ما يحدث في مضيق هرمز ليس مجرد تصعيد عابر، بل هو إعلان صريح عن دخول المنطقة مرحلة انفلات استراتيجي غير مسبوق. لم تعد الوقائع تُقرأ كحوادث أمنية متفرقة، بل كأعراض لانهيار تدريجي لقواعد الاشتباك التي حكمت الشرق الأوسط لعقود. من اعتراض السفن إلى استعراضات الحرس الثوري المصوّرة، نحن أمام حرب استعراض قوة بقدر ما هي حرب إرادات، حيث تتحول الصورة والرواية إلى سلاح موازٍ للصواريخ.
الحديث عن “نهاية الحرب” لم يعد سوى وهم سياسي. ما انتهى هو شكل من أشكال الصراع، ليبدأ شكل أكثر خطورة: حرب خنق اقتصادي عالمي. إغلاق مضيق هرمز، أو حتى التلويح به، لم يعد ورقة ضغط بل أصبح سلاحًا استراتيجيًا يعيد تعريف مفهوم الأمن الدولي، ويكشف هشاشة النظام الاقتصادي العالمي الذي يقوم على افتراض الاستقرار الدائم.
الأكثر إثارة للقلق ليس سلوك إيران، بل ارتباك الولايات المتحدة نفسها. القوة التي طالما قدّمت نفسها كضامن للاستقرار تبدو اليوم عاجزة عن إنتاج رؤية متماسكة، وتدير الأزمة بمنطق الصفقات لا الاستراتيجيات. قرارات متقلبة، رسائل متناقضة، وشخصنة واضحة في صناعة القرار، كلها مؤشرات على تآكل مركز الثقل داخل واشنطن. السؤال لم يعد: ماذا تريد أمريكا؟ بل: هل تعرف أصلًا ما الذي تريده؟
أما أوروبا، فقد سقطت نهائيًا من موقع الفاعل إلى موقع المتضرر. انقسامها، وعجزها عن فرض مقاربة مستقلة، كشف حدود قوتها السياسية رغم ثقلها الاقتصادي. تدفع ثمن الأزمة طاقيًا وماليًا، لكنها تفتقر إلى الجرأة أو القدرة لتغيير مسارها. إنها أوروبا التي تتألم دون أن تؤثر.
في المقابل، تفرض إيران نفسها لاعبًا لا يمكن تجاوزه، ليس لأنها الأقوى عسكريًا، بل لأنها الأكثر قدرة على إدارة الفوضى. نجحت في نقل المعركة من حدودها إلى قلب النظام العالمي، عبر استهداف شريان الطاقة. والأخطر أنها لم تعد تفاوض من موقع الدفاع، بل من موقع من يملك القدرة على الإضرار بالجميع. إنها لا تطلب رفع العقوبات فقط، بل تطالب بالاعتراف بها كقوة إقليمية لا يمكن احتواؤها.
لكن هذا الصعود الإيراني يطرح معضلة عميقة: هل نحن أمام قوة تسعى للاندماج في نظام إقليمي مستقر، أم أمام فاعل يتغذى على الأزمات ويعيد إنتاجها؟ تجربة لبنان والعراق واليمن لا توحي بكثير من الطمأنينة.
دول الخليج، من جهتها، تجد نفسها أمام لحظة حقيقة قاسية. المظلة الأمنية الأمريكية التي بُنيت عليها استراتيجياتها لعقود، لم تعد تبدو صلبة كما كانت. بل إن هذه الحرب كشفت أنها قد تتحول من ضمانة أمن إلى مصدر خطر. الاعتماد المطلق على واشنطن لم يعد خيارًا مريحًا، بل أصبح رهانًا محفوفًا بالمخاطر.
الدرس الأكثر إيلامًا في هذه الحرب هو سقوط أسطورة الحسم العسكري. أقوى جيش في العالم لم يتمكن من ترجمة تفوقه إلى إنجاز سياسي. وهذا ليس تفصيلًا، بل تحوّل عميق في طبيعة القوة في النظام الدولي. القوة اليوم لم تعد تُقاس فقط بالقدرة على التدمير، بل بالقدرة على التحكم في التداعيات.
ما يتشكل أمامنا ليس “نظامًا إقليميًا جديدًا” بالمعنى الكلاسيكي، بل فراغًا استراتيجيًا مفتوحًا على كل الاحتمالات. نظام يتآكل، وقوى تتصارع على أنقاضه، دون قواعد واضحة أو توازنات مستقرة.
في النهاية، الخطر الحقيقي لا يكمن في الحرب نفسها، بل في غياب أفق لنهايتها. نحن لا نعيش أزمة عابرة، بل لحظة تفكك تاريخي، قد تعيد رسم خرائط النفوذ، أو تدفع المنطقة نحو فوضى طويلة الأمد، حيث لا أحد يملك السيطرة الكاملة… ولا أحد خارج دائرة الخطر.





