jeudi 30 avril 2026
فن وثقافة

أسفي.. هكذا خلد "أنخيل بيستانيا" السلطان محمد الخامس قائد معركة الاستقلال على صهوة جواده

أسفي.. هكذا خلد "أنخيل بيستانيا" السلطان محمد الخامس قائد معركة الاستقلال على صهوة جواده النملي يتوسط التحفة الفنية والمبدع الإسباني

النموذج الفني الناجح العابر للحدود

لم يتعود المغاربة على رؤية التماثيل التي تجسد شخصيات طبعت تاريخ الوطن، لكن وسط بهو قصر بلدية مدينة آسفي، يُوجد تمثال ضخم أبيض، في غاية الجمال والإبداع، نُفذ بدقة تشريحية عالية، يجسد السلطان محمد الخامس، جد الملك محمد السادس، وهو يمتطي صهوة جواد عربي، بلباس مغربي أصيل (السَّلْهَامْ)، يمسك بيده اليسرى لجام الفرس، ويمناه مبسوطة تحيي الجماهير.

 

ويُعد هذا التمثال، الفريد من نوعه بالمغرب، من أبرز الأعمال النحتية المُذهلة التي أنجزها الفنان الإسباني الراحل "أنخيل بيستانيا Angel Pestaña" سنة 1963. وشارك في هذا العمل عدد من تلامذته المغاربة. ويُروى أن "بيستانيا"، الذي ولد بتاريخ 12/3/1932 بمدريد ووافته المنية بتاريخ 3/10/1999، استقر بآسفي وأحب المدينة وتأثر بأجوائها الفنية وبها أنجب أبناءه الثلاثة. استعان بصور فوتوغرافية دقيقة للملك الراحل محمد الخامس، وبخيول حقيقية في منطقة عبدة كانت تُجلب له ليدرس تشريحها العضلي أثناء الحركة، فجاء الحصان في التمثال ممتلئاً وقوياً، وهو ما يعكس قوة "الْخَيْلْ الْعَبْدِي".

 

رمزية توقيت الإنجاز (1963)

يعتبر هذا التمثال اليوم، ليس فقط تحفة فنية، بل وثيقة تاريخية تؤرخ لمرحلة بناء الدولة المغربية الحديثة في مدينة عريقة مثل آسفي. وبما أن التمثال أُنجز بعد سنتين فقط من وفاة الملك محمد الخامس (1961)، فقد كان يُنظر إليه كعمل "تأبيني" و"تخليدي" في آن واحد. اختيار وضعية الملك فوق صهوة الحصان يرمز إلى "الفارس" الذي قاد معركة الاستقلال بنجاح.

 

كان للسلطات المحلية بآسفي دور محوري في هذا العمل، حيث جاء طلب إنجاز التمثال في إطار مشروع وطني لتمجيد ذكرى الملك الراحل محمد الخامس، "أب الاستقلال". كانت مدينة آسفي، باعتبارها قطباً اقتصادياً وصناعياً مهماً آنذاك (خاصة في مجال الفوسفاط والصيد البحري)، ترغب في ترك بصمة فنية تليق بمكانة الملك في قلوب المغاربة.

 

مزج الفنان "بستانيا" بين خلفيته في النحت الكلاسيكي الأوروبي وبين روح الخزف الآسفي الأصيل، حيث جعل التمثال يبدو وكأنه قطعة طينية خرجت للتو من الفرن لكن بحجم عملاق. وتحول هذا النّصب، من مجرد عمل فني إلى علامة بصرية مبهرة، وصار مزاراً سياحياً يوثق ذاكرة المدينة الطينية، وواجهة للمغرب "المتجدد".

 

عمل تراثي بلمسة فنية ديبلوماسية راقية

هذا التمثال ليس مجرد جبس، بل هو رسالة دبلوماسية فنية. فنان إسباني يطوع مهارته الغربية لخدمة رمز مغربي، محترماً أدق التفاصيل، من الفرس والفارس واللجام ثم السلهام، مما جعله قطعة فريدة لا تقدر بثمن في التراث الجمالي لمدينة آسفي.

 

ينتمي التمثال إلى نمط فني عالمي عريق يُعرف بـ "تماثيل الفروسية". وهي منحوتات فنية تصوّر شخصية (غالباً حاكم أو قائد عسكري) ممتطياً جواداً، وتعد من أصعب وأغلى الأعمال النحتية. تمثال "أنخيل بستانيا" هو نسخة مغربية فريدة من "بروتوكول عالمي" في فن النحت، حيث استبدل البزة العسكرية الغربية بـ السِّلْهَامْ، ليخلق نصباً يجمع بين العظمة الكلاسيكية والهوية المغربية الخالصة.

 

هذا النوع من النحت له تقاليد ممتدة منذ العصور الرومانية، وكان يُخصص حصراً للقادة والملوك للدلالة على القوة، السيطرة، وقيادة الأمة. وهناك نماذج عالمية تشبه هذا التمثال من حيث الفلسفة أو التصميم. ففي الثقافات التي تعتز بالخيل (كالمغربية والمنغولية)، لا يُعتبر الحصان مجرد وسيلة نقل، بل هو شريك في الحكم والنصر، لذا يتم إعطاؤه تفاصيل تشريحية تضاهي تفاصيل الفارس.

 

يمثل التمثال بآسفي، قطعة فنية تنتمي لمدرسة النحت الواقعي، وتجربة فنية استثنائية تعكس لحظة تاريخية خاصة (نشوة الاستقلال). ولعل إنجاز تمثال لملك مغربي من طرف فنان إسباني في تلك الحقبة، يحمل دلالات سياسية واجتماعية على رقي الفن كجسر بين الثقافات، وانفتاحاً فنياً في مدينة آسفي لدمج الفنون العالمية بالهوية المغربية عبر مدرسة الخزف.

 

هذا النصب التذكاري لم يكن مجرد تمثال، بل كان تحدياً هندسياً أثبت فيه "بستانيا" مع تلامذته أن مدرسة آسفي قادرة على إنجاز أعمال نصبية (Monumental) وليس فقط أواني صغيرة.

 

مقاييس التمثال (تقديرية)

من الصعب تحديد مقاييس التمثال بدقة مليمترية، ولكن بالاعتماد على التناسب الهندسي المعتاد في تماثيل الفروسية الضخمة التي تُعرض في الصالونات الرسمية أو المداخل الكبرى، يمكننا تقدير الأبعاد كالتالي:

1. الارتفاع الكلي (من الأرض إلى أعلى الرأس)

ـ التقدير: يتراوح الارتفاع الإجمالي بين 220 سم إلى 250 سم.

2. طول التمثال (من مقدمة صدر الجواد إلى المؤخرة)

ـ التقدير: حوالي 180 سم إلى 200 سم.

3. عرض التمثال

ـ التقدير: يتراوح بين 60 سم إلى 80 سم.

4. أبعاد القاعدة (الركيزة)

ـ القاعدة البيضاء: طولها حوالي 160 سم وعرضها 50 سم.

ـ القاعدة الداكنة: تبدو أطول وأعرض قليلاً لتوفير الثبات، بتقدير 180 سم طولاً و70 سم عرضاً، وارتفاعها عن الأرض يتراوح بين 30 إلى 40 سم.

5. التناسب الداخلي (النسبة الذهبية)

ـ ارتفاع الجواد: يبدو أن المسافة من الحوافر إلى ظهر الجواد (حيث يجلس الملك) تعادل تقريباً 150 سم.

ملاحظة فنية: بما أن الفنان صمم هذا التمثال ليوضع داخل فضاء معماري (بهو بلدية آسفي)، فقد روعي فيه ألا يكون بحجم الميادين العملاق، لكي لا يخنق المكان ويظل المشاهد قادراً على رؤية تفاصيل السِّلْهَامْ والِّلجَامْ من مستوى النظر العادي.

 

كيف استطاع التعامل مع الوزن والمواد الإنشائية وجعل هذا الحجم الضخم متماسكاً؟

استغرق إنجاز التمثال وقتاً وجهداً كبيرين. وتطلب دقة في التوازن وفهم التشريح (الإنساني والحيواني)، ومهارة في التحكم في الكتلة. وقد أكد شهود عيان أنهم تابعوا هذه المرحلة، ولاحظوا تكرار المحاولات حتى الوصول إلى الشكل النهائي.

 

وهناك قصة يتداولها قدماء الحرفيين في آسفي، وهي أن "بيستانيا" واجهته مشكلة في "توازن الثقل" (توازن الحصان على قوائمه). قيل إنه قضى ليالي كاملة داخل المدرسة يدرس التشريح حتى لا ينهار. وكان صارماً جداً، فإذا وجد قطعة غير متوازنة ولو بمليمترات قليلة، كان يستبدلها أمام تلاميذه ليعلمهم أن الفن هو "دقة وهندسة" قبل أن يكون مجرد طين أو جبس.

 

يعتبر تمثال الملك محمد الخامس، نموذجاً فريداً للذكاء الهندسي لإنتاج عمل فني ضخم ومتوازن. استخدام الفنان الجبس، القصب، ومادة الفيلاس (خيوط أو ألياف)، ليس مجرد اختيار لمواد رخيصة، بل هو أسلوب تقني كلاسيكي يُعرف بـ "الهياكل خفيفة الوزن".

 

1. المادة المستخدمة والوزن التقديري

بالنظر إلى نعومة السطح وبياضه الناصع، هناك احتمال للمادة:

ـ الجبس عالي الجودة: وهو الاحتمال الأكبر للتماثيل التي توضع داخل الردهات الإدارية. في هذه الحالة، يكون التمثال مفرغاً من الداخل ومدعماً بهيكل غير قابل للصدأ أو تسرب المياه، ويتراوح وزنه بين 300 إلى 400 كيلوغرام.

 

2. توزيع الأحمال (الهندسة الإنشائية)

ـ نقاط الارتكاز: بما أن الجواد يقف على قوائمه الأربع، فإن الوزن يتوزع بالتساوي. قوائم الحصان في النحت تعمل كـ "أعمدة" تحمل وزن جسم الحصان والفارس والسلهام.

ـ دعامة السِّلْهَامْ: ينسدل السلهام من الخلف ليقترب من القوائم الخلفية، فنياً، هذا يملأ الفراغ ويخلق كتلة واحدة متصلة تزيد من ثبات الجزء الخلفي للتمثال وتمنعه من الميلان للأمام.

لماذا الجبس عالي الجودة؟

1. النقاء العالي واللون "الثلجي"

الجبس معروف في المغرب بنقائه الشديد وبياضه الناصع.

ـ الأثر الفني: هذا البياض سمح بالحصول على منتوج يشبه رخام "كارارا" الإيطالي. عندما تم صقل الطبقة النهائية، أعطت انعكاسًا للضوء يبرز تفاصيل "السلهام" وثناياه دون الحاجة لطلاء كثيف قد يخفي معالم النحت الدقيقة.

2. التفصيل الهندسي: في نحت "صهوة الجواد" وأرجل الفرس، احتاج الفنان لمادة لا تجف بسرعة فائقة ليتسنى له تشكيل العضلات والعروق بدقة، وفي نفس الوقت يجب أن تكون قوية بما يكفي لتتماسك مع "الفيلاس" والقصب. الجبس أعطى "ليونة" عالية أثناء التشكيل اليدوي، مما مكنه من نحت ملامح الوجه واللجام بدقة متناهية.

3. مقاومة التصدع: من أكبر مشاكل الجبس العادي هو "الانكماش" الذي يؤدي لشروخ بعد الجفاف.

ـ الربط مع الفيلاس: بما أن التمثال مبني على هيكل من القصب والفيلاس، فإن الجبس الرفيع يتميز بخاصية "التمدد الطفيف" عند الجفاف، مما يجعله يتماسك بقوة شديدة حول ألياف الفيلاس والقصب، حيث تبدو الأسطح وكأنها قطعة واحدة صبت في قالب، بينما هي في الحقيقة مبنية يدوياً طبقة فوق طبقة، مما يخلق كتلة صلبة جداً تقاوم الشروخ المجهرية التي قد تنتج عن تغيرات الحرارة.

4. التناغم مع البيئة المحلية

"بيستانيا" فنان استوطن آسفي، وأدرك أن المواد التي يستخدمها "المعلمين" المغاربة في النقش على الجبس هي الأنسب لمناخ المدينة. الجبس الرفيع أثبت قدرة عالية على مقاومة الرطوبة العالية المرتبطة بقرب المدينة من المحيط، مما حافظ على التمثال لعقود دون تآكل.

 

يتبع

 

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg