراسات، أن فضاء بحيرة زيما يحتوي على 83 نوعا من النباتات، من بينها أنواع نادرة لا توجد إلا في المغرب والجزائر، وبعض دول أمريكا اللاتينية. هذا، وتتميز بحيرة زيما، بتواجدها على محور هجرة الطيور ما بين أوربا وإفريقيا، الذي يسمح لها باستقبال أنواع ناذرة من الطيور، من بينها: النحام الأحمر (flamants roses) الذي يقضي بها فصل الشتاء والربيع بحكم الجاذبية التي يمارسها عليه نوع نادر من الجمبري الذي يعيش في البحيرة La crevette Ol’artmia  كما تعرف توافد أنواع أخرى من الطيور المائية والبرية التي تتخذ منها مقرا دائما. وقد أكدت إحدى الدراسات، على توفر بحيرة زيما على 38 نوعا من الطيور من أهمها: المستنقعيات  LIMICOLES   والبطيات ANATIDES والطول  (ECHASSIERS)

- "بحيرة زيما" بين الأسطورة والواقع..

هذه البحيرة التي ظل اسمها وفيا لجذوره الأمازيغية، تروي إحدى الأساطير، أن أصلها هو الكتاب الذي حمله معهم إلى المغرب رجال رجراجة السبعة، الذين وفذوا على الرسول (ص)، وتضيف الأسطورة أنه بعد قراءة الكتاب من طرف (سيدي واسمين)، أحد رجال رجراجة السبعة، على المصامدة بموضع رباط شاكر وإيمانهم بما تضمنه، أراد كل واحد منهم أن يكون الكتاب بيده، فلما رأى (سيدي واسمين) ذلك حبس الكتاب وذهب به ودفنه بأرض أخرى وأخفاه عن جميع القوم، فلما رجعوا إليه بعد أيام قليلة وسألوه عنه، وقدم معهم ليخرجه إليهم من محل دفنه، فإذا هو ينبع منه ماء كالثلج... فداروا بذلك المحل، ودعوا الله أن يجعل البركة والانتفاع في ذلك الماء، فصار ملحا أجاجا، وانتفع به المسلمون من بعدهم وسميت "فيضة زيما".

الأسطورة شاعت ووجدت من يروج لها، والبحيرة لبست لبوسا متعددا، فتحولت إلى امرأة، رمز للعطاء والخصوبة... يجثم قبرها أسفل جدع نخلة ناطحت بسعفها السماء، وزركشت أغصانها بملابس داخلية

لنساء وفتيات يعتقدن، بأن التخلي عن هذه الألبسة، هو تخلي عن سوء الحظ، وجلب لحسن الطالع، تباركه الزيارة وتضمنه "لآلة زيما". هكذا حولت الأسطورة علم جغرافي، إلى مزار وهمي يمنح البركة وييسر سبل النجاح في الحياة، وتفنن الإنسان في إبداع أهازيج تضفي طابع القدسية على المزار الوهم.  ومع توالي الزيارات للمزار الوهم (النخلة) وتعثر الأحلام المعلقة عليه، أصبحت بحيرة "زيما" بمؤهلاتها الطبيعية والسياحية تمارس جاذبية خاصة على قاطني مدينة الشماعية والمناطق المجاورة لها، وأصبح فضاؤها الممتد، بنباتاته الدائمة الخضرة، وطيوره البرية المتنوعة، يشكل المتنفس الوحيد لمدينة تم السطو على حدائقها ومساحاتها الخضراء...

والواقع أن تكوين بحيرة "زيما" يعود إلى الزمن الجيولوجي الثاني، وتكويناتها عبارة عن رواسب هورية في غالبيتها مالحة، مما يفسر تواجد الملح بها، عكس ما أشارت إليه الأسطورة، واسمها الذي ظل وفيا لجذوره الأمازيغية، يدل على تواجد الأمازيغ بالمنطقة، قبل أن يستوطنها الحمر يون، كما تؤكد ذلك العديد من المصادر التاريخية التي تتحدث عن مجالات وجود "المصامدة" و"رجراجة".

- "بحيرة زيما" ظاهر منطقة أحمر المرصع بنشوة التاريخ..

وإذا كانت بحيرة زيما قد شكلت عبر مسارها التاريخي ممرا رئيسيا، ربط بين أزمور وأغمات من جهة، وبين آسفي ومراكش من جهة ثانية، وشهدت مرور العديد من القوافل التجارية التي كانت تتخذها محطة للاستراحة، فإنها إلى جانب ذلك كانت شاهدا على مجموعة من الأحداث التاريخية التي جرت بالقرب منها، مثل:

ـ بناء المولى إسماعيل لقصبة، كانت تحمل اسم القصبة السماعيلية، لضبط الأمن بالمنطقة، واستخلاص الضرائب، وصد هجمات القبائل المصمودية، وهي التي تحمل اليوم اسم الشماعية.

ـ حركة السلطان محمد بن عبد الله في النصف الثاني من القرن 18م، والتي عين خلالها الفقيه هدي بن الضو قائدا على منطقة احمر، وأسس مدرسة للأمراء ومرافقيهم بمدينة الشماعية، ما زالت إلى اليوم قائمة تعاني من الإهمال والتهميش واللامبالاة، من طرف المسؤولين.

ـ حركة السلطان الحسن الأول في صيف 1886م التي توقفت بفضاء البحيرة، واستقبل خلالها السلطان، وفود القبيلة ومساهمتهم في تمويل الحركة... كما زار أبناءه ورفقائهم بمدرسة الأمراء بمدينة الشماعية «فصار يدور بنا في الدار، ويرينا أسماء من كانوا معه هناك في عهد أخذه، وأرانا مبيته، وسرد علينا ذكريات له عن ذلك العهد، يجترها علينا تلذذا بها»، يقول إدريس منو رفيق مولاي عبد الحفيظ، ومولاي الكبير ابنا الحسن الأول.

ـ لم تخل كتب الرحالة الأوربيين، من تدوين مشاهد عن بحيرة "زيما" وعن أهميتها الطبيعية والاقتصادية، فالرحالة الإنجليزي (آرثر ليرد) الذي زار المغرب سنة 1872م، يشير في كتابه (المغرب والمغاربة) إلى أنه بعد مغادرته قصر حاكم احمر (هدي بن الضو)، عثر في طريقه إلى آسفي على ما يشبه مساحة مكسوة بالثلوج، ولكن تبين أنها مكسوة بالملح، وهي تسطع تحت الشمس، كانت تروج التجارة بين المغرب وقلب إفريقيا.

ـ الرحالة الفرنسي (أوجين أوبان) الذي زار المغرب سنة 1902 م، فيقول عنها في كتابه (مغرب اليوم) (تضفي قدرا من البهجة ولو لبرهة قصيرة على هذا المشهد الموحش)...

- "بحيرة زيما" رمز العطاء..

خارج فضاء بحيرة "زيما"، وعلى امتداد منطقة احمر، تنتشر العديد من الزوايا والمدارس العتيقة التي تشهد وثائقها، على ما كانت تدخله بحيرة "زيما" من بهجة دائمة على هذه المؤسسات وطلبتها، مثل (زاوية العلامة الموسوعي الحاج التهامي الأوبيري) شيخ سيدي الزوين صاحب مدرسة الحوز، و(مدرسة الأمراء العلويين) بالشماعية، التي استقطبت خلال القرن 19م أهم الأعلام المغاربة، مثل:

ـ الأستاذ أحمد بن محمد بن حمدون بن الحاج السلمي المرادسي ( 1225ﻫ ـ 1316ﻫ ) مؤرخ السلطان الحسن الأول.

ـ التهامي بن عبد القادر المراكشي المدعو بابن الحداد المكناسي النشأة والدار والإقبار، أستاذ مولاي عبد الحفيظ وأخوه مولاي الكبير.

ـ الطالب محمد بن عبد الواحد بن سودة، أستاذ السلطان الحسن الأول.

هذه المعلمة السياحية والطبيعية مهددة اليوم بالتلوث والاندثار، مما يتطلب من جميع الجهات المعنية التدخل من أجل حمايتها والمحافظة عليها من العبث.

ـ حمزة مصطفى، باحث متخصص في التاريخ الجهوي