غادرنا إلى دار البقاء منذ أيام البروفيسور سعودي زمراك، أخصائي الأمراض العصبية، بعد مرض لم ينفع معه علاج.
ومن باب الوفاء لشخصية عاشرتها تحت قبة البرلمان في تسعينيات القرن الماضي، تأتي هذه الشهادة من أجل التذكير بالمناقب الإنسانية وبمناقب الراحل والتي استمدها من بيئة مغربية خالصة تعكس قيم المغرب العميق.
ففي قلب المجال القروي لإقليم بني ملال، وتحديداً بجماعة فم العنصر، برزت عائلة زمراك كواحدة من الأسر التي نسجت حضورها داخل التاريخ المحلي منذ عهد جده القائد موحى أو الطالب، ليس فقط باعتبارها عائلة ذات امتداد اجتماعي، بل كفاعل ساهم في تشكل الوعي الجماعي والممارسة السياسية في المنطقة.
إن الحديث عن هذه العائلة هو في العمق حديث عن نموذج مغربي خاص، حيث تتداخل البنية القبلية مع مؤسسات الدولة الحديثة، ويعاد إنتاج الريادة في صيغ جديدة تجمع بين التقليد والتحديث.
منذ فترات ما قبل الاستقلال، وكما كان يحكي لي الراحل وكذلك عمه الحركي المؤسس امبارك زمراك، كانت المنطقة تعيش على إيقاع التنظيمات القبلية وشبكات التضامن الاجتماعي، حيث لعبت العائلات الكبرى دوراً محورياً في ضبط التوازنات وحل النزاعات. وفي هذا السياق، برزت عائلة زمراك كإحدى العائلات التي راكمت رصيدا من الثقة والشرعية داخل محيطها، مستفيدة من موقعها الاجتماعي المؤثر.
لم يكن هذا الدور معزولا عن السياق الوطني، بل كان جزءاً من دينامية عامة عرفها المغرب، حيث كانت البنيات التقليدية تمثل الامتداد الطبيعي للسلطة المركزية في العالم القروي.
ومع حصول المغرب على الاستقلال سنة 1956، دخلت البلاد مرحلة إعادة بناء مؤسساتها، وكان من أبرز تجليات ذلك إرساء نظام الجماعات المحلية. هنا، ستجد عائلة زمراك نفسها أمام تحول نوعي: من ريادة تقليدية قائمة على الأعراف القبيلة إلى فاعل سياسي داخل مؤسسات منتخبة.
وقد تجسد هذا التحول في بروز شخصيات من العائلة داخل المجالس الجماعية، وعلى رأسهم الراحل أمبارك زمراك الذي تولى مسؤولية رئاسة جماعة فم العنصر وغرفة الفلاحة، في انتقال من منطق التأثير الاجتماعي إلى منطق التمثيلية الديمقراطية.
لم يكن هذا الانتقال مجرد تغيير في الشكل، بل حمل في طياته دلالات عميقة. فقد ساهمت العائلة، من خلال حضورها في تدبير الشأن المحلي، في ترسيخ ثقافة المشاركة السياسية داخل المجتمع القروي.
ومن زاوية سوسيولوجية، يمكن اعتبار عائلة زمراك امتدادا لما يعرف في الأدبيات بـ"الأعيان المحليين"، الذين يشكلون حلقة وصل بين المجتمع والدولة. غير أن خصوصية هذه العائلة تكمن في قدرتها على التكيف مع التحولات، حيث لم تكتفِ بالحفاظ على مكانتها التقليدية، بل انخرطت في آليات العمل المؤسساتي، مما منحها استمرارية في التأثير داخل المجال المحلي.
ففي عمق هذه البيئة المغربية الأصيلة، نشأ وتربى المرحوم سعودي زمراك، في حضن والده المرحوم صالح زمراك الذي تولي مناصب سامية في الإدارة الترابية من بينها عاملا للعيون بالصحراء المغربية. كما استفاد من التوجيه والاحتضان السياسيين لعمه المرحوم امبارك زمراك.
تغمد الله الفقيد بواسع الرحمة والمغفرة وأسكنه فسيح الجنان وألهم والدته وزوجته وابنه موحي وأشقائه الصبر والسلوان. إنا لله وإنا إليه راجعون..
إدريس السنتيسي ، رئيس الفريق الحركي بمجلس النواب




