تتقاطع التحولات الاجتماعية المتسارعة مع تطور الفلسفة الجنائية لتفرز تصوراً جديداً لوظيفة العدالة، تصور يضع الحدث الجانح في قلب الاهتمام التشريعي، باعتباره حالة قانونية خاصة تستوجب معالجة دقيقة ومتدرجة… حيث إن المقاربة التقليدية القائمة على الزجر لم تعد قادرة على استيعاب تعقيدات الظاهرة، في ظل تزايد العوامل البنيوية المؤثرة في سلوك الحدث، من هشاشة اجتماعية واختلالات تربوية وضغوط نفسية متراكمة. ومن ثم، اتجه المشرع المغربي إلى بناء منظومة قانونية قوامها التدابير الإصلاحية، في إطار قانون المسطرة الجنائية، بما ينسجم مع فلسفة الحماية وإعادة الإدماج.
ومن الثابت أن هذا التوجه يجد سنده في إقرار خصوصية الحدث، الذي لم يبلغ سن الثامنة عشرة، حيث لا تكتمل لديه عناصر المسؤولية الجنائية على نحو مماثل للراشد… وبالتالي، فإن التدخل القانوني يتخذ طابعاً وقائياً إصلاحياً، يروم تقويم السلوك بدل الاقتصار على العقاب. لذلك، تم إقرار مجموعة من التدابير المتنوعة، تتوزع بين ما يسمح ببقاء الحدث داخل محيطه الاجتماعي، وما يقتضي فصله عنه، وفق معايير دقيقة ترتبط بدرجة الخطورة الإجرامية والظروف الشخصية لكل حالة.
ويبرز في هذا السياق اعتماد تدابير لا تستلزم فصل الحدث عن بيئته، استناداً إلى قناعة مفادها أن الأسرة تشكل الحاضنة الأولى لإعادة التوازن السلوكي… حيث يندرج التوبيخ ضمن هذه الآليات باعتباره أخف التدابير وأكثرها ارتباطاً بالبعد التربوي، إذ إن المشرع، من خلال الفقرة الثانية من المادة 468، أتاح إمكانية الاكتفاء به في بعض المخالفات والجنح، كما أكد في المادة 480 إمكانية تطبيقه على الأحداث دون سن الثانية عشرة. ولا يقتصر أثر هذا التدبير على التوبيخ في ذاته، وإنما يمتد إلى خلق وعي قانوني لدى الحدث، خاصة حين يتم في إطار جلسة حضورية تعزز أثره النفسي… إضافة إلى ذلك، فإن اقترانه بتدبير التسليم يعكس تكاملاً وظيفياً بين القضاء والأسرة.
وفي الاتجاه ذاته، نصت المادتان 471 و481 على تدبير تسليم الحدث إلى والديه أو وصيه أو كافله، بما يكرس دور الأسرة في الإشراف والتأطير تحت رقابة السلطة القضائية… غير أن هذا التصور، على الرغم من وجاهته، يظل رهيناً بمدى تماسك البنية الأسرية، حيث إن حالات التفكك أو الفقر قد تفرغ هذا التدبير من مضمونه، وتحد من فعاليته. ومن ثم، يبرز نظام الحرية المحروسة كآلية أكثر تركيباً، تجمع بين الإبقاء على الحدث داخل محيطه وإخضاعه لمراقبة مستمرة، وفق ما نظمته المواد 471 و481 و496 إلى 500، حيث يعهد إلى مندوبين تتبع وضعية الحدث وتقديم تقارير دورية كل ثلاثة أشهر، مع إمكانية ترتيب جزاءات مالية في حالة عرقلة مهامهم، وفق ما نصت عليه المادة 500.
غير أن التطبيق العملي لهذا النظام يكشف عن إكراهات متعددة، من أبرزها محدودية الموارد البشرية وضعف التأطير، مما ينعكس على جودة المواكبة ويحد من تحقيق الأهداف المرجوة… وهو ما يعيد طرح سؤال الفعالية، في ظل الفجوة القائمة بين النص القانوني والتنزيل الواقعي.
وفي مقابل هذه التدابير، يلجأ المشرع إلى تدابير أخرى تقوم على فصل الحدث عن محيطه الاجتماعي، حينما يتعذر تحقيق الإصلاح داخل البيئة الأصلية… حيث نصت المادة 481 على إمكانية إيداع الحدث في مؤسسات مهيأة للتهذيب أو التكوين المهني أو في أقسام داخلية، مع التأكيد على ضرورة أن تكون مدة الإيداع محدودة ولا تتجاوز بلوغ سن الثامنة عشرة. ويكتسي التكوين المهني في هذا الإطار أهمية استراتيجية، باعتباره وسيلة لمعالجة أحد أبرز أسباب الانحراف المرتبط بالحاجة الاقتصادية، عبر تمكين الحدث من مهارات عملية تؤهله للاندماج.
كما خول المشرع لقاضي الأحداث إمكانية وضع الحدث في مؤسسة علاجية، متى تبين أن حالته الصحية أو النفسية تستدعي ذلك، مع إمكانية نقله إلى مراكز مخصصة للبالغين إذا بلغ سن الرشد واستمر احتياجه للعلاج… وهو ما يعكس إدراكاً قانونياً عميقاً لأهمية البعد النفسي في تفسير السلوك الإجرامي ومعالجته.
غير أن هذه التدابير، رغم أهميتها، تصطدم بإكراهات بنيوية تحد من فعاليتها، في مقدمتها إشكالية السجل العدلي، الذي قد يتحول إلى عائق حقيقي أمام إعادة الإدماج، حيث إن استمرار أثر السوابق يشكل وصماً اجتماعياً يحد من فرص الولوج إلى سوق الشغل… وقد حاول المشرع التخفيف من هذا الأثر من خلال المادة 507، التي تخول لقاضي الأحداث إمكانية الأمر بإلغاء البطاقة رقم 1 بعد مرور ثلاث سنوات من انتهاء التدبير، شريطة ثبوت حسن السيرة، غير أن هذا المقتضى يظل محدود الأثر في ظل الممارسة العملية.
وإلى جانب ذلك، يبرز غياب إطار تشريعي متكامل للرعاية اللاحقة كأحد أبرز مكامن القصور، حيث يواجه الحدث، بعد انتهاء التدبير، فراغاً مؤسساتياً قد يدفعه إلى الانتكاس… إذ إن المبادرات القائمة، رغم أهميتها، تظل غير كافية لمواكبة الأعداد المتزايدة من المفرج عنهم، مما يضعف الأثر المستدام للتأهيل.
وخلاصة القول، أن التدابير الإصلاحية للأحداث الجانحين في التشريع المغربي تعكس توجهاً تشريعياً متقدماً، يقوم على التدرج والتناسب والتقويم، ويهدف إلى تحقيق عدالة جنائية ذات بعد إنساني… غير أن الرهان الحقيقي يظل مرتبطاً بمدى القدرة على تفعيل هذه المقتضيات على أرض الواقع، من خلال تعزيز الموارد، وتطوير آليات الرعاية اللاحقة، وإعادة النظر في بعض المعيقات القانونية، بما يضمن تحقيق الإدماج الفعلي، ويحول العدالة من مجرد نصوص إلى ممارسة ذات أثر ملموس ومستدام.




