في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الدولية وتتعقّد فيه قضايا الهجرة، يأتي كتاب عالم الاجتماع إدريس أجبالي ليقدّم قراءة مختلفة لمسار الهجرة المغربية، لا بوصفها ظاهرة اقتصادية فحسب، بل باعتبارها مساراً سياسياً واجتماعياً عميقاً يمتدّ على مدى ستة عقود.
من خلال عمله “الهجرة والسياسة: المعادلة المغربية”، يقترح أجبالي تفكيكاً هادئاً ولكن حاداً في عمقه، يعيد طرح الأسئلة الأساسية حول علاقة الدولة بمواطنيها في الخارج، وحول معنى الانتماء في زمن العولمة.
منذ الصفحات الأولى، يتضح أن الرهان الأساسي لهذا العمل هو الخروج من القراءة التقليدية التي اختزلت الهجرة في تحويلات مالية وأرقام اقتصادية. فالمؤلف ينتقد هذا التبسيط الذي حوّل المهاجر إلى مجرد “فاعل اقتصادي”، مؤكداً أن الهجرة المغربية هي قبل كل شيء قضية هوية وسياسة وعلاقات دولية . بهذا المعنى، لا يعود المهاجر مجرد مصدر للعملة الصعبة، بل يصبح فاعلاً ضمن معادلة معقدة تتداخل فيها رهانات الدولة، وتحولات المجتمعات الأوروبية، وأسئلة الاندماج والانتماء.
أحد أهم عناصر قوة هذا العمل يكمن في مقاربته التاريخية المنهجية. إذ يقسّم أجبالي تطور سياسات الهجرة المغربية إلى مراحل واضحة، تبدأ من ستينيات القرن الماضي مع الاتفاقيات الثنائية التي نظّمت انتقال اليد العاملة، مروراً بمرحلة السبعينيات ذات الطابع الأمني، ثم الثمانينيات حيث برزت سياسة “التشبث بالوطن الأم”، وصولاً إلى بناء منظومة مؤسساتية أكثر تعقيداً ابتداءً من التسعينيات، وانتهاءً بالعهد الحالي حيث أصبحت قضية الهجرة في صلب الاهتمام الملكي. هذا التقسيم لا يكتفي بسرد التاريخ، بل يكشف عن دينامية التفاعل المستمر بين المغرب وبلدان الاستقبال، ويُبرز كيف كانت السياسات الوطنية في كثير من الأحيان ردّ فعل على تحولات الخارج.

وفي قلب هذا التحليل، يطرح المؤلف فكرة جريئة تتمثل في رفض توصيف الهجرة المغربية بـ”الدياسبورا”. فبالنسبة له، هذا المصطلح لا ينطبق على الحالة المغربية التي لم تكن نتيجة هجرة قسرية جماعية، بل مساراً تدريجياً متنوعاً في الزمن والوجهات. هذا الطرح لا يكتفي بإعادة تعريف المفهوم، بل يفتح باباً لنقاش أوسع حول طبيعة الروابط التي تجمع مغاربة العالم بوطنهم، وحول الحدود بين الانتماء الوطني والاندماج في مجتمعات الاستقبال.
كما يبرز الكتاب بوضوح الدور الحاسم للمؤسسة الملكية في بلورة سياسات الهجرة. فمن خلال قراءة ممتدة من عهد الحسن الثاني إلى عهد محمد السادس، يخلص أجبالي إلى أن التحولات الكبرى في هذا الملف جاءت غالباً بدفع ملكي مباشر، في مقابل نوع من عدم الاستمرارية على المستوى الحكومي. هذا الاستنتاج يمنح الكتاب بعداً سياسياً واضحاً، ويعيد طرح سؤال الحكامة في تدبير ملف استراتيجي بهذا الحجم.
ومع ذلك، لا يخلو العمل من بعض الحدود. فطابعه الأكاديمي الكثيف قد يجعله بعيداً نسبياً عن القارئ العام، كما أن تركيزه على البعد المؤسساتي والسياسي يتم أحياناً على حساب التجربة الإنسانية للمهاجرين أنفسهم. فالنص، رغم غناه التحليلي، يظل في كثير من لحظاته قراءة “من الأعلى”، حيث تغيب الحكايات الفردية التي تمنح الظاهرة بعدها الحيّ والملموس.
يشكّل كتاب "الهجرة والسياسة: المعادلة المغربية" ، إضافة نوعية للنقاش حول الهجرة المغربية، لأنه لا يكتفي بإعادة سرد التاريخ، بل يسعى إلى إعادة صياغة الأسئلة. إنه كتاب يحرّر الهجرة من اختزالها الاقتصادي، ويضعها في قلب الرهانات الكبرى للدولة والمجتمع.
بين التحليل الأكاديمي والبعد الشخصي، ينجح مرة أخرى عالم الاجتماع إدريس أجبالي، في تقديم عمل يفتح آفاقاً جديدة للتفكير، ويؤكد أن فهم الهجرة المغربية يمرّ بالضرورة عبر فهم علاقتها العميقة بالسياسة والهوية والتحولات العالمية.



