في زمن أضحت فيه الهوية رهينة للتجاذبات، واستحالت فيه السرديات الكبرى إلى مادة للمساءلة والتمحيص، يأتي كتاب نحن أمة: السرد الوطني سؤال المنهج وعتبات الفهم الصادر حديثاً عن منشورات "باب الحكمة"، ليمثل لحظة هامة في الحراك الفكري المغربي. والحق أن هذا العمل المشترك، الذي صاغه بذكاء أكاديمي كل من الباحث في العلوم السياسية الأستاذ حسن طارق والمؤرخ الطيب بياض، يُعد بياناً معرفياً يسعى لفك الارتباط بين السرد الوطني كمعطى جامد، وبين صيرورته كبناء ثقافي وتاريخي متجدد.
ينبع غنى هذا الكتاب من قدرة مؤلفيه على إقامة جسر منهجي بين اختصاصين متكاملين؛ فبينما يمنحنا التاريخ الراهن أدوات الحفر في الذاكرة، توفر لنا العلوم السياسية مجهر التحليل البنيات القوة والتمثل الجماعي. وقد استطاع كل من الأستاذين حسن طارق والطيب بياض أن يخرجا بسؤال "الأمة" من حيز العاطفة المجردة إلى فضاء النقد المنهجي، عبر مقاربة تستلهم تجارب أمم رائدة نجحت في صياغة سردياتها الوطنية بمرونة جعلتها ملكا مشاعاً وتفاعلياً لمختلف شرائح المجتمع.
لا يقف الكتاب عند حدود التنظير، وإنما يستحضر المفهوم العميق الذي صاغه فرانسوا بيداريدا حول المسؤولية المزدوجة للباحث، مسؤولية العلمية في ضبط المنهج، والمسؤولية الأخلاقية في التفاعل مع قضايا العصر. وفي ظل ما يشهده العالم اليوم من تضخم هوياتي قد يؤدي إلى الانغلاق، يطرح الكتاب بديلاً فكرياً يقوم على تبيئة الاجتهادات النظرية الكونية ضمن التجربة المغربية الأصيلة، داعياً إلى تجاوز القراءات التبسيطية التي حنَّطت الوعي الجماعي لفترات طويلة.
تكمن قيمة نحن أمة في كونه يفتح عتبات فهم جديدة للقارئ المغربي والعربي، تجعل من قراءة التاريخ فعلاً نقدياً بامتياز. ولعله دعوة مفتوحة للمثقفين والباحثين لإعادة النظر في أدوار الفاعلين داخل تشكيل الوعي، والانتقال من مرحلة تلقي السردية إلى مرحلة بنائها بروح قوامها الانفتاح وتعدد التخصصات.
الجدير بالذكر أن هذا العمل سيزين أروقة المعرض الدولي للنشر والكتاب ويحل ضيفاً على المكتبات مطلع الأسبوع المقبل، كما يُعد إضافة نوعية لا غنى عنها لكل مهتم بسؤال الهوية في راهنيتها، وبمستقبل السرد الوطني في ظل تحديات العولمة والرقمنة.



