تشهد مالي حاليا تحولا دراماتيكيا في طبيعة الصراع، حيث لم تعد المواجهات محصورة في الصحراء الشمالية، بل انتقلت إلى قلب العاصمة باماكو التي باتت تعيش تحت تهديد السقوط الفعلي. هذا التصعيد الممنهج، الذي تقوده "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" بقيادة إياد أغ غالي رجل المخابرات الجزائرية في المنطقة ، يكشف عن رغبة واضحة من طرف النظام العسكرى الجزائري في تقويض أركان الدولة المالية وتصفية قياداتها، وهو ما تجلى في استهداف قاعدة "كاتي" واغتيال وزير الدفاع ساديو كامارا، مما وضع المجلس العسكري الحاكم في أصعب اختبار له منذ توليه السلطة.
وترتبط هذه التطورات الميدانية ارتباطا وثيقا بالتحولات الجيوسياسية في المنطقة، حيث ان تحريك هذه الجماعات المتطرفة من طرف الجزائر في هذا التوقيت بالذات هو رد فعل استراتيجي على تقارب باماكو مع الرباط وانضمام مالي للمبادرة الأطلسية المغربية. وينظر إلى إياد أغ غالي كأداة لإعادة فرض النفوذ الجزائري على الملف المالي، حيث تهدف الهجمات إلى معاقبة باماكو على تخليها عن "اتفاق الجزائر" وسحب اعترافها بالجمهورية الوهمية ، وسعيها لفتح آفاق اقتصادية وأمنية جديدة مع المغرب تتجاوز الوصاية التقليدية للجارة الشمالية.
وفي ظل هذا الحصار الخانق الذي تعيشه العاصمة، أصبح دور المغرب يتجاوز الدعم الدبلوماسي التقليدي إلى ضرورة تقديم مساعدة استراتيجية تشمل التنسيق الاستخباراتي العالي لتفكيك الشبكات المرتبطة بالأجندات الخارجية، وتوفير جسر إنساني وطبي عاجل لتخفيف الضغط عن السكان.
إن إنقاذ باماكو من السقوط لا يعد فقط دفاعا عن سيادة مالي، فهو صمام أمان لمنع تحويل منطقة الساحل إلى بؤرة فوضى دائمة تخدم مصالح الجزائر التى تسعى لتعطيل مشاريع التنمية والاستقرار العابر للحدود وعلى رأسها المبادرة الاطلسية لفك العزلة عن دول الساحل، التي اعلن عنها الملك محمدالسادس.
محمد الطيار، رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية





