jeudi 30 avril 2026
منبر أنفاس

حبيل رشيد: الحكامة الإجرائية والتحول البنيوي للعدالة المدنية: قراءة تحليلية في مستجدات مشروع قانون المسطرة المدنية رقم 02.23

حبيل رشيد: الحكامة الإجرائية والتحول البنيوي للعدالة المدنية: قراءة تحليلية في مستجدات مشروع قانون المسطرة المدنية رقم 02.23 حبيل رشيد

لا شك أن مراجعة المنظومة الإجرائية المدنية في المغرب تندرج ضمن سياق تحولي عميق، يتجاوز مجرد التعديل التقني لبعض المقتضيات إلى إعادة هندسة شاملة للعدالة بوصفها مرفقًا عموميًا يخضع لمعايير الحكامة الجيدة، حيث إن مشروع قانون المسطرة المدنية رقم 02.23 يعكس إرادة تشريعية صريحة لإعادة ضبط العلاقة بين النص القانوني والممارسة القضائية، وبين القاعدة الإجرائية ومتطلبات النجاعة، وذلك في ضوء مرجعية دستورية متقدمة أقرها دستور 2011، الذي جعل من الحق في التقاضي ومن ضمانات المحاكمة العادلة مرتكزًا لا محيد عنه في بناء دولة القانون… ومن ثم، فإن هذا المشروع لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات الكبرى التي شهدها الحقل القضائي، سواء على مستوى استقلال السلطة القضائية أو على مستوى تحديث الإدارة القضائية ورقمنة خدماتها.

 

ومن المؤكد أن منطلق هذا الإصلاح يرتكز على قاعدة فقهية أصيلة مؤداها أن "الوسائل تأخذ حكم المقاصد"، إذ إن المسطرة ليست غاية في ذاتها، وإنما أداة لضمان الوصول إلى الحق، وبالتالي فإن أي تعقيد أو بطء في الإجراءات يُعد، من زاوية وظيفية، عرقلة لجوهر العدالة… لذلك، جاء المشروع ليؤسس لما يمكن تسميته بـ"العقلنة الإجرائية"، عبر تبسيط المساطر، وتقليص الآجال، وتدقيق الاختصاصات، وتوسيع مجال الرقمنة، بما ينسجم مع قاعدة "المشقة تجلب التيسير" التي يمكن استحضارها هنا في بعدها القانوني الحديث.

 

وعلاوة على ذلك، فإن استهلال المشروع بديباجة تفسيرية يُعد تطورًا نوعيًا في الصياغة التشريعية، حيث إن الديباجة لم تعد مجرد تمهيد إنشائي، وإنما أصبحت أداة تأويلية تساعد القاضي والباحث على استجلاء مقاصد المشرع، وهو ما ينسجم مع الاتجاهات الحديثة في الصياغة القانونية المقارنة… كما أن تجميع النصوص المتفرقة، وإدماج المقتضيات المتعلقة بالمحاكم التجارية والإدارية وقضاء القرب ضمن بنية موحدة، يعكس توجهًا نحو توحيد المرجعية القانونية، بما يحقق الأمن القانوني ويحد من تضارب الاجتهادات، انسجامًا مع قاعدة "اليقين لا يزول بالشك".

 

وفي سياق تعزيز النجاعة القضائية، اتجه المشروع إلى تشديد الجزاءات المالية المرتبطة بسوء استعمال الحق في التقاضي، حيث تم الرفع من قيمة الغرامات في حالات متعددة، من قبيل التقاضي الكيدي، والإخلال باحترام المحكمة، والتخلف غير المبرر للشهود… وهو توجه يكرس مبدأ حسن النية في التقاضي، ويُفعل قاعدة "لا ضرر ولا ضرار"، إذ إن إطالة أمد النزاع دون مبرر مشروع يشكل ضررًا مزدوجًا، يلحق بالخصم من جهة، وبمرفق العدالة من جهة ثانية.

 

ومن جهة أخرى، فإن المشروع سعى إلى حماية الفئات الهشة، وعلى رأسها القاصر، حيث أقر إمكانية الإذن له بالتقاضي في غياب نائب شرعي، وهو مقتضى يعكس توجهًا حمائيًا يراعي المصلحة الفضلى للطفل، انسجامًا مع الالتزامات الدولية للمغرب… غير أن هذا المقتضى، رغم أهميته، يثير تساؤلات عملية تتعلق بمدى كفاية الضمانات المصاحبة له، خاصة في غياب نص صريح يقر المساعدة القضائية الإجبارية، وهو ما يستدعي استحضار قاعدة "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، بما يفرض تعزيز الإطار الحمائي لهذا المقتضى.

 

وفيما يتعلق بنظام الطعون، فإن تقليص نطاق الاستئناف عبر رفع العتبة القيمية إلى 40.000 درهم يُعد من أكثر المستجدات إثارة للنقاش، حيث إنه، من جهة، يهدف إلى تخفيف العبء عن محاكم الدرجة الثانية وتسريع البت في القضايا، غير أنه، من جهة أخرى، قد يحد من ضمانة التقاضي على درجتين، وهي ضمانة دستورية… وبالتالي، فإن التوازن بين النجاعة القضائية وضمانات المحاكمة العادلة يظل رهينًا بمدى تفعيل آليات بديلة، كالمساعدة القانونية، وتجويد الأحكام الابتدائية، وتكريس قضاء القرب الفعال.

 

كما أن منح محكمة النقض سلطة التصدي عند النقض للمرة الثانية يُعد تحولًا نوعيًا في وظيفة هذه المحكمة، حيث لم تعد تقتصر على مراقبة تطبيق القانون، وإنما أصبحت، في حالات محددة، تفصل في جوهر النزاع… وهو ما يضع حدًا لما كان يُعرف بالنزاعات المكوكية، ويكرس مبدأ الاقتصاد القضائي، انسجامًا مع قاعدة "إذا ضاق الأمر اتسع"، أي توسيع صلاحيات القضاء لمواجهة تعقيدات الواقع.

 

وفي بعده الرقمي، يكرس المشروع انتقالًا تدريجيًا نحو العدالة الإلكترونية، من خلال اعتماد المنصات الرقمية لإيداع المقالات والطعون، وإقرار التوزيع الآلي للملفات، والاعتراف بالحجية القانونية للإجراءات المنجزة عبر الوسائط الإلكترونية… ومن الثابت أن هذا التحول الرقمي، رغم ما يحمله من مزايا على مستوى السرعة والشفافية، يطرح تحديات تتعلق بالبنية التحتية، والأمن السيبراني، وتكوين الموارد البشرية، وهو ما يستوجب مقاربة تدريجية تأخذ بعين الاعتبار الفوارق المجالية والرقمية.

 

أما على مستوى الاختصاص، فقد منح المشروع للمحكمة سلطة إثارة الدفع بعدم الاختصاص النوعي تلقائيًا في جميع مراحل الدعوى، وهو توجه يروم الحد من المناورات الإجرائية التي كانت تؤدي إلى إطالة أمد النزاع… كما تم تحديد آجال دقيقة للبت في هذا الدفع، بما يحقق الانضباط المسطري ويعزز فعالية القضاء.

 

وفي مجال التبليغ، اعتمد المشروع على المفوضين القضائيين كوسيلة أصلية، مع تحديد دقيق لأوقات وإجراءات التبليغ، وهو ما يعكس سعيًا نحو ضمان التوصل الفعلي وتقليص حالات البطلان… غير أن محدودية اعتماد الوسائل الرقمية في التبليغ تطرح تساؤلات حول مدى مواكبة المشروع للتطور التكنولوجي، خاصة في ظل الانتشار الواسع لوسائل الاتصال الحديثة.

 

ومن زاوية تنفيذ الأحكام، يثير المشروع إشكاليات دقيقة، خاصة فيما يتعلق بتنفيذ الأحكام الأجنبية وشروط منح الصيغة التنفيذية، حيث يبدو أن المشرع لم يحسم بشكل كافٍ في بعض المعايير، مما قد يفتح المجال لاجتهادات متباينة… كما أن الاستعانة بالقوة العمومية في تنفيذ بعض الأحكام، لاسيما المتعلقة بالحضانة، يطرح إشكالًا إنسانيًا ونفسيًا، يقتضي تقييد هذا الإجراء بضوابط صارمة تراعي مصلحة الطفل، انسجامًا مع قاعدة "التصرف على الرعية منوط بالمصلحة".

 

وفي قضايا الشغل، فإن حذف بعض المقتضيات المتعلقة بالتعويض المسبق يثير مخاوف حقيقية بشأن حماية الأجراء، خاصة في ظل هشاشة الوضعية الاجتماعية لفئة واسعة منهم… وهو ما يستدعي إعادة النظر في هذا التوجه، بما يحقق التوازن بين مصلحة المشغل وحقوق الأجير.

 

وبالنتيجة، فإن مشروع قانون المسطرة المدنية رقم 02.23 يشكل، دون ريب، محاولة جادة لإعادة بناء العدالة المدنية على أسس حديثة، تجمع بين النجاعة والضمانات، وبين التبسيط والدقة، وبين الرقمنة والحماية… غير أن نجاح هذا المشروع يظل رهينًا بمدى انسجام مقتضياته، ووضوح صياغته، وفعالية تنزيله، وهو ما يفرض مواكبة تشريعية وقضائية مستمرة، تضمن تحقيق الغاية الأساسية، وهي جعل القضاء في خدمة المواطن، لا مجرد جهاز لإدارة النزاعات… حيث إن العدالة، في نهاية المطاف، لا تُقاس بعدد النصوص، وإنما بمدى قدرتها على إنصاف المتقاضين في زمن معقول وبكلفة معقولة، وذلك هو جوهر الحكامة القضائية في أسمى تجلياتها.

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg