لا شك أن التحولات المناخية المتسارعة التي باتت ترسم ملامح المرحلة الراهنة تفرض إعادة ترتيب أولويات الفعل العمومي، حيث إن تواتر الظواهر القصوى من فيضانات جارفة، وسيول عاتية، واضطرابات جوية غير مألوفة، لم يعد مجرد طارئ ظرفي عابر، وإنما أضحى معطى بنيويًا يفرض على الدولة إعادة هندسة سياساتها العمومية وفق منطق جديد قوامه الاستباق، ودعامته الحكامة الترابية المتكاملة… ومن ثم، فإن ما شهدته المملكة منذ أواخر سنة 2025 وبداية السنة الجارية، خاصة في مناطق الشمال الغربي وسهول الغرب، إلى جانب مدينة آسفي، يمثل مؤشرا دالا على انتقال المخاطر الطبيعية من الهامش إلى صلب الاهتمام الاستراتيجي.
ومن المؤكد أن الإعلان عن الاستراتيجية الوطنية المندمجة لتدبير الكوارث في أفق سنة 2030 لا يمكن قراءته بمعزل عن هذا السياق الضاغط، حيث إن هذه الاستراتيجية لا تختزل في كونها مجرد وثيقة توجيهية، وإنما تشكل إطارا مرجعيا يعيد تعريف علاقة الدولة بالمجال، ويؤسس لنمط تدبيري جديد قوامه التنسيق الأفقي والعمودي، والتكامل بين مختلف المتدخلين، والانتقال من رد الفعل إلى الفعل الوقائي المبني على المعرفة والمعطيات الدقيقة… وبالتالي، فإن الرهان لم يعد يقتصر على احتواء الأضرار، وإنما يتجاوز ذلك نحو تقليص قابلية وقوعها من الأصل.
وعلاوة على ذلك، فإن المقاربة التي تبنتها السلطات العمومية تعكس تحولا نوعيا في فلسفة التدبير، حيث إن القطع مع سياسة الانتظارية لم يعد خيارا ترفيا، وإنما ضرورة حتمية تفرضها طبيعة المخاطر نفسها، إذ إن الفيضانات، على سبيل المثال، لم تعد أحداثا استثنائية نادرة، بل تحولت إلى ظاهرة متكررة تستوجب بنية مؤسساتية يقظة، ومنظومات إنذار مبكر فعالة، وآليات تدخل سريعة وناجعة… وهو ما يفسر التوجه نحو إرساء نظام “Vigirisques Inondations” كنموذج لمنظومات التدبير الذكي المعتمد على التنبؤ والاستباق.
ومن الثابت أن الحكامة في هذا المجال لا تتجسد فقط في توفير الوسائل التقنية، على أهميتها، وإنما تمتد لتشمل إعادة تنظيم المجال الترابي ذاته، حيث إن إعداد خرائط دقيقة لتصنيف المناطق حسب قابليتها للبناء يعكس وعيا متقدما بخطورة التوسع العمراني غير المنضبط، خاصة في مجاري الأودية والمناطق المنخفضة… لذلك، فإن هذا التوجه يمثل خطوة مفصلية نحو عقلنة التعمير، وربط القرار العمراني بالمعطى البيئي، بما يضمن الحد من هشاشة المجال أمام الصدمات الطبيعية.
إضافة إلى ذلك، فإن مراجعة النصوص القانونية والتنظيمية في إطار منهجية تشاركية تعكس إدراكا عميقا بأن الإطار القانوني يشكل العمود الفقري لأي سياسة عمومية ناجعة، حيث إن ملاءمة القوانين مع التحولات المناخية الراهنة لم تعد مجرد إجراء تقني، وإنما أضحت ضرورة استراتيجية لضمان فعالية التدخلات وتناسقها… ومن ثم، فإن تفعيل مقتضيات القانون رقم 36-15 المتعلق بالماء، وتنزيل نصوصه التطبيقية، يشكل لبنة أساسية في بناء منظومة وقائية متكاملة.
وفي السياق ذاته، يبرز البعد الترابي للحكامة كعنصر حاسم في إنجاح هذه الاستراتيجية، حيث إن إحداث مصالح على مستوى العمالات والأقاليم، وتعيين نقاط اتصال داخل مجالس الجهات، يعكس توجها نحو لامركزية التدبير، بما يسمح بتكييف السياسات مع خصوصيات كل مجال على حدة… وبالتالي، فإن هذا النمط من الحكامة الترابية يعزز من قدرة الفاعلين المحليين على التفاعل السريع مع المخاطر، ويضمن انخراطا أوسع في تنفيذ البرامج والمشاريع.
كما أن اعتماد مراكز عملياتية لليقظة، مدعومة بأنظمة رصد متطورة، يعكس انتقالا نحو تدبير قائم على البيانات والمعطيات العلمية، حيث إن دقة التنبؤ تشكل العامل الحاسم في تقليص الخسائر البشرية والمادية… لذلك، فإن تعزيز التغطية بالرادارات، وتعميم أنظمة القياس الهيدرولوجي، يمثلان ركيزتين أساسيتين في بناء منظومة إنذار مبكر فعالة، قادرة على توفير الوقت الكافي لاتخاذ التدابير الوقائية.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ إن إدماج البعد الاجتماعي في هذه الاستراتيجية يعكس فهما شموليا لمفهوم الحكامة، حيث إن حماية الأرواح والممتلكات تستدعي أيضا توفير آليات للتعويض وجبر الضرر… وفي هذا الإطار، فإن اعتماد نظام مزدوج يجمع بين التأمين وصندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية يضمن تغطية أوسع لمختلف الفئات، خاصة الهشة منها، بما يعزز من منسوب الثقة في تدخل الدولة.
ومن زاوية أخرى، فإن إحداث منصات لوجستية على مستوى جهات المملكة يعكس وعيا بأهمية الجاهزية الميدانية، حيث إن سرعة التدخل تشكل عنصرا حاسما في الحد من تداعيات الكوارث… وبالتالي، فإن تخزين المواد الأساسية بشكل استباقي يضمن استجابة فورية للحاجيات الملحة، ويحد من حالة الارتباك التي غالبا ما ترافق مثل هذه الأزمات.
غير أن ما يضفي على هذه الاستراتيجية طابعا متميزا هو سعيها إلى إدماج مختلف مراحل دورة تدبير المخاطر، بدءا من الوقاية، مرورا بالاستعداد، وصولا إلى التدخل وإعادة الإعمار… حيث إن هذا التكامل يضمن استمرارية الفعل العمومي، ويحول دون الاقتصار على معالجة جزئية للمشكل… لذلك، فإن إدماج مخاطر الكوارث ضمن مخططات التنمية الترابية ووثائق التعمير يشكل تحولا جوهريا في طريقة التفكير، ويعكس انتقالا من منطق التدبير القطاعي إلى منطق السياسات المندمجة.
وبالتأكيد، فإن نجاح هذه الرؤية يظل رهينا بمدى قدرة مختلف المتدخلين على التنسيق الفعال وتبادل المعلومات بشكل سلس، حيث إن تعدد الفاعلين قد يتحول إلى عنصر إعاقة في حال غياب الانسجام… ومن ثم، فإن تعزيز آليات الحكامة، سواء على المستوى المؤسساتي أو الإجرائي، يظل شرطا أساسيا لتحقيق الأهداف المنشودة.
كما أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في صياغة الاستراتيجيات، وإنما في ضمان تنزيلها الفعلي على أرض الواقع، حيث إن الفجوة بين النص والتطبيق ظلت، لسنوات، أحد أبرز التحديات التي تواجه السياسات العمومية… لذلك، فإن تتبع تنفيذ الإجراءات الـ165 المبرمجة ضمن 18 برنامجا يشكل اختبارا حقيقيا لمدى جدية هذا الورش الإصلاحي.
ولا ريب أن التحولات المناخية تفرض إيقاعا متسارعا لا يترك مجالا للتردد أو التباطؤ، حيث إن كل تأخير في اتخاذ التدابير اللازمة قد يترتب عنه كلفة بشرية ومادية باهظة… وبالتالي، فإن ترسيخ ثقافة الوقاية لدى المواطنين، إلى جانب تعزيز قدرات المؤسسات، يشكلان ركيزتين متكاملتين في مواجهة هذه التحديات.
وفي المحصلة، يمكن القول إن الحكامة الترابية في مجال تدبير الكوارث لم تعد مجرد خيار سياسي، وإنما أضحت ضرورة وجودية تفرضها طبيعة المرحلة… حيث إن بناء مجال ترابي آمن ومستدام يمر حتما عبر تبني مقاربات استباقية، وتفعيل آليات تنسيق فعالة، وتوفير موارد كافية، مع الحرص على إشراك مختلف الفاعلين في صياغة وتنفيذ السياسات.
ومن المؤكد أن المغرب، وهو يخطو في هذا الاتجاه، يراكم تجربة مهمة في مجال تدبير المخاطر، غير أن التحدي الأكبر يظل في تحويل هذه التراكمات إلى منظومة متكاملة قادرة على الصمود أمام التقلبات المناخية المتزايدة… إذ إن الرهان لم يعد يقتصر على مواجهة الكوارث، وإنما يتجاوز ذلك نحو بناء نموذج تنموي قادر على التكيف مع عالم يتغير بوتيرة متسارعة، عالم تفرض فيه الطبيعة شروطها بصرامة لا تقبل التأجيل…
