هل ما يزال الطفل في المغرب يستفيد من حقه في العدالة التربوية والعدالة المجالية، أم أن الطفولة نفسها أصبحت مرآة مكشوفة لعمق اللامساواة داخل المجتمع؟ هل نعيش منظومة تضمن تكافؤ الفرص في التعلم واللعب والتنشئة، أم أننا أمام إعادة إنتاج صامتة للفوارق منذ السنوات الأولى للحياة؟
بين حيّ شعبي تفتقر أزقته إلى فضاءات اللعب والتأطير، وحيّ ميسور تتكاثر فيه المدارس الخصوصية والأنشطة المؤدى عنها، تتعمق الفجوة ليس فقط في البنيات، بل في المسارات التربوية نفسها. وهنا لا يتعلق الأمر بتفاوت تقني فحسب، بل بانكسار مزدوج:
انكسار العدالة المجالية التي تحدد أين يعيش الطفل، وانكسار العدالة التربوية التي تحدد كيف يُربّى ويتعلم ويُوجَّه.
في الأحياء الشعبية والمتوسطة، ما يزال الطفل يركض خلف الكرة في الأزقة، يبتكر ألعابه من لا شيء، ويصنع فرحه الجماعي بعفوية. لكن هذا المشهد لم يعد كما كان؛ فقد اقتحم الهاتف المحمول حياته مبكرًا، وأصبح منافسًا للشارع، بل بديلًا عنه. نحن أمام انتقال صامت من طفولة جماعية إلى طفولة أكثر فردانية، حيث تُستهلك المتعة عبر الشاشة بدل أن تُبنى داخل جماعة.
هذه التحولات تكشف أزمة أعمق: أزمة في تأطير الوقت الحر.
فمن يؤطر الطفل اليوم؟ الشارع؟ المدرسة؟ أم السوق؟
لقد حاولت الدولة والحكومات الأخيرة أن تجيب، ولو جزئيًا، عبر إحداث ملاعب القرب في مختلف المدن والقرى، وفتح بعض الفضاءات السوسيو-رياضية داخل المدن الكبرى. وقد وفرت هذه المبادرات متنفسًا مهمًا، لكنها ظلت محدودة الأثر بفعل عاملين حاسمين: اعتماد جزئي على الأداء، وتفاوتات مجالية صارخة في التوزيع. فبين مدن كبرى تتمتع ببنيات متعددة، ومدن ما تزال بنيتها التحتية الرياضية في بداياتها، ومناطق قروية وهوامش تكاد تنعدم فيها هذه الفضاءات، يتكرس تفاوت فعلي في الحق في اللعب والترفيه.
وهنا يُطرح سؤال جوهري: هل الوقت الحر حق عمومي مضمون، أم خدمة تتحدد بإمكانات الأسرة وموقعها الجغرافي؟
في المقابل، يشتغل السوق بكفاءة.
أنشطة موازية، لغات، رياضات، ورشات رقمية وأخرى للتعبير الفني والجسدي… كل شيء متاح، لكن بشروط: القدرة على الدفع.
وهكذا تنتقل التربية غير النظامية من مجال عمومي إلى سوق خدمات، وتتحول الطفولة تدريجيًا إلى مجال للاستثمار الأسري.
هذا التحول يضع الأسر، خاصة المتوسطة والفقيرة، تحت ضغط غير مسبوق. فإلى جانب تدبير الحاجيات الأساسية، تجد نفسها مطالبة بمجاراة متطلبات طفل يعيش داخل منطق المقارنة الاجتماعية أو تحت تأثير المحيط. لذلك، يضحي كثير من الآباء باستقرارهم المالي، وقد يلجؤون إلى القروض أو التفريط في ممتلكاتهم، فقط لضمان “فرص أفضل” لأبنائهم.
غير أن هذه الدينامية تُنتج، في حالات كثيرة، طفولة متشبعة بمنطق الاستهلاك والأخذ، مع تراجع قيم الاستقلالية والعطاء، حيث تُقاس القيمة بما يُقدَّم للطفل، لا بما يُسهم فيه.
ولا يقف هذا التحول عند حدود الأنشطة الموازية، بل يمتد إلى المدرسة نفسها. فقد كانت المدرسة العمومية، إلى عهد قريب، فضاءً للعدالة التربوية، يجلس فيه أبناء مختلف الطبقات تحت نفس الشروط، ويخضعون لنفس القواعد.
أما اليوم، فقد تغير المشهد؛ إذ تتجه فئات واسعة من الطبقة الميسورة والمتوسطة نحو التعليم الخصوصي بدعوى الجودة والحماية، بينما تُترك المدرسة العمومية لأبناء الفئات الشعبية في سياقات أكثر هشاشة.
وفي المقابل، لم تعد سلطة الأستاذ الرمزية والتربوية داخل بعض مؤسسات التعليم الخصوصي كما كانت، إذ أصبح خاضعًا لمنطق “الزبون”، حيث يمكن لشكاية أن تهدد استقراره المهني. وهكذا تتحول العلاقة التربوية من علاقة قائمة على المعرفة والتأطير إلى علاقة خدمة محكومة بمنطق السوق.
نحن أمام تحول عميق في ميزان القيم:
طفل يطلب أكثر مما يُنتج، بل ويتحكم أحيانًا في قرارات الأسرة الاستراتيجية.
أسر تحاول اللحاق بهذا الإيقاع المتسارع.
مؤسسات تفقد تدريجيًا قدرتها على التأطير.
في هذه اللحظة، يصبح السؤال أكثر دقة: من يملك اليوم سلطة تأطير الوقت الحر للطفل؟
الشارع غير مؤطر،
المدرسة تعيش اختلالات،
والسوق يملأ الفراغ بشروطه.
ثم تبرز أزمة أخرى لا تقل أهمية: أزمة التطوع.
ففي سياق اقتصادي ضاغط وارتفاع كلفة المعيشة، لم يعد العمل التطوعي قادرًا على الاستمرار بنفس الزخم، مما أدى إلى تراجع دور الجمعيات التربوية، ونقص في المؤطرين، وتقلص في الفضاءات البديلة.
أمام هذا الواقع، لا يمكن الاكتفاء بالتشخيص، بل يصبح من الضروري إعادة بناء مقاربة عمومية مندمجة لقضايا الطفولة والشباب، تجعل من الوقت الحر مجالًا استراتيجيًا للتنشئة، لا هامشًا ثانويًا. وهذا يقتضي:
– اعتبار الوقت الحر حقًا عموميًا مضمونًا بأثمنة رمزية، وليس خدمة مؤدى عنها.
– تقليص الفوارق المجالية عبر تعميم فضاءات القرب المجانية أو الميسّرة.
– إعادة الاعتبار للمؤسسات العمومية كحاضنة للتأطير التربوي.
– دعم الفاعلين التربويين وتأهيل الموارد البشرية في مجال التنشيط والاعتراف بهم مؤسساتيًا.
– إدماج العمل الجمعوي ضمن سياسة عمومية واضحة ومستدامة.
– إعادة التوازن بين أدوار الدولة والسوق والأسرة في تأطير الطفولة.
في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بملء وقت فراغ الطفل، بل بتحديد طبيعة المجتمع الذي نريد. فإما أن نؤسس لعدالة تربوية ومجالية تضمن تكافؤ الفرص منذ الطفولة، أو نستمر في إنتاج اللامساواة بشكل مبكر، يصعب تداركه لاحقًا.




