samedi 2 mai 2026
مجتمع

فكري سوسان: الحسيمة:.. المدينة الخلّاقة أو نهاية الانتظار؟

فكري سوسان: الحسيمة:.. المدينة الخلّاقة أو نهاية الانتظار؟ فكري سوسان ومشهد من الحسيمة

بين الوعد المؤسسي المتجدد وخطاب التهميش المتكرر، تجد الحسيمة نفسها محاصرة في مأزق مزدوج. فهل يمكن لمفهوم المدينة الخلّاقة* أن يفتح أمامها أفقاً جديداً؟


 

ثمة صورة تعود إلى الذاكرة كلما جرى الحديث عن الحسيمة. صورة مدينة معلّقة بين البحر والجبل، بين زرقة المتوسط الداكنة وخضرة الريف العميقةمدينة يتناقض جمالها الطبيعي الأخّاذ مع واقع يومي قاس لا يعرف المجاملة ولا يتوسل بالاستعارة.

شوارع منهكة تحوّلها أمطار الخريف الأولى إلى مجاري طينية، فيما يتسابق المسؤولون المحليون أنفسهم على تدشين مشاريع تُصوَّر للشبكات الاجتماعية ثم تُنسى. فواتير الماء والكهرباء ترتفع دون أن يُقدّم أحد تفسيراً مقنعاً — وهذا ليس مجرد إحساس عابر: فوفق بيانات المندوبية السامية للتخطيط، تحتل الحسيمة باستمرار مرتبة من بين أغلى مدن المملكة من حيث ارتفاع أسعار الاستهلاك، ولا تسبقها في ذلك سوى الدار البيضاء، مع معدلات زيادة تتجاوز المعدل الوطني في معظم بنود الإنفاق. شقة متواضعة تُكرى بثلاثة آلاف درهم في فاس تكلّف هنا ضعف ذلك. والسمك الذي يُصطاد على بُعد مئات الأمتار من الميناء يصل إلى الموائد بأسعار لا يجد السكان لها تفسيراً، ولا يجد المنطق لها مسوّغاً. الحياة هنا غالية بمداخيل مدينة فقيرةوهذه المفارقة الصامتة اليومية تنخر في النفوس أعمق بكثير مما تفعله الخطابات الكبرى عن التهميش.

ثم يأتي الصيف. في كل يوليوز، تستعير المدينة وجهاً ليس وجهها، أو بالأحرى يُفرض عليها. جزء من أبناء المهجر يحلّون ضيوفاً، أولئك الذين لم يختاروا إسبانيا أو وجهة أخرى أكثر جاذبية وأقل كلفة، فترتفع الأسعار من جديد، وتكتظ الشوارع، ويتحول شاطئ البحر إلى ملعب تهرب منه في نهاية المطاف عائلات المقيمين الدائمين

هذه الفوضى الصيفية ليست نبضاً من نبضات الحياة، بل هي علامة على اقتصاد لم يعرف كيف يبني شيئاً سوى التبعية الموسمية. خمسة وعشرون يوماً من الأوكسجين الاقتصادي، وأحد عشر شهراً من الاختناق. وثمة مؤشر لقياس ذلك لم تفكر فيه أي مؤسسة رسمية، لكن خبّازي المدينة يعرفونه بدقة متناهية: منحنى إنتاج الخبز. يرتفع خمسة وعشرين يوماً، المدة الحقيقية للموسم، ثم ينهار. ليس تدريجياً. بل فجأة، كأن المدينة تُفرغ رئتيها دفعة واحدة. ربما تكون هذه أصدق إحصاءات اقتصاد الحسيمة على الإطلاق: لا تصدر عن تقرير رسمي، بل تصدر عن الأفران.

لن يعدم المرء من يقول إن المدينة لم تعد تماماً كما كانت. صحيح أن الطريق السريع بين تازة والحسيمة فتح نَفَساً جديداً، إذ جلب سياحة داخلية لم تكن موجودة من قبل، عائلات من فاس ومن تازة تكتشف المدينة للمرة الأولى عبر الطريق. لكن الطريق وحده لا يصنع اقتصاداً سياحياً. إنه يهيّئ الشروط، بشرط أن يواكبه الباقي: حسن الاستقبال، والبنية التحتية، والعرض الثقافي، والنظافة، والخدمات. وهنا بالضبط تُخيّب المدينة توقعات من يصلها بانتظارات. حين تعود الدراسة، تعود المدينة إلى صمتها الذي يشبه الهجران لأنه يشبهه حقاً.

وأخيراً، ثمة العزلة، الأشد إيلاماً، والأكثر كشفاً عن طبيعة الأزمة. الحسيمة مدينة متوسطية بلا تواصل متوسطي يليق بها. براً،تبقى الطرق الوطنية على عهدها القديم: طويلة ملتوية مُضنية، لا تناسب طموح مدينة تريد الانفتاح. 

جواً، مطار الشريف الإدريسي، وما في هذا الاسم من مفارقة مؤلمة: ذلك الجغرافي العربي من القرن الثاني عشر الذي رسم خريطة العالم المعروف من باليرمو، وتبقى مدينته اليوم من أقل مدن المغرب ارتباطاً بالعالم الخارجي، يشتغل دون طاقته الفعلية بكثير، مع رحلات غير كافية وتذاكر تُحوّل كل سفر إلى حساب عسير للعائلات. بحراً، يبقى هذا المتوسط الذي يُحاضن المدينة منذ الأزل، والذي يمكن أن يجعل منها عقدة طبيعية بين المغرب وشبه الجزيرة الإيبيرية وسائر الحوض المتوسطي، مهمَلاً بشكل يستعصي على التبرير. مدينة بحر بلا ميناء للمسافرين. مدينة جبل سيئة التوصيل. مدينة مهجر بلا مركز ربط.

شباب يغادرون، نحو طنجة، نحو أمستردام، نحو أي مكان، لا بحثاً عن المغامرة، بل لأن البقاء أصبح أكثر أشكال التخلي رقة. ولأن الرحيل أصبح، في نهاية المطاف، أقل تعقيداً من محاولة البقاء على اتصال.

 

لا تحتاج الحسيمة إلى تشخيص جديد. منذ سنوات، تُحلَّل المدينة وتُخطَّط وتُطوَّر، والكلمة تبلى من كثرة الاستخدام، عبر تراكم لا ينتهي من التقارير والبرامج التي تصف هشاشاتها بدقة شبه قاسية دون أن تتمكن من تحويلها تحويلاً دائماً. من مكاتب الاستشارات إلى المؤسسات الدولية، النظرة الموجَّهة إليها هي في الغالب نظرة خبرة نائية تقيس دون أن تسكن، وتصف دون أن تتورط، وترحل بخلاصاتها فيما تبقى المدينة وحيدة مع مشكلاتها.

ولا تحتاج إلى مرافعة جديدة تندّد بتهميشها. هذا الخطاب، على مشروعيته التاريخية العميقة والمؤلمة، أفرز بلاغة للشكوى تحبس المدينة في نقائصها بدلاً من أن تفتحها على ممكناتها. الشكوى حين تتكرر تصبح هوية. والمدينة التي تتماهى مع جراحها تُخاطر بألا تعرف نفسها خارجها بعد ذلك. أهل الحسيمة أعلم الناس بذلك: ثمة إرهاق في هذا الخطاب، وملل عميق من رواية الذات دائماً بوصف الضحية، حتى حين كان ذلك صحيحاً.

بين هذين السرديين، الوعد المؤسسي المؤجل إلى ما لا نهاية والتشخيص النقدي الذي ينغلق على نفسه كسجن مريح، تجد الحسيمة نفسها في حالة من التعليق المقلق. الأول يرسم مستقبلاً لا يأتي. والثاني يُعيد إنتاج حاضر بلا أفق. ولا يمكن لأي مدينة أن تعيش طويلاً في هذا البين-بين. ولا حتى مدينة عنيدة الحياة كهذه.

لهذا يستحق السؤال أن يُطرح بصيغة مغايرة، وبكل الجدية التي يستحقها: هل تستطيع الحسيمة أن تُفكر في ذاتها بوصفها مدينة خلّاقة؟

 

قد يبدو السؤال استفزازياً، بل ضرباً من التجاوز، في ضوء الواقع اليومي الذي يعيشه السكان. بنية تحتية هشة، واقتصاد موسمي يستيقظ في يوليوز وينام في شتنبر، وشباب مضطر إلى الهجرة، ونسيج جمعوي متهالك، ومؤسسات محلية حوّلت في أحيان كثيرة تدبير الشأن العام إلى مسار شخصي.

في هذا السياق، قد يبدو الحديث عن الإبداع الحضري ترفاً فكرياً لا محل له إلا في الملتقيات الأكاديمية، بعيداً عن هموم من لا يجد موقفاً للسيارة أمام سوق غرق في البسطات العشوائية، أو المريض المضطر إلى قطع مسافات طويلة، نحو الناظور وطنجة وفاس والرباط، للحصول على استشارة طبية متخصصة.

فالصحة هي ربما الميدان الذي تتجلى فيه الهوة بين الخطاب والواقع بأشد صورها وطأة. الحسيمة تزودت عام 2024 بمستشفى إقليمي محمد السادس، 250 سريراً، 609 ملايين درهم استثماراً، تجهيزات من الجيل الأخير، رنين مغناطيسي، ملفات طبية رقمية. على الورق، الاستثمار حقيقي. التجهيزات موجودة.

لكن ما لا تقوله البلاغات الرسمية هو أن هذه المنشأة الجديدة، المشيّدة خارج المدينة على رقعة أرضية شاسعة، رافق بناؤها إغلاق تدريجي لمستشفى محمد الخامس الذي كان يخدم منذ عقود ليس المدينة وحدها بل الإقليم بأسره، وكان يتمتع بميزة لا تُعوَّض: موقعه في قلب النسيج العمراني، في متناول الأقدام، معروف لدى الجميع، مندمج في الجغرافيا اليومية للسكان. استُبدل مستشفى القرب بمنشأة حديثة لكنها طرفية. منطق التخطيط الصحي يُقدّم المبنى الجديد على إمكانية الوصول الفعلي. يحسب الأسرّة والأجهزة دون أن يحسب الكيلومترات وتكلفة النقل للأسر التي لا تملك سيارة، وللمسنين، ولحالات الطوارئ الليلية. هذه هي المفارقة الحقيقية، التحديث بوصفه شكلاً من أشكال الإبعاد، التي تُجسّد ربما أفضل من أي مثال آخر الطريقة التي تُفكَّر بها الحسيمة وتُخطَّط: من الخارج، على الورق، دون استيعاب تجربة من يسكنها ويحتاجها.

الأم التي تقصد طبيباً متخصصاً في الناظور أو طنجة أو الرباط لا تفعل ذلك لأن التجهيزات غائبة. تفعل ذلك لأن المستشفى القائم لا يتوفر على التخصصات التي تحتاجها، أو لأن فترات الانتظار طالت حتى بات السفر إلى مكان آخر الحل الأقل إيلاماً. هذا ليس مشكلة بنية تحتية. إنه مشكلة موارد بشرية طبية، ومشكلة متخصصين لا يستقرون في مدينة يرونها هامشاً، ومشكلة سياسة صحية تبني الجدران دون أن تملأها دائماً بالكفاءات.

غير أن السؤال الذي نطرحه يذهب في الاتجاه المعاكس تماماً. طرح مسألة المدينة الخلّاقة في هذا السياق بالذات هو رفض لشكلين من أشكال الاستسلام يتشابهان أكثر مما يبدو. الاستسلام الصاعد، ذلك الذي يتمثل في انتظار تنمية قادمة من فوق، من الرباط أو الاتحاد الأوروبي أو مستثمر مُنقذ لا يأتي أبداً. والاستسلام النازل، ذلك الذي يختزل المدينة في جرد إخفاقاتها، ويجعل من الوضوح النقدي غاية في ذاتها لا نقطة انطلاق. إنه يدعو إلى مسار ثالث أكثر صرامة لأنه لا يعد بشيء ولا يشكو من شيء: مسار مدينة قادرة على إنتاج معناها بنفسها انطلاقاً من مواردها الخاصة، بما فيها الموارد التي لا ينظر إليها أحد لأنها لا تظهر في أي سطر من سطور الميزانية.

 

فالحسيمة ليست مجرد مدينة في ضائقة. إنها مدينة ذاكرتها ممتدة في عمق الزمن، وهذه الذاكرة قوة لا ثقل، شريطة أن نقرأها بعيون أخرى لا ترى فيها سرداً للآلام وحسب.

لهذه الذاكرة عمق لا تستطيع كثير من المدن المغربية المقاربة لها في الحجم أن تدّعيه. في مطلع القرن العشرين، في هذه الجبال الريفية ذاتها، استطاع مجتمع هُمِّش من قِبَل القوى الاستعمارية آنذاك أن ينتج، انطلاقاً من موارده البشرية والثقافية الخاصة، واحدة من أبرز تجارب التنظيم الجماعي في العالمين العربي والأفريقي في تلك الحقبة. لا رغم عزلته، بل تحديداً بسببها. هذا ما فهمه ابن خلدون، ذلك المفكر المغاربي من القرن الرابع عشر، قبل غيره بقرون: التحولات التاريخية الكبرى لا تولد في المراكز المطمئنة في راحتها، بل في الأطراف حيث الرابطة الاجتماعية لا تزال حية، غير فاسدة، قادرة على التعبئة الجماعية. وقد سمّى هذه الرابطة العصبية، تلك الطاقة التضامنية التي حين تكون سليمة تُزحزح الجبال وتُعيد رسم الموازين. والريف في مطلع القرن الماضي كان تلك الطرف بعينها.

ولم تختفِ هذه العصبية الريفية قط. لقد تجلّت عبر العقود بأشكال متعددة، أحياناً في التوتر، أحياناً في المطالبة، وفي جميع الأحوال في وعي بهوية خاصة تستحق مكانها الكامل في السردية الوطنية. وحراك 2016-2017 هو أحدث تعبير عنها وأكثره توثيقاً: مدينة انتفضت بشكل سلمي لتطالب بما يحق لكل مواطن أن يناله، طرقاً ومستشفيات وكرامة. لا "انفصالاً" عن المغرب، بل مطالبة موجَّهة إليه.

وثمة اللغة. تاريفيت، هذا الفرع من الأمازيغية الذي هو لغة التفكير والحلم والمحبة عند أهل الحسيمة قبل أن يكون لغة الإدارة أو المدرسة، لا يزال يحمل رؤية للعالم، وجمالية، وطريقة فريدة في سكن الزمن والمكان لا يملكها غيره. الفنانون الريفيون الذين ينتجون اليوم بالتاريفيت، موسيقيون وشعراء ومصورو فيديو وفرق مسرحية، يتراكمون على المنصات الرقمية جمهوراً لم تستطع السياسات الثقافية الرسمية يوماً أن تستشرفه أو ترافقه. هذا ليس تفلكلراً. هذا إبداع حضري حيّ يتكشّف خارج المؤسسات لأن المؤسسات لم تحسن توفير الفضاء له.

وأخيراً، ثمة المهجر. الريفيون المقيمون في أمستردام وبروكسيل وألميريا وطنجة والدار البيضاء ليسوا خسارة ديموغرافية. إنهم امتداد عابر للحدود للمدينة، مدينة غير مرئية لكنها حقيقية، موزعة على ضفتين من المتوسط، تربطها روابط من كثافة وجدانية وهوياتية لا يكفي المنطق الاقتصادي لتفسيرها. الشاب العائد كل صيف من أوروبا يحمل معه أصواتاً ومرجعيات وتجارب في الحوكمة المحلية وطرقاً مختلفة في تصور الفضاء العام، تتفاعل مع أشكال حيةنادرا من المعرفة المحلية لتُنتج هجنة ثقافية دائمة التجدد. هذا إبداع حضري عابر للحدود. إنه موجود. إنه قوي. وهو شبه غائب عن السياسات المحلية.

 

هذه العناصر لا تنتمي إلى الحنين ولا إلى التمجيد. إنها موارد حقيقية وملموسة وقابلة للتعبئة، شريطة الاعتراف بها بوصفها كذلك. لكن المشكلة هنا بالضبط: تبقى هذه الموارد غير مرئية إلى حد بعيد في السياسات الراهنة التي تواصل النظر إلى المدينة بوصفها موضوعاً يُهيَّأ من الخارج، لا فاعلاً قادراً على تعريف نفسه من الداخل.

نُخطط للمدينة. ونتحدث عن المدينة. لكننا نادراً ما نصغي إليها.

وحين نتحدث معها، حين نمنحها الكلمة في المجالس الجماعية، وفي المشاورات العامة، وفي الفضاءات الجمعوية التي تصمد رغم كل شيء، نكتشف ذكاءً جماعياً يُفاجئ فعلا. قدرة على تشخيص المشكلات بدقة لا يبلغها دائماً الخبراء القادمون من الخارج. وعي حاد بما لا يسير وبما يمكن أن يسير. مطلبية، أحياناً حادة، ليست عنفاً بل كرامة: كرامة شعب يعرف ما يستحقه وقد انتظر طويلاً جداً.

في الوقت ذاته، سيكون من غير الأمانة ألا نُسمّي ما قد يُنتجه الخطاب النقدي أحياناً من أثر جانبي غير مقصود. في وصفه الدقيق للإعاقات، الزبونية الانتخابية، وغياب الرؤية الاستراتيجية، والتدبير اليومي الذي يخلط بين الاستعجال والحكامة، يكشف عن خلل بنيوي عميق. لكنه حين يقف عند هذا الحد يُخاطر، رغم نفسه، بالمساهمة في الجمود الذي يُدينه. إذ لا يمكن لأي تحول أن يُولد من احتباس مزدوج: احتباس الوعود التي لا أثر لها، واحتباس التشخيصات التي لا أفق بعدها.

 

هنا بالضبط يستعيد مفهوم المدينة الخلّاقة معناه الحقيقي، بوصفه مطلباً سياسياً وأخلاقياً يقوم على تفعيل الموارد الداخلية لمجتمع ما من أجل إنتاج أشكاله الخاصة في التنظيم والابتكار والانعكاس على الذات.

المدينة الخلّاقة ليست مدينة غنية. وليست مدينة مثالية. وليست مدينة بلا صراعات، والحسيمة، مدينة المقاومة، لم تدّعِ يوماً أنها كذلك. إنها مدينة ترفض أن تُعرَّف بنقائصها وحدها. إنها مدينة تقرر، في لحظة من لحظات تاريخها، أن تُفكر في نفسها بوصفها فاعلاً في مصيرها الخاص،لا موضوعاً لسياسات الآخرين.

السؤال المطروح في مستهل هذا النص لا يستدعي جواباً قاطعاً. إنه يستدعي قراراً جماعياً. وهذا القرار يعود في المقام الأول إلى أهل الحسيمة أنفسهم، إلى من يسكنونها، وإلى من غادروها دون أن يتركوها حقاً، وإلى من يحكمونها وأمامهم بعد الفرصة للاختيار بين سياسة المواقع وسياسة المشاريع.

بين التسيير والبناء. بين الإدارة والتخيّل. بين مدينة يكتفى بالعيش فيها  ومدينة يُبتكر فيها.

البحر المتوسط ينتظر منذ زمن طويل على هذه الضفة. والريف أثبت منذ زمن طويل أنه يعرف كيف يحوّل الانتظار إلى فعل.


 

*ما هي المدينة الخلّاقة؟

نشأ مفهوم الـ Ville Créative في تسعينيات القرن الماضي في العالم الأنغلوساكسوني. أرسى Charles Landry أسسه النظرية في كتابه The Creative City (2000): الـ Ville Créative ليست بالضرورة مدينة غنية أو متقدمة تكنولوجياً. إنها مدينة يتوفر فيها السكان على الشروط التي تُمكّنهم من تحويل تجربتهم الجماعية، بما فيها تجربة الشدة والمقاومة، إلى مورد للابتكار الاجتماعي والثقافي والسياسي.

شاع المفهوم لاحقاً، واختُزل جزئياً، على يد الاقتصادي الأمريكي Richard Florida الذي اختصر الإبداع الحضري في جاذبية الاستثمار وتنافسية الأقاليم. وقد انتقدت عالمة الاجتماع الفرنسية Elsa Vivant هذا الانزياح بصرامة في كتابها Qu'est-ce que la ville créative ? (2009): حين تُوظَّف لخدمة المنطق الليبرالي الجديد، تتحول الـمدينة الخلاقة إلى لافتة تسويقية تُفيد المستثمرين أكثر مما تُفيد السكان.

لهذا يُوظَّف المفهوم في هذا النص بصيغته النقدية والإنسانية، تلك التي لا تُعنى بالأحياء العصرية والمهرجانات الدولية، بل بالموارد غير المرئية: لغة حية، وذاكرة جماعية، ومهجر متصل، وعصبية، بالمعنى الذي أسّس له ابن خلدون، المفكر المغاربي من القرن الرابع عشر، حين جعل منها المحرك الأساسي لكل ديناميكية حضارية، لم تنكسر قط.

في هذا الأفق، الـمدينة الخلاقة ليست مدينة مثالية. إنها مدينة ترفض أن تُعرَّف بنقائصها وحدها، وتقرر أن تُفكر في نفسها بوصفها فاعلاً في مصيرها.