mardi 24 mars 2026
فن وثقافة

صبوري: في الحاجة إلى منشط تربوي يتملّك سلاح الفعل الثقافي ويساهم في بناء الإنسان

صبوري: في الحاجة إلى منشط تربوي يتملّك سلاح الفعل الثقافي ويساهم في بناء الإنسان حسن صبوري

في حوار لجريدة "أنفاس بريس" مع الفاعل الجمعوي حسن صبوري عضو المكتب الوطني لجمعية الشعلة للثقافة والتربية، بصفته أحد الأطر المسؤولة عن التكوين الوطني الخاص بأطر الدرجة الثانية الذي نظمته جمعية الشعلة بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل ـ قطاع الشباب، إلى جانب الجامعة الوطنية للتخييم، خلال الفترة الممتدة من 13 إلى 18 مارس 2026 بمركز التخييم بوزنيقة الشاطئ. ـ في هذا الحوار ـ سلط ضيف الجريدة، الضوء على خيارات الشعلة في مجال التكوين في علاقة تفاعلية بين الحقلين الثقافي والتربوي، مستحضرا استراتيجية الجمعية في بناء الرأسمال البشري القادر على تمثل رسالتها وقيمها في سياق مجتمعي يتطلب مزيدا من الاهتمام بحاضر ومستقبل الطفولة والشباب.

 

+ بداية، كيف يمكن قراءة السياق العام الذي جاء فيه هذا التدريب في علاقته بتحولات المجتمع التي تشكل محور اشتغالكم خلال شهر رمضان المبارك وباختيارات جمعية الشعلة؟

 

الحديث عن هذا التدريب يفرض استحضار سياقين متداخلين؛ سياق مجتمعي يعرف تحولات متسارعة تمسّ القيم وأنماط العيش والتمثلات، وسياق تنظيمي خاص بجمعية الشعلة التي راكمت تجربة طويلة في العمل التربوي والثقافي تمتد لنصف قرن من الممارسة، وتسعى اليوم إلى تجديد كفاءات رأسمالها البشري بما ينسجم مع هذه التحولات، على اعتبار أن المجتمع يعيش حالة من التوتر بين مرجعيات متعددة، حيث تتداخل التأثيرات الرقمية والثقافية، ويتراجع دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية التقليدية، مما يضع الفعل التربوي والثقافي أمام تحديات جديدة تتطلب كفاءات مؤهلة قادرة على الفهم العميق والتدخل الواعي والمسؤول.

في هذا الإطار، يأتي هذا التدريب كخيار استراتيجي يعكس وعي جمعية الشعلة بأهمية الاستثمار في الإنسان كمدخل أساسي للتغيير. فالجمعية لا تنظر إلى التكوين كعملية تقنية معزولة، وإنما كفعل ثقافي وتربوي يهدف إلى إعادة بناء الشخصية وتأهيل الأطر لتكون فاعلا نقديا قادرا على التفاعل مع محيطه والمساهمة في الإنتاج داخل الفضاءات التربوية.

 

+ ما هي الفئات المستهدفة من هذا التدريب، وكيف تندرج ضمن استراتيجية الجمعية في بناء الرأسمال البشري؟

 

استهداف الأطر الحاصلة على تدريب الدرجة الأولى، يحمل دلالة واضحة على اختيار التراكم بدل القطيعة، خاصة ونحن أمام فئة راكمت تجربة نظرية وميدانية خلال الموسم الفارط، وتحتاج إلى تعميق معارفها وتطوير أدواتها، بما يمكنها من الانتقال من مستوى التنفيذ إلى مستوى التأطير والتخطيط. هذا الاختيار يعكس رؤية تعتبر أن الرأسمال البشري يبنى عبر مسارات متدرجة تقوم على التكوين المستمر والمواكبة.

إن جمعية الشعلة تراهن على أطر قادرة على الجمع بين الحِسِّ التربوي والوعي الثقافي. أطر تمتلك القدرة على قراءة الواقع وتحليل حاجيات الفئات المستهدفة من أطفال ويافعين، وبناء تدخلات تربوية ذات تأثير إيجابي. لذلك، يندرج التكوين ضمن استراتيجية أشمل تهدف إلى خلق نواة صلبة من الكفاءات التي يمكن أن تقود العمل التربوي على المستوى المحلي والجهوي والوطني.

 

+ ماذا عن المضامين التربوية التي تم الاشتغال عليها خلال هذا التدريب؟

 

الاشتغال على المضامين لم يكن اختيارا لحظيا، بقدر ما استند إلى المرجعية المؤطرة التي حدّدها دليل الوزارة، خاصة المضامين الأربع الكبرى التي تشكل العمود الفقري لأي تكوين في هذا المجال. إضافة إلى مضامين أخرى شملت: التأطير التربوي بما يحمله من أبعاد قيمية ومنهجية. إعداد وتدبير المشروع التربوي كأداة أساسية لتنظيم الفعل التربوي. تقنيات التنشيط والتواصل التي تمكن المنشط من التفاعل الإيجابي مع الفئات المستهدفة. الحكامة والتدبير لضمان استمرارية وفعالية البرامج داخل مؤسسات الطفولة والشباب، وخاصة المخيمات ودور الشباب.

خصوصية هذا التدريب تكمن في طريقة تناول هذه المضامين، حيث تم اعتماد مقاربة تشاركية تضع المتدرب في قلب العملية التكوينية من خلال ورشات تطبيقية ومحاكاة لوضعيات ميدانية ونقاشات مفتوحة سمحت بإنتاج معرفة جماعية تستند إلى التجربة والخبرة. هذا يعكس قناعة جمعية الشعلة بأن التكوين الحقيقي يتم عبر الفعل والممارسة وتفاعل العقول داخل فضاء تربوي مفتوح.

 

+ كيف تُترجم هذه المضامين رؤية جمعية الشعلة في المجالين الثقافي والتربوي؟

 

من المؤكد أن جمعية الشعلة تنطلق من تصور يعتبر أن الثقافة والتربية مجالان متكاملان لا يمكن الفصل بينهما. الفعل التربوي هو فعل ثقافي لأنه يسعى إلى بناء الإنسان القادر على الفهم والإبداع والتفاعل مع محيطه. لذلك، فإن المضامين التي تم الاشتغال عليها تعكس هذا التكامل، حيث يتم توظيف الثقافة كمدخل للتربية، والتربية كوسيلة لإنتاج ثقافة جديدة قائمة على القيم الإنسانية.

ومن المعلوم أن الجمعية تراهن على تنشيط ثقافي تربوي يتجاوز الشكل الاحتفالي نحو بناء الإنسان، حيث يصبح النشاط وسيلة لطرح الأسئلة، وتحفيز التفكير، وتطوير الحس النقدي لدى الأطفال والشباب. هذه الرؤية تفرض إعادة النظر في أدوار المنشط التربوي الذي يتحول من منفذ للأنشطة إلى فاعل ثقافي يساهم في تشكيل الوعي.

 

+ ما هي الرهانات التي تسعى الجمعية إلى تحقيقها من خلال هذا التكوين؟

 

الرهانات متعددة ومتشابكة منها بالأساس تحسين جودة الفعل التربوي داخل مؤسسات الطفولة والشباب عبر تأهيل الأطر وتمكينها من أدوات منهجية حديثة. وإعادة الاعتبار للعمل التربوي كرافعة أساسية للتنمية، في ظل تراجع الاهتمام بهذا المجال. فضلا عن بناء رأسمال بشري شعلوي قادر على حمل مشروع الجمعية والدفاع عن قيمها والانخراط في دينامية التغيير المجتمعي. هذا الرأسمال يقاس بجودة تكوين الأطر وقدرتها على التأثير داخل محيطها، ما يجعل التكوين استثمارا استراتيجيا طويل المدى.

+ كيف يمكن ربط هذا التكوين بأنشطة الفروع داخل مؤسسات الطفولة والشباب؟

 

العلاقة بين التكوين والممارسة الميدانية تشكل جوهر البرنامج، فكل ما تم الاشتغال عليه داخل التدريب يهدف إلى امتداده داخل أنشطة الفروع المحلية. المنشط الذي استفاد من التكوين يصبح مطالبا بنقل المكتسبات إلى فضائه المحلي، عبر تطوير برامجه وتحسين جودة أنشطته وإدماج مقاربات جديدة. كما يعزز التكوين قدرة الأطر على التشخيص الترابي، وهو عنصر أساسي لبناء تدخلات تربوية ناجعة، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصيات كل مجال وعدم اعتماد مقاربة موحدة، مما يجعل الأطر قادرة على بناء مشاريع تستجيب لحاجيات الفئات المستهدفة.

 

+ ما موقع تكوين الأطر ضمن السياسات العمومية الموجهة للشباب؟

 

تكوين الأطر يمثل أحد المداخل الأساسية للسياسات العمومية، لكنه مع الأسف لا نتوفر اليوم على سياسات عمومية موجهة للشباب، وكل ما هناك مجرد برامج قطاعية متناثرة تفتقد للاتقائية والتكامل بينها. وغالبا تبقى محصورة ضمن برامج قطاع الشباب، والدليل على ذلك فشل الاستراتيجية الوطنية المندمجة للشباب 2015ـ2030 ، وهو ما يبرز الفجوة بين الرسالة الاستراتيجية لجمعية الشعلة في مجال تكوين وتأهيل الشباب وبين البرامج القطاعية، حيث تراهن الجمعية على تجاوز هذه الفجوة عبر بناء نموذج تكوين وطني قادر على تأهيل الأطر لتمثيل القيم الحضارية والإنسانية التي تشكل صلب خياراتها، ورفع كفاءة الفعل التربوي والثقافي، وهو ما يقتضي اليوم من الحكومة المقبلة الانكباب على صياغة رؤية سياسية حقوقية ثقافية تعترف بأهمية الاستثمار في الإنسان كرافعة للتغيير المجتمع، بموازاة أوراش التنمية التي تعرفها بلادنا. 

 

+ هل هناك إمكانيات رصدت من طرف الوزارة لهذه التداريب؟

 

الإمكانات التي توفرها الوزارة تقتصر على الفضاء والتغذية والإشراف، وكل ما يتعلق بالمضمون التربوي والثقافي، والأطر الوطنية المشرفة على التكوين، والطباعة، ومواد وأدوات التنشيط، والأدوات المكتبية، وتعويضات نقل الأطر، تتكفل بها جمعية الشعلة. وهذا أمر لا يستقيم في ضل الرهانات الكبرى على الشباب كقاطرة للتغيير والتنمية، خاصة وأننا مطالبون بتجويد الممارسة التربوية. فالتكوين في مستوى الطموح يحتاج إلى دعم كامل من القطاع لتوفير الإمكانات الضرورية لنجاح البرامج وضمان التأثير الفعلي في الفئات المستهدفة.

 

+ في ظل هذه الرؤية، كيف تنظرون إلى مستقبل العمل التربوي داخل جمعية الشعلة؟

 

المستقبل يطرح تحديات كبيرة، لكنه يفتح آفاقا واعدة أمام جمعية الشعلة التي تمتلك رصيدا مهمّا من التجربة والخبرة. هذا الدور يفرض مواصلة الاستثمار في التكوين، وتعزيز البحث التربوي، والانفتاح على التجارب والطاقات الواعدة. الرهان اليوم يتجه نحو بناء نموذج تربوي يجمع بين التراكم التاريخي والتحديث، ويحتاج إلى أطر مؤهلة، ورؤية واضحة، وإرادة جماعية تؤمن بأن التربية والثقافة أساس أي مشروع مجتمعي، وهو ما اشتغلت عليه الجمعية ضمن مشروع المخطط الاستراتيجي 2026/2036.

 

+ ما هو انطباعك العام عن التدريب؟

 

هذا التدريب خطوة ضمن مسار طويل يتطلب نفسا استراتيجيا واستمرارية في الجهد، وجمعية الشعلة اختارت الاستثمار في الإنسان، لأنها تؤمن بأن التغيير الحقيقي ينطلق من الداخل، من بناء الوعي، ومن تأهيل الفاعلين. اليوم، التحديات متعددة، غير أن الإرادة قائمة لمواصلة المسار، خدمة لقضايا الطفولة والشباب، وإسهاما في بناء مجتمع يقوم على الحرية والديمقراطية والعدالة التربوية والثقافية. وفي اعتقادي هذه هي الرسالة التي حملها المتدربون في قلوبهم وعقولهم وإلى فروعهم وسيعملون على تجسيدها في المستقبل.