jeudi 30 avril 2026
كتاب الرأي

عبد الرحيم بوعيدة: المحاماة.. رسالة لا سياجاً

عبد الرحيم بوعيدة: المحاماة.. رسالة لا سياجاً عبد الرحيم بوعيدة

عبر التاريخ، ظلّت المحاماة رسالةً سامية، تُرتدى بدلتُها كما تُرتدى الدروع في ميدان الحق، وتُحمل قضيّتُها كما تُحمل الأمانات الثقيلة..
رسالةٌ ارتضت لنفسها أن تكون نبراساً في الظلام، وصوتاً حين يخرسُ الإنصاف. ولأنها كذلك، فقد ولدت حرّة، أبيّة، لا تحتاج إلى أسوارٍ تُقام من حولها، ولا إلى أقفالٍ تُغلق في وجه من يطرق بابها بكفاءةٍ واستحقاق..

المحامي، في جوهره، ابنُ الجامعة التي احتضنته، خرّيجُ كليّة الحقوق التي صنعت منه ما هو عليه، تتلمّذ على أيدي أساتذةٍ أعطوه من علمهم ما أعطوا، ثم عاد بعضُهم إلى تلك القاعات ذاتها ليُدرّسوا، حاملين معهم ما تعلّمته أصابعهم في أروقة المحاكم وما خزّنته أرواحهم من اشتباكٍ يومي مع الواقع..
وتلك في نظري، ازدواجيةٌ جميلة نادرة؛ حين تلتقي الصنعةُ بالفقه، والنظريُّ بالعملي، يولد جيلٌ من الطلبة لا يعرف التشريعَ حروفاً مكتوبة وحسب، بل يشعر به دماً يجري.

غير أن ما يستدعي هذا الكلام ليس استعراضاً للبيان، بل هو واقعةٌ تُحزن وتُقلق في آنٍ معاً.. 
نحن، أساتذةَ القانون في الجامعات المغربية، فوجئنا ـ بحقٍّ فوجئنا ـ ونحن نناقش مشروع القانون المنظِّم لمهنة المحاماة في لجنة العدل والتشريع، بأن ثمة يداً تُحاول أن تُوصد الباب في وجوهنا؛ أن تجعل من التنافي بين مهنة المحاماة وكرسيّ الأستاذ الجامعي أمراً مقنّناً، كأنّنا غرباءُ عن هذه المهنة أو طارئون على معبدها..
ولكي تتّضح الصورة بكل تفاصيلها المُرّة؛ هذا المنع لا يوجد إلا هنا، في هذا البلد وحده.. 
في الشرق كما في الغرب، في القارّات كلّها، يلجُ الأستاذ الجامعيُّ مهنةَ المحاماة دون قيدٍ يكبّله، لأنه يُعدُّ قيمةً مُضافة لها، كما أن المحامي الممارِس قيمةٌ مضافة للجامعة.. التكاملُ هو القانون هناك.. أما هنا، فبعض هيئات المحامين تعترض، ونحن لا نعلم لماذا، ولا نجد لذلك تفسيراً يُقنع العقل أو يُرضي الضمير..

لسنا خصوماً.. ولسنا منافسين.. وقلّةٌ منّا من يرغب في ولوج هذه المهنة؛ لو أراد لدخلها حين كانت أبوابها أوسع وشروطها أيسر مما هي عليه اليوم..
أمّا أنا شخصياً، فلو كانت نيّتي أن أكون محامياً، لكنتُ ذلك قبل خمسةٍ وثلاثين سنة، لكنني اخترت الجامعة وطناً، وآثرتُها سبيلاً.. 
ومع ذلك، أرفض أن يُغلق بابٌ في وجهي أو في وجه أحدٍ من زملائي بغير حقّ..
واليوم، والعالم يتسارع نحو الرقمنة والتخصص الدقيق، والقضايا القانونية تزداد تشابكاً وتعقيداً، أحوجُ ما تكون مهنة المحاماة إلى أن تنفتح على الجامعة؛ تستفيد من بحثها وتُفيد طلابها..
الانغلاق في زمن الانفتاح ليس حمايةً، بل هو تراجعٌ..

وحتى لا يُرمى بهذا الملفّ في ملعب وزير العدل، فقد صرّح هو نفسُه، داخل لجنة العدل والتشريع، بأن انضمام الأساتذة الجامعيين إلى المهنة يمثّل قيمةً مضافة حقيقية..
إذن الكرةُ الآن في ملعبكم، أيها النقباء والمحامون الكرام..

الجامعةُ بيتُكم الأول.. هي التي احتضنتكم وأنتم صغار، وفتحت لكم أبواب المعرفة على مصراعيها، وصنعت منكم ما أنتم عليه.. 
ونحن نرحب بكم اليوم وكل يوم في قاعاتها مُدرِّسين ومُؤطِّرين.. فلماذا تمنعون قلّةً منّا ممن يرغبون في الجمع بين الأمرين، من حقٍّ لم يُنكره عليهم العالمُ أجمع؟
نحن لا نطلب منّةً تُسدى، بل نطالب بحقٍّ موثّق في كل التشريعات المقارنة، وثابتٍ للسادة القضاة المحترمين الذين لا أحد يُجادل في أحقّيتهم.. فكيف يكون القاضي أهلاً وأستاذ القانون لا يكون؟

أرجوكم، لا تحوّلوا مهنةً ولدت حرّة إلى سياجٍ فئوي مُحكَم، يدخله مَن تختارون ويقف خارجه من تشاؤون..
تتلمّذنا على يدَي أساتذةٍ جمعوا بين المنبر الجامعي وقاعة المحكمة في سنوات الثمانينيات والتسعينيات الذهبية، منهم من رحل فأسبغ الله عليه واسع رحمته، ومنهم من لا يزال بيننا يُضيء، أطال الله أعمارهم وحفظهم..
أفكانوا هم خطأً يجب ألّا يُعاد؟

هذه رسالة أستاذٍ جامعي إلى كل محامٍ في هذا الوطن؛ رسالةُ تفاهمٍ لا خصومة، ومدٍّ للأيدي لا إشهارٍ للمواقف، ونظرةٌ إلى الغد لا احتكامٌ إلى الغرور..
نحن لسنا خصومكم.. ولسنا منافسيكم.. 
نحن أساتذتُكم، ونفتخر بما صنعناه منكم، وندافع عنكم حين يُعتدى على حقوقكم..

فلا تُغلقوا الباب.. 
فنحن وإياكم، في النهاية، إخوةٌ على سررٍ متقابلين.

 

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg