lundi 13 avril 2026
فن وثقافة

"أكتب لأبقى" للإعلامية عزيزة حلاق.. الكتابة كفعل مقاومة لترك الأثر

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
"أكتب لأبقى" للإعلامية عزيزة حلاق.. الكتابة كفعل مقاومة لترك الأثر غلاف الكتاب

تأتي تجربة عزيزة حلاق في كتابها "أكتب لأبقى" بوصفها محاولة لاستعادة جوهر الكتابة: أن تكون الكلمة أثرًا، وأن تتحول المقالة إلى شكلٍ من أشكال الذاكرة. فالكتاب يتجاوز أن يكون مجرد تجميع لنصوص متفرقة كُتبت في سياقات صحفية مختلفة، لا، إنه أقرب إلى سيرة فكرية وإنسانية تُكتب عبر مقاطع من الحياة، حيث تتحول التجربة الشخصية إلى مادة للتأمل في المجتمع والزمن والإنسان.
تنتمي عزيزة حلاق إلى جيل من الصحافيين الذين عاشوا التحولات الكبرى في المشهد الإعلامي المغربي خلال العقود الأخيرة. ومن خلال نصوص هذا الكتاب، تبدو الكاتبة كمن تعيد قراءة تلك التحولات ليس بوصفها أحداثًا سياسية أو إعلامية فحسب، بل باعتبارها تحولات في وعي الإنسان نفسه، وفي علاقته بالسلطة، والذاكرة، والقيم. لذلك تتحول المقالة في هذا العمل إلى مساحة للتفكير، لا مجرد تعليق على الواقع. كما يقول الكتاب عبد العزيز كوكاس في التقديم الموجود على ظهر غلاف الكتاب.
ما يميز "أكتب لأبقى" هو هذا التداخل بين الذاتي والعام. فالنصوص تنطلق في الغالب من تجربة شخصية أو من موقف عابر، لكنها سرعان ما تنفتح على أسئلة أوسع تتعلق بالمعنى الإنساني للحياة. في لحظةٍ ما نقرأ عن طفولةٍ تشكلت بين أمكنة ووجوه، وفي لحظة أخرى نجد أنفسنا أمام تأمل في السلطة أو في تحولات الإعلام أو في هشاشة الصورة التي نصنعها عن الآخرين. هكذا تتشكل الكتابة هنا بوصفها محاولة لفهم العالم عبر تفاصيله الصغيرة.
ليست عزيزة حلاق كاتبة تنظّر من خارج التجربة؛ بل تكتب من داخلها. من ذاكرة العمل الصحفي، ومن الاحتكاك اليومي بالناس والأحداث، ومن مواجهة المفارقات التي يعيشها المجتمع بين الخطاب والممارسة. ولهذا تبدو نصوص الكتاب صادقة ومباشرة، لكنها في الوقت نفسه مشبعة بحس نقدي يضع القارئ أمام أسئلة محرجة: عن السلطة حين تتحول إلى وهم، وعن المثقف حين يسقط في تناقضاته، وعن الإعلام حين يفقد رسالته ويتحول إلى مجرد صدى للضجيج.
غير أن هذا الحس النقدي لا يتحول في الكتاب إلى خطاب اتهامي أو إلى نزعة تشاؤمية. على العكس، تحافظ الكاتبة على نبرة إنسانية هادئة، تترك مسافة للتأمل، وتفسح المجال أمام القارئ ليشارك في بناء المعنى. فالنصوص تقترح قراءة للعالم، وتفتح باب الحوار مع القارئ حول أسئلة الوجود والحياة اليومية.
من هذه الزاوية يمكن قراءة "أكتب لأبقى" ككتاب عن الذاكرة بقدر ما هو كتاب عن الحاضر. فالكتابة هنا محاولة لإنقاذ اللحظات من النسيان، ولتحويل التجربة الفردية إلى شهادة على زمنٍ بكامله. إنها كتابة تدرك أن الإنسان لا يبقى بما يملكه أو بما يعيشه من نجاحات عابرة، بل بما يتركه من أثر في الكلمات والأفكار.
لهذا يبدو عنوان الكتاب دقيقًا في اختياره "أكتب لأبقى"، فالبقاء هنا ليس بقاءً شخصيًا أو ذاتيًا فحسب، بل بقاء للمعنى ذاته. وكأن الكاتبة تقول إن الكتابة، في جوهرها، ليست سوى محاولة هادئة لمقاومة العدم… محاولة لأن نقول للعالم، عبر الكلمات :لقد مررنا من هنا، وفكرنا، وتركنا أثرًا من الضوء.

41c91dc3-d726-4984-aa3d-cd55c6241bec.jpg

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg