الأربعاء 26 سبتمبر 2018
سياسة

رشيد لزرق: زعماء الأحزاب ينهجون سياسة التكتيكات الشعبوية ضد التغيير

رشيد لزرق: زعماء الأحزاب ينهجون سياسة التكتيكات الشعبوية ضد التغيير رشيد لزرق

اعتبر المحلل السياسي، رشيد لزرق، أن ما حدث في المغرب من تطورات، بعد التعاقد الدستوري 2011، شيء استثنائي في المشهد السياسي للبلاد؛ حيث برزت قيادات شعبوية بسرعة وزمن مفاجئين: بنكيران رئيس الحكومة، حميد شباط على رأس حزب الاستقلال، إدريس لشكر الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، محند العنصر الأمين العام للحركة الشعبية، إلياس العماري على رأس الأصالة والمعاصرة، وغيرهم.

وأوضح لزرق، في تحليل جديد لـ "أنفاس بريس"، أنه في ظل حراك سياسي متباين إلى حد كبير، اتسم بظهور نزعة التصادم وخطاب متشابه يعتمد التشكيك والفرجوية، شهد المغرب ما يمكن أن نسميه بالردة السياسية التي جاءت بعد التعاقد الدستوري تمثلت أساسا في بزوغ مرحلة الشعبوية، التي عوض تثبيت الخيار الديمقراطي، عملت على جعل المنظومة الحزبية أحزاب أفراد، مما أدى إلى شخصنة الصراع السياسي، وتغيير البنى الحزبية، حيث أصبحت قائمة على أشخاص.. وهكذا بدانا نسمع حزب بنكيران وحزب إلياس وشباط ولشكر... عوض حزب المؤسسات، وباتت الزعامات الشخصية تتحرك وفق مزاجها السياسي، في ضرب واضح لإرهاصات العمل وفق منطق حزب المؤسسة، لكون القيادات الشعبوية اتجهت إلى رهان الضبط وإحكام القبضة وإقصاء كل المخالفين.

في المقابل، يضيف، عملت شبكة التابعين على أساس زبائني، وقامت، باسم القرب أو الامتداد الشعبي، بتجميع قيادات المغلوبين حولها، الذين يقومون بكل الأعمال إلا الممارسة السياسية بمفهومها النبيل، أملا في الحماية السياسية أو في الوصول إلى المصالح، والاضطراب التي تشهده القيادات الشعبوية يفسر في كون السياق السياسي أفرز مصالح متضاربة.

ويرى رشيد لزرق بأن هذه الردة السياسية هي ما تفسر الاهتزازات التنظيمية داخل الاحزاب، كما أن عدم بروز حركات للتغيير داخلها ناتج عن كون القيادات الشعبوية فرضت مركزيتها بمختلف الطرق، وولدت مشهدا حزبيا يسوده الاضطراب على مستوى التحالفات، التي تظل سمتها الأساسية التغيير بشكل مستمر دون أساس إيديولوجي أو فكري وذي رؤية سياسية، فأضحت البنية الحزبية تعاني الجمود، ولا توجد بها ممارسة سياسية وحراك سياسي، بفعل افتقار شبكة الاتباع إلى الفكرة والرؤية السياسية. وباتت الأدوات الحزبية لا تملك كوادر سياسية قوية، وانحصرت الصراعات التنظيمية في الوصول إلى مواقع قيادية.

هذا الواقع أفرز ارتدادات عطلت القنوات المؤسساتية، وولدت أزمة وساطة، وباتت هذه الموجة الشعبوية خطرا على الدولة والمجتمع، بفعل ممارستها لغة التكتيكات والمصالح الآنية، الأمر الذي يفرض التغيير الذي يمر لزاما بتجديد الطبقة السياسية المتجاوزة، وفسح المجال لبروز وجوه شابة متحررة من عقد الماضي، وقادرة على المبادرة، والانسجام مع دستور 2011، وإقناع المزاج العام الذي أصبحت له ثقافة متقدمة.. فالمجتمع عكس الانطباع السائد بكونه محافظا بالمعنى الديني، وإنما بالمعنى الثقافي هو الأقرب إلى الهدوء وعدم المغامرة، لأن العناصر المتحكمة في التنظيمات السياسية نهجت سياسة ضبط بحث في تحقيق تقاعد سياسي، وعملت على نهج سياسة التكتيكات، وإقصاء كل القوى الداعية إلى التعاقد من أجل المشروع.

وبخصوص السؤال حول النخبة السياسية المأمولة إزاء هذا الوضع، أوضح المحلل السياسي بأن هذه العقلية المتحكمة هي التي حالت دون إيجاد نخبة مؤثّرة من جيل الشباب الواعي والمسؤول.. فمنذ الاستقلال إلى اليوم نجد نفس الشعارات وهيمنة ظاهرة المرشح الوحيد، التي هي ضرب في الاتجاه التصاعدي للتجربة الديمقراطية، الأمر الذي يفرض بقوة الحاجة إلى تجديد ما يُسمى بالنخبة السياسية، وفي الواقع انتهى عهد النخبة السياسية الشعبوية، من أجل المضي في مسار الدول الصاعدة وبناء ديمقراطي مغربي حقيقي ينطلق من مطالب المغاربة.

وأردف لزرق باننا الآن في حاجة إلى حلول مغربية تنطلق من مطالبنا وشعاراتنا وإمكانياتنا، وتحقق التنمية المستدامة، في ظل سيادة دولة القانون والمواطنة، عبر الانطلاق من معطيات الواقع من أجل تجاوزه عبر جعل الصراع السياسي صراع بدائل وليس صراع نزعات ذاتية.

وإلى ذلك استنتج المحلل السياسي في الأخير إلى أن أحداث الحسيمة أظهرت بالملموس عجز قيادات الأحزاب عن ترجمة قيم الدستور إلى واقع حزبي معاش، إذ ساهمت طبيعة الممارسة السياسية في توسيع الهوة بين المواطن والمؤسسات، وهو ما قوى الشعور بالاستياء والإقصاء. هذا الواقع الذي تفاعل معه الملك محمد السادس في خطاب العرش، معبرا عن عدم ثقته في جزء كبير من الطبقة السياسية؛ ليخلص لزرق بأنه يجب التفاعل مع مضمون الخطاب، وذلك بتسليط الضوء على القيادات الحزبية التي امتهن جزء كبير منها الشعبوية كأسلوب للممارسة السياسية. واستمرار هذه القيادات سيقودنا نحو الأسوأ، لكونها جعلت من العمل السياسي وسيلة لإلهاء المخيال الشعبي بشكل وصل إلى درجة غير مسبوقة من الانحطاط القيمي، ما ضيع على المغرب خمس سنوات من الصراع السياسي.. فهل يعتبر عزل بنكيران و"استقالة" إلياس العماري مؤشران على أن هذه القيادات ستخضع لنظرية "الدومينو"؟.. وبموجب هذه النظرية فإن القيادات الشعبوية ستسقط تباعا، ويكون حراك المنظومة الحزبية كموجة ثانية تتبع الموجة الأولى التي كانت في الشارع؛ باعتبار الواقع يؤكد أن ممارسة النخب الشعبوية أخفقت في استيعاب فلسفة الدستور، فأسلوبها بات سببا في عدم تقوية القنوات المؤسساتية، ونهجها التدبيري الفردي وتقوية سياسة الأتباع نفر جزءا كبيرا من النخب من العمل السياسي؛ ما جعل الديمقراطية تتجه نحو المجهول وواقعة الحسيمة هي مؤشر ملموس للذكرى والعبرة وكي لا ينسى الجميع.