dimanche 26 avril 2026
كتاب الرأي

محمد بوبوش: قراءة في أبعاد ودلالات زيارة "كايا كاليس" للمغرب

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
محمد بوبوش: قراءة في أبعاد ودلالات زيارة "كايا كاليس" للمغرب محمد بوبوش

تشكل زيارة   كايا كالاس Kaja Kalla، الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية ونائبة رئيس المفوضية الأوروبية، إلى المغرب (16-17 أبريل 2026) حدثاً دبلوماسياً استراتيجياً في سياق الشراكة الأورو-مغربية. هذه الزيارة الأولى لها إلى المغرب منذ توليها المنصب، تأتي بعد أشهر قليلة من عقد الدورة الخامسة عشرة لمجلس الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب (29 يناير 2026) التي صادفت الذكرى الثلاثين لاتفاق الشراكة لعام 1996. تأتي هذه الزيارة في مناخ دولي مضطرب، يسعى فيه الاتحاد الأوروبي إلى تثبيت علاقاته مع المغرب كشريك موثوق على جميع الأصعدة.

أولا: السياق الجيوسياسي والجيوستراتيجي

تأتي الزيارة في ظل إعادة تعريف الاتحاد الأوروبي لعلاقاته مع "الجوار الجنوبي في ظل التحولات الجيوسياسية التي يعرفها النظام الدولي المتسم بحالة اللايقين والتعقد والاضطراب.

يمكن تحليل توقيت زيارة الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي من خلال ثلاثة مستويات متداخلة تعكس الأهمية الاستراتيجية للعلاقات بين الطرفين:

1-المستوى الثنائي: تأتي الزيارة بعد مرور ثلاثة عقود على توقيع اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب في عام 1996، وبعد أشهر قليلة من انعقاد الدورة الخامسة عشرة لمجلس الشراكة الأورو-مغربي في 29 يناير 2026.

 يعكس هذا التوقيت رغبة الطرفين في الانتقال من نموذج "التعاون القطاعي" إلى "التحالف الاستراتيجي الشامل"، الذي يهدف إلى تعميق الروابط في مختلف المجالات، بما يتجاوز الأطر التقليدية للتعاون. وقد أكد وزير الخارجية المغربي "ناصر بوريطة" أن الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي هي، بالنسبة للملك محمد السادس، شراكة محورية وذات طابع استراتيجي تتميز بعمقها وثرائها وأهميتها وتعدد أبعادها، إذ تشمل جميع القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والثقافية والإنسانية.

 يعد تكتل الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول والمستثمر الأجنبي الأول للمغرب (تبادل تجاري تضاعف خمس مرات منذ 2000). الزيارة أعلنت عن شراكة استراتيجية شاملة جديدة تركز على التجارة، الاستثمار، والانتقال البيئي.

وبخصوص الهجرة والتنمية والأمن المائي والغذائي، تظل- ملفات "الميثاق الجديد للهجرة" «ميثاق المتوسط   Pact for the Mediterranean الذي أطلق في برشلونة نوفمبر 2025. والمساعدات التقنية لمواجهة الإجهاد المائي في المغرب-على رأس الأولويات، حيث يسعى الاتحاد الأوروبي لتقديم نموذج "التعاون التنموي" كأداة للحد من الهجرة غير النظامية.

وعلى الصعيد التكنولوجي والبيئي، أكدت كالاس أن الرباط وبروكسل بصدد توسيع تعاونهما ليشمل قطاعات جديدة من قبيل الرقمنة والطاقات المتجددة والابتكار، مما سيعود بالنفع على الأوروبيين والمغاربة على حد سواء.

وفي المجال الاجتماعي والإنساني، أوضحت كالاس أن الشراكة تشمل مجالات التحول الإيكولوجي والتعليم والاستثمار، مع إضافة برامج جديدة تركز على المهارات وريادة الأعمال وتحسين بيئة الأعمال.  

2- المستوى الإقليمي: تتزامن الزيارة مع تزايد دور المغرب كـ "قطب استقرار" إقليمي في منطقة شمال أفريقيا والساحل، وهي منطقة تشهد تحديات أمنية واقتصادية معقدة. يُنظر إلى المغرب كشريك موثوق به قادر على المساهمة في ضبط الأمن وتحقيق الاستقرار الإقليمي، خاصة في ظل تراجع النفوذ التقليدي لبعض القوى الأوروبية (فرنسا) في دول الجوار( في غرب إفريقيا).

كما يعمل الاتحاد الأوروبي على تعزيز "السيادة الاستراتيجية"، ويعد المغرب شريكاً محورياً في استقرار منطقة المتوسط والساحل، خاصة مع تزايد التوترات في ممرات الملاحة الدولية. فالمغرب بالنسبة للاتحاد الأوروبي أصبح قوة إقليمية في غرب المتوسط، حيث تسعى المفوضية الأوروبية لتثبيت الشراكة مع الرباط كنموذج للاستقرار في منطقة تعج بالاضطرابات (ليبيا، منطقة الساحل، وتداعيات الصراعات في الشرق الأوسط).

 3-المستوى الدولي: تسعى الزيارة إلى تعزيز "الجبهة الجنوبية" للاتحاد الأوروبي في مواجهة التهديدات الجيوسياسية المتزايدة، بما في ذلك التحديات الأمنية الناجمة عن النزاع في أوكرانيا والتوترات مع إيران. في هذا السياق، يُعد المغرب شريكاً حيوياً في ملفات الأمن الطاقي، ومكافحة التضليل المعلوماتي، والأمن البحري، مما يجعله عنصراً أساسياً في استراتيجية الاتحاد الأوروبي لتعزيز أمنه واستقراره.

·  الأمنية والعسكرية: الاتفاق على حوار أمني قبل نهاية 2026، ومنتدى أمني إقليمي أورو-متوسطي في نوفمبر 2026 (مكافحة الإرهاب، الأمن البحري، التهديدات الهجينة). يعكس هذا الواقعية الجيوسياسية في مواجهة التحديات المشتركة (ساحل، غزة، أوكرانيا).

ثانيا: الموقف من قضية الصحراء...من الحياد السلبي إلى الدعم الصريح

يمثل هذا الملف المحور الأكثر ثقلاً وحساسية في الزيارة التي شكلت نقطة تحول نوعية في الموقف الرسمي للاتحاد الأوروبي من قضية الصحراء المغربية، حيث شهدت تصريحات كايا كالاس تطوراً مهماً من نواح عديدة:

 1-الاعتراف بالواقعية: أكدت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي على التزام الاتحاد بالعملية التي تقودها الأمم المتحدة بشأن الصحراء الغربية، بما يتماشى مع قرار مجلس الأمن رقم  (2797) والأهم من ذلك، فقد اعتبرت مبادرة الحكم الذاتي المغربية "أساساً جدياً وواقعياً" للتوصل إلى حل سياسي دائم ومقبول للطرفين. يمثل هذا الموقف انتصاراً للدبلوماسية المغربية وتكريساً للإجماع الدولي المتنامي حول واقعية وجدية المقترح المغربي.

2- التحول في لغة الخطاب الرسمي: يشير تصريح كالاس بأن "الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل النتيجة الأكثر جدوى" إلى انتقال الاتحاد الأوروبي من موقف الحياد السلبي إلى دور الداعم النشط للحل السياسي تحت السيادة المغربية. وقد رحب الاتحاد الأوروبي باستعداد المغرب للانخراط بحسن نية مع جميع الأطراف المعنية لتوضيح ترتيبات خطة الحكم الذاتي وشكل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. كما أبدى الاتحاد الأوروبي استعداده للمساعدة في تسهيل المشاورات بين الأطراف في إطار الأمم المتحدة ودعم جهود المبعوث الشخصي للأمين العام. ويلاحظ تناغم الموقف الأوروبي مع قرار مجلس الأمن رقم 2797 من خلال:

·  الاعتراف الضمني عبر الخرائط: في مارس 2026، اعتمد بنك الاستثمار الأوروبي (EIB) ولأول مرة خريطة المغرب كاملة في منشوراته الرسمية، وهو ما يُعد إشارة سياسية قوية لمؤسسات بروكسل.

·  التوفيق القانوني: يسعى الاتحاد الأوروبي لتكييف اتفاقياته التجارية مع أحكام القضاء الأوروبي ومع بنود قرار مجلس الأمن رقم 2797 بما يضمن استمرار شمولية الأقاليم الجنوبية للمملكة في الاتفاقات الدولية.

لكن أبرز دلالة جيوسياسية كانت هي التأكيد أن الاتفاقيات الأورو-مغربية تنطبق كاملة على الأقاليم الجنوبية، ودعم «الحكم الذاتي الحقيقي» كحل أكثر واقعية. هذا تحول تاريخي يعكس نجاح الدبلوماسية المغربية في جعل الاتحاد الأوروبي (27 دولة) يتبنى موقفاً موحداً ينسجم مع قرارات الأمم المتحدة.

 ثالثا: الاستنتاجات والآفاق المستقبلية

يمكن استشراف عدة مسارات: بعد هذه الزيارة الرسمية:

1-على المدى القصير: سيُفضي البيان المشترك إلى تفعيل مسار تفاوضي يرمي إلى تحديث اتفاقية الشراكة، مع إدراج الصحراء ضمن منظومة التبادل التجاري بصورة قانونية أكثر صرامة وانسجاماً مع أحكام القضاء الأوروبي.

2-على المدى المتوسط: يندرج المغرب بشكل متصاعد في استراتيجية أوروبا للتنويع في شراكاتها الجنوبية، خاصة في ظل الاضطرابات التي يشهدها الشرق الأوسط وملف مضيق هرمز، مما يرفع من القيمة الجيوستراتيجية للمغرب بوصفه بوابة برية وبحرية موثوقة.

3-على المدى البعيد: تسير العلاقات المغربية-الأوروبية نحو نموذج تكاملي تعاوني من نوع جديد، يتجاوز الشراكة الكلاسيكية والأطر التقليدية ويقترب من نموذج "التكامل التفاضلي" الذي يمنح المغرب وضعاً خاصاً دون عضوية رسمية.

ختاما، تُجسد هذه الزيارة لحظة فارقة في مسار العلاقات المغربية-الأوروبية نقطة تحول نوعي نحو شراكة استراتيجية شاملة تتجاوز الإطار التجاري التقليدي إلى تحالف جيوسياسي متكامل؛ فهي ليست مجرد زيارة بروتوكولية، بل هي رسالة سياسية مركّبة توجهها بروكسل إلى الرباط بأن المغرب يحتل موقعاً محورياً لا يمكن الاستغناء عنه في الاستراتيجية الأوروبية للجوار الجنوبي. والأهم من ذلك، التحول الواضح في ملف الصحراء الذي يعكس إدراكاً أوروبياً متزايداً بأن الاستقرار الإقليمي في شمال أفريقيا مرتبط ارتباطاً وثيقاً بدعم النموذج المغربي.

 

محمد بوبوش، أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية، المدرسة العليا للتكنولوجيا، جامعة محمد الأول، وجدة

 

fa43adde-9237-4fa7-a4a0-0dceb2578eab.png

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg