منذ الإعلان عن ورش إصلاح المنظومة الصحية بالمغرب، تم تقديم مشروع إحداث الهيئة العليا للصحة باعتباره أحد الأعمدة الأساسية للحكامة الصحية الجديدة، إلى جانب تعميم الحماية الاجتماعية وإعادة هيكلة العرض الصحي وإحداث المجموعات الصحية الترابية. وقد تم الترويج لهذه الهيئة كآلية مستقلة للتقنين والتقييم وإبداء الرأي العلمي والتقني، بما يضمن عقلنة القرار الصحي وفصل الوظائف بين التدبير والرقابة والتقييم.
غير أن ما يستوقف المتتبع للشأن الصحي هو حجم التأخر الزمني المتراكم منذ الإعلان عن هذه الهيئة. فقد صادق مجلس الحكومة على مشروع القانون 07.22 المتعلق بإحداث الهيئة العليا للصحة منذ دجنبر 2022، ونشره في الجريدة الرسمية سنة 2023، أي قبل أكثر من ثلاث سنوات من تاريخ كتابة هذه السطور. وطوال هذه المدة، لم يُعيَّن رئيس الهيئة إلا في أكتوبر 2024، ولم يُصادَق على مرسوم كيفيات تعيين أعضاء مجلسها إلا في يناير 2025، فيما لم تعقد الهيئة مجلسها الإداري الأول حتى اليوم. وهو ما يعني أن مؤسسة كان يُفترض أن تكون في طليعة منظومة الحكامة الصحية الجديدة، قضت أكثر من ثلاث سنوات في دهاليز التأجيل والانتظار، في مفارقة صارخة مع الإيقاع المتسارع الذي يُعلن عنه في خطاب الإصلاح الصحي.
غير أن المتتبع للشأن الصحي يلاحظ اليوم نوعًا من الغموض المؤسساتي الذي يلف مصير هذه الهيئة، خاصة بعد تعيين رئيسها دون أن يتم إلى حدود الساعة التفعيل الفعلي لاختصاصاتها أو إخراج بنيتها التنظيمية ومهامها إلى حيز التنفيذ العملي، في مقابل استمرار الوكالة الوطنية للتأمين الصحي في أداء جزء مهم من الوظائف التي كان يُفترض أن تنتقل تدريجيًا إلى الهيئة الجديدة.
هذا الوضع يطرح تساؤلات حقيقية حول مآل الإصلاح المؤسساتي للقطاع الصحي، وحول مدى قدرة الدولة على الانتقال من منطق المؤسسات المتداخلة إلى منطق الحكامة الواضحة المبنية على توزيع دقيق للاختصاصات.
لقد كان من المنتظر أن تشكل الهيئة العليا للصحة مؤسسة مرجعية مستقلة تضطلع بمهام تقييم السياسات الصحية، وتقنين الممارسات الطبية، وإبداء الرأي في البروتوكولات العلاجية، وتقييم التكنولوجيا الصحية ، إضافة إلى المساهمة في ضبط النفقات الصحية وضمان جودة الخدمات. وهي وظائف تتجاوز بكثير الدور التقليدي الذي كانت تضطلع به الوكالة الوطنية للتأمين الصحي، والتي ارتبط عملها أساسا بتنظيم وتقنين منظومة التأمين الصحي الإجباري.
لكن الواقع الحالي يوحي بأن الانتقال المؤسساتي لم يكتمل بعد، وأن هناك نوعًا من التردد أو البطء في تنزيل هذا الورش، سواء بسبب تعقيدات قانونية وتنظيمية، أو نتيجة صعوبات مرتبطة بإعادة توزيع النفوذ والاختصاصات داخل المنظومة الصحية. فاستمرار الوكالة الوطنية للتأمين الصحي في ممارسة أدوار داخل التأمين الصحي الإجباري في هاته الفترة الحساسة في مشروع تعميم الحماية الاجتماعية ، دون وجود الهيئة العليا للصحة قد يخلق حالة من التداخل المؤسساتي وعدم وضوح الرؤية لدى الفاعلين والمتدخلين.
والأكثر دلالة في هذا السياق أن المقارنة بين المؤسسات الصحية المُحدثة حديثا تكشف عن تفاوت صارخ في مستوى التفعيل المؤسساتي: فبينما أعلن رئيس الحكومة في يوليوز 2025 عن انعقاد أول مجلس إداري لكلٍّ من الوكالة الوطنية للتأمين الصحي والوكالة المغربية للدم ومشتقاته، تظل الهيئة العليا للصحة — التي يُفترض أنها قمة الهرم الرقابي والتقييمي في المنظومة الصحية — عاجزة حتى اليوم عن عقد مجلسها الإداري الأول. ذلك أن مرسوم كيفيات تعيين الأعضاء لم يُصادَق عليه إلا في 30 يناير 2025، مما يجعل مسطرة اكتمال التعيينات وانعقاد المجلس غير مكتملة قانونيا وعمليا. وهذا التفاوت بالذات هو ما يُعمّق ظاهرة التداخل المؤسساتي، ويُجسّد الفجوة القائمة بين الإطار القانوني المكتمل شكليا والاشتغال المؤسساتي الغائب فعليا.
الأخطر من ذلك أن تأخر تفعيل الهيئة العليا للصحة قد يؤثر على أحد الأهداف الجوهرية للإصلاح الصحي، والمتمثل في بناء منظومة قائمة على التقييم العلمي والاستقلالية المؤسساتية في اتخاذ القرار الصحي. ففي غياب مؤسسة قوية ومستقلة للتقييم والتقنين، قد يستمر تدبير بعض الملفات الصحية بمنطق إداري أكثر منه بمنطق علمي وتقني، خصوصا في القضايا المرتبطة بتسعير العلاجات والأدوية وتقييم النجاعة الطبية وترشيد النفقات.
كما أن هذا التأخير ينعكس أيضا على صورة الإصلاح الصحي لدى الرأي العام والمهنيين، الذين كانوا ينتظرون انتقال فعلي نحو نموذج مؤسساتي جديد يقطع مع الاختلالات القديمة ويؤسس لحكامة صحية أكثر وضوح وشفافية.
نجاح الإصلاح الصحي لا يقاس فقط بإصدار القوانين أو تعيين المسؤولين، بل بقدرة المؤسسات الجديدة على الاشتغال الفعلي والاضطلاع بأدوارها بكفاءة واستقلالية. لذلك، فإن المرحلة الحالية تستدعي توضيح الرؤية بخصوص مصير الهيئة العليا للصحة، وتسريع استكمال تعيين أعضاء مجلس الهيئة وعقد أول دورة لها، حتى لا يتحول هذا الورش إلى مجرد عنوان إصلاحي مؤجل التنفيذ خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية ووصول حكومة جديدة.
فالمغرب اليوم، وهو يخوض أحد أكبر الأوراش الاجتماعية في تاريخه الحديث، يحتاج إلى مؤسسات صحية قوية وفعالة، قادرة على مواكبة التحولات الكبرى التي يعرفها القطاع، وعلى ضمان التوازن بين الحق في العلاج واستدامة التمويل وجودة الخدمات. أما استمرار الغموض المؤسساتي، فقد يؤدي إلى إضعاف دينامية الإصلاح وإرباك الفاعلين داخل منظومة صحية لا تحتمل مزيدًا من التداخل والانتظار.